علمت الأحداث " أسامة " أن يؤمن الإيمان كله بالقدر ، وأي شيء يدعو إلي الإيمان بالقدر كالحرب والصيد ؟ هذا حي تدل كل المظاهر علي أنه سيحيا فيموت ، وهذا حي تدل كل الدلائل على أنه يموت فيحيا وهو نفسه يقف مواقف يري فيها الموت محققا ثم ينجو ، ويستهين مواقف لا يري فيها شيئا من الخطورة فيصاب .
وكان له حس دقيق بهذه الأمور ، فهو يراها ويلتفت لها ويعجب منها ، ويحمله ذلك كله على الإيمان بالقدر خيره وشره .
رمي مرة - وهو صبي - عصفورا بسهم فلم يصب الرمي ، ثم ارتد السهم فأصاب عصفورا آخر كان يطل برأسه من هشه - ولم يكن أسامة رآه - فقتله .
وهو وصاحبه مرة يهزمان ثمانية فرسان ، ثم يهزمهما " رويجل " .
ورجل يقتل اسدا ، ثم تقتله عقرب .
وندي القشيري الفارس بطعنه فارس صليبي فيقطع شريانا في صدره ، ويخرج الرمح من جانبه الآخر - وكل الظن الا يصل إلى بيته حيا ، فيسلم ويصح ، وتلتئم جراحه ، ويبقي سنة إذا نام على ظهره لا يقدر على الجلوس إلا إذا اسنده اثنان ، ثم يزول ما يشكو منه ، ويعود مقاتلا كما كان .
و" عتاب البطل المغوار ، الضخم الجسم ، الفخم الصوت ، الذي يفعل الأفاعيل بالأعداء ويدور اسمه على كل لسان لشجاعته وفروسيته ، يدخل بيته فيجلس على اريكة عليها غطاء ، ويعتمد في جلوسه على يده ، فتدخل فيها إبرة ، فوالله لقد كان يئن انينا يسمعه من بالحصن لعظم
خلقته وجهارة صوته ، ثم يموت ، و ندى لا يموت .
ومعلم مكتب في قرية يعرض له أمر يحمله على الخروج من المكتب ، وبعد مفارقته بقليل تزلزل الأرض ويقع البناء على الأطفال ، فيموتون كلهم وينجو المعلم
وكان " أسامة يقاتل الإسماعيلية مرة ، حتى إذا انتهي القتال سمع رجلا يصيح : " الرجال الرجال فبادر هو وصحبه وسألوه عن صياحه ، فأشار إلى اصطبل قديم مظلم ، وقال : اسمع هنا صوت رجال ، فدخلوا فوجدوا رجلين من الإسماعيلية فقتلوهما ، ووجدوا إسماعيليا ورجلا آخر من رجالهم يتقاتلان ، فقتلوا الإسماعيلي ، وحملوا صاحبهم إلى المسجد وبه جراحات عظيمة وهو لا يتحرك ولا يتنفس ، ويظن كل من رآه أن قد مات ، ثم أخذ نفسه يتردد ، فخاطوا جراحه في رقبته وجسمه ، ثم عاد إلى صحته كما كان
وأصبح " أسامة " يوما وهو واقف قرب الحصن ، فرأي ثلاثة شخوص مقبلة ، أما اثنان فكمالناس ، وأما الثالث بينهما فلم يتبينه ، حتى إذا قرب رأي رجلا قد ضربه افرنجي بسيفه في وسط أنفه ، فقطع وجهه إلي اذنيه وقد استرخي نصف وجهه حتى تدلي إلى صدره . وبين النصفين من وجهه قريب من شبر ، فدخل البلد وخاط الجراح وجهه وداواه ، والتحم الجرح وشفي وسموه ابن غازي " المشطور " من أجل ذلك
وهو نفسه عبرة العبر في ذلك ، فكم قاتل اسودا ثم كادت تقتله ضبع ، وكم أخطأ التقدير تخرج عليه الكمين وهو يظنه في مأمن ، وهو يقاتل على فرس يظهر بعد أنه من أردا الأفراس ، ولا يظن نفسه تنجو ثم ينجو ، ويخرج عليه العرب والفرنج في وادي موسي فيقتلون عباسا ومن معه ويسلم هو ، إلى كثير من امثال ذلك
كل هذه المناظر وأمثالها أسلمته إلي الإيمان بالقدر ايمانا كايمان المجائز . والإيمان بالقدر سلاح ذو حدين ،
فأحيانا يدعو إلي التواكل والخمول وترك الأمور تجري كما تشاء ، وعدم الايمان بالربط بين الأسباب والمسببات ، وهذا أقبح وجهيه وأثلم حديه ، وهو الذي تلجأ إليه النفوس إذا ضعفت والقلوب إذا ماتت ، واحيانا يدعو إلى الشجاعة وركوب الأخطار في غير خوف ، والاقدام في غير فزع ، فالأعمار مقدرة ، والإقدام لا بقصرها والإحجام لا يمدها ، وهذا التفسير الأخير هو الذي كان يعتنقه المسلمون في الصدر الأول من حياتهم ، وما كان يعتنقه أبطال المسلمين في كل عصر .
اسمع " أسامة يقول : " إن ركوب اخطار الحروب لا ينقص مدة الآجل المكتوب " . " ولا يظن ظان أن الموت يقدمه ركوب الخطر ، ولا يؤخره شدة الحذر ، ففي بقائي أوضح معتبر . فكم لقيت من الأهوال ، وتقحمت المخاوف والأخطار ، ولاقيت الفرسان ، وقتلت الأسود ، وضربت بالسيوف ، وطعنت بالرماح ، وجرحت بالسهام ؛ وأنا من الآجل في حصن حصين
انظر إلي الأيام كيف تسوقنا قسرا إلي الإقرار بالأقدار
ما أوقد ابن طليب قط بداره
نارا ، وكان خرابها بالنار (١)
إن كان " اسامة " في الثمانين لا يصلح لحمل السيف ، فيده ، تستطيع ان تحمل القلم ، وإن كان درس الصيد في صباه علمه الفروسية ، فدرس الأدب في صباه وفي فترات راحته طول عمره علمه التأليف في الأدب ، فهو يعكف من قبيل الثمانين إلي ما بعد التسعين على المطالعة والدرس والتأليف .
يؤلف في الأدب " لباب الآداب " يقسمه إلي أبواب ، ويذكر في كل باب ما ورد فيه من القرآن ، ثم الحديث ، ثم الآثار نثرا ونظما ، منها ما ورد في كتب الأدب الآخرى
ومنها ما لم يرد ، ومنها أحداث حدثت له ، وأمور حدثت في زمنه (١)، ويؤلف في نقد الشعر ، وفي الشيب والشباب ، وفي تاريخ القلاع والحصون ، وفي اخبار النساء وفيمن شهد بدرا من الفريقين الخ .
ويؤلف كتابا هاما أشبه بالمذكرات يكتبها العظماء في أحداثهم ، وإن لم تكن مرتبة ولا مبوبة ويسميه " الاعتبار "
وهو -فيما وصلنا من تأليفه - واسع الاطلاع حسن الالتفات ، صحيح التقدير ، ظريف الروح ، حسن الاستخدام لما يحيط به من ظروف .
قد صور لنا في كتابه الاعتبار ، وقليل في لباب الآداب صورة دقيقة لنظرة المسلمين إلي الصليبيين في عصره ، وأوضح لنا كثيرا من قوانين الفروسية عند المسلمين والأفرنج ، وهو لا يستحل ذكرهم من غير أن يعقب عليه بخذلهم الله أو لعنهم الله ، ومع هذا لا بأس من أن يتخذ من بعضهم أصدقاء ، فهو يكره منهم فكر الصليبية ، ويصادق بعضهم لصفاتهم الشخصية
يعجب لشجاعتهم ويقول : ليس لهم من فضائل الناس سوى الشجاعة ، كما يعجب بنظرهم إلى الفروسية وتقدير أهلها ؛ فليس عندهم منزلة عالية إلا للفرسان ، ولا عندهم ناس إلا الفرسان ، فهم أصحاب الرأي وهم أصحاب القضاء والحكم " . حكي أنه مرة تعدي قوم منهم على قطعان غنم للمسلمين ، وكان بينهم وبينهم صلح ، فشكا " أسامة " من ذلك لملكهم فلك الخامس Fulla v ملك اورشليم فاختار الملك ستة من فرسانهم ليحكموا في
هذه القضية ، فخرجوا من مجلسه واعتزلوا وتشاور وا حتى اتفق رأيهم كلهم على شيء واحد ، وعادوا إلي مجلس الملك فقالوا : قد حكمنا بغرامة ما اتلف من غنمهم . وهذا الحكم بعد أن تعقده الفرسان ما يقدر أحد - ولو كان من مقدمي الفرنج - أن يغيره ولا ينقضه ، فالفارس أمر عظيم عندهم " .
وينقد تتكرد Tancredفقدا صرا لإخلاله بأمان تعهد به ، وبلدوين الثالث لمهاجمته أسرته وسلبها أموالها بعد أن أعطي أمانا كتابيا بألا يتعرض لهم .
ويقص قصصا كثيرة من أعمال فرسان من الفرنج وفرسان من المسلمين ، كانوا يأتون بالعجائب في حروبهم وبطولتهم وفروسيتهم ؛ ويحكى ان فارسا من الفرنح هزم أربعة من فرسان المسلمين فوبخهم اهل الحسن وعابوهم وفضحوهم وازدروهم ، " فكان تلك الهزيمة منحتهم قلوبا غير قلوبهم وشجاعة ما كانوا يطمعون فيها ، فانتخوا وقاتلوا واشتهروا في الحرب ، وصاروا من الفرسان المعدودين بعد تلك الهزيمة " إلى كثير من قصص المغامرات التى تستخرج الاعجاب بالفرسان من الجانبين .
وينظر إلي الصليبين نظرة بدوية عربية ، فينقدهم في عدم الغيرة على نسائهم ، فيقول : " وليس عندهم شيء من الغيرة ، يكون الرجل يمشي هو وامرأته فيلقاه رجل آخر ، فيأخذ المرأة ويعتزل بها ويتحدث معها ، والزوج واقف ناحية ينتظر فراغهما من الحديث ، فإذا طولت عليه خلاها مع المتحدث وتركها ومضى " ويروي نوادر أخري من هذا القبيل .
ويذكر أنهم شديدو العصبية لجنسهم ودينهم ، فقد اسرت فتاة جميلة ، وأدخلت إلي دار والد أسامة ، فأهداها إلي الأمير شهاب الدين صاحب قلمة " جعبر فأعجبته ، وولدت له ولدا سماه " بدران " ، وجعله ابوه ولي عهده ،
ومات الوالد ، وتولى بدران البلد ، فغافلت أمه الناس وخرجت إلي " سروج " وهي في يد الفرنج ، وتزوجت بأسكاف من بني جنسها ؛ فكانت هي زوجة الاسكاف وابنها أمير قلعة " جعير " .
ومنهم من يظهر الاسلام ويصلي ويصوم ، ويتزوج مسلمة ، ثم إذا أمكنته الفرصة فر هو واولاده وتنصروا بعد الاسلام والعبادة
ويصف فرحهم بأعيادهم ، ومرحهم في سباقهم .
ويقارن بين الطب عندهم والطب عند المسلمين فيقول : إن طب الفرنح منه ما هو سخيف ، فقد رأي فارسا من فرسانهم طلع له دمل في رجله ، فأحضر له طبيب مسلم وطبيب منهم ، فأما الطبيب المسلم فوصف له ما كاد يشفيه ، واما طبيبهم فقال له : ايهما احب إليك ، أن تعيش برجل واحدة ، أو تموت برجلين ؟ فقال : بل احيا رجل . فأحضر فارسا وفاسا ، وأمره ان يضرب رجله بالفأس ضربة واحدة يقطعها ، فضربه فسال مخ الساق ، ومات من ساعته . ومنه ما هو خرافي ، كامراة
أصابها الصداع في رأسها فقال طبيبهم : " إنها امرأة في رأسها شيطان قد عشقها ، فأخذ موسي وحلق شعرها ، وشق رأسها صليبا ، وسلخ وسطه حتى ظهر عظم الرأس وحكة بالملح ، فماتت في وقتها . ومع هذا فلهم اطباء مهرة حاذقون ؛ فقد شاهد ملكا من ملوكهم رمحه حصان في ساقه فتلفت رجله ، وفتحت في أربعة عشر موضعا وكلما ختم موضع فتح موضع ، ولا تنفع فيه المراهم ، فجاء طبيب افرنجي فأزال تلك المراهم ، وجعل يغسلها بالخل الحاذق حتى برئت ؛ كما شاهد طبيبا آخر يعالج " عقد الخنازير "
في مهارة ، ولكن أطباء العرب كانوا أمهر ؛ ومن أجل هذا كان كثيرا ما يبعث الفرنج في طلب اطباء من العرب
وعلى الجملة فلم يعجبه الفرنج من الناحية الأخلاقية والاجتماعية إلا من ناحية شجاعتهم ؛ وقد اجمل ملاحظاته
في قوله : " و كل من هو قريب العهد بالبلاد الافريقية اجفي أخلاق من الدين تبلدوا ) يعني توطنوا ( وعاشروا المسلمين
فيا لله للمسلمين ؛ أين كانوا من الفرنح وأين أصبحوا منهم ؟ لشد ما يخطئ من بعد الأمر امر طبيعة ودم وجنس ! إنما الأمر أمر " تربية " .
وناحية أخري يستطيعها " أسامة " في مثل سنه ، وهي أن يعين المسلمين رأيه ويفيدهم بتجاربه ، وهذا لا يقل شأنا عن شجاعته وكفاحه
فالرأي قبل شجاعة الشجعان هو أول وهي المحل الثاني
ومع هذا فله ابن هو عضد الدولة أبو الفوارس يشترك في الحرب مع صلاح الدين ويحى اسامة حياته الحربية فيه ، فهو قطعة منه وقبس من ناره ، وليمد هو بالرأي صلاح الدين . فيحدثنا بعض المؤرخين ان سلاح الدين استدعي أسامة من حصن كيفا " وانزله أرحب منزل ، وأورده أعذب منهل ، وملكة ضيعة من أعمال العمرة - وإذا كان صلاح الدين بدمشق جالسه أسامة وأنسه ، وذاكره في الأدب ودارسه ، وكان ذا رأي وتجربة ، وحنكة مهذبة ، فهو يستشيره في نوائبه ، ويستنير براية في غيابه ، وإذا غاب عنه في غزواته ، كاتبه واعلمه بواقعاته ووقعانه ، واستخرج رأيه في كشف مهماته وحل مشكلاته
خمس وثمانون . . تسعون " لما توغلت ذروة التسعين وأبلاني مر الآيام والسنين ، صرت كالجواد العلاف لا الجواد التلاف ، ولصقت من الضعف بالارض ، ودخل من الكبر يمضى في بعض ، حتى انكرت نفسى ، وتحسرت على امسي وقلت في وصف حالي :
لما بلغت من الحياة إلى مدى
قد كنت أهواه تمنيت الردي
لم يبق طول العمر مني منه
ألقي بها صرف الزمان إذا اعتدي
ضعفت قواي وخانني الثقتان من
بصري وسمعي حين شارفت المدي
نهضت حسبت أبي حامل
جبلا وأمشي إن مشيت مقيدا
وأدب في كفي العصا وعهدتها
في الحرب تحمل أسمرا ومهتدا
وأبيت في لين المهاد مسهدا
قلنا كأنني افترش الجلددا
والمرء ينكس في الحياة وبينما
بلغ الكمال وتم عاد كما بدا
في الحادية والتسعين يؤلف لباب الآداب ، ويؤلف ويؤلف ، ويقول : " ما للعلم غاية يدركها الراغب ، ولا نهاية يقف عندها الطالب ، هو أكثر من أن يحصر ، وأوسع من ان يجمع ، ولولا ان النفس إذا غولبت غلبت ، وإذا زجرت لجت وأبت ، لكان اشتغال من بلغ من السنين ، إحدي وتسعين ، بأعمال البر والثواب ، اجدى عليه من الاشتغال بتأليف كتاب ، بعد ما بالغ الزمان في وعظه ، بتأثيره في قواه وسمعه وبصره - لا بلفظه ، وأنذره تغير حاله ، بدنو ارتحاله ، فهو مقيم على ورقاز ، ميت في الحقيقة حي بالمجاز " .
. . خمس وتسمون - ست وتسعون . عجز عن حمل القلم ، كما عجز قبل عن حمل السيف .
وفي ليلة من ليالي رمضان سنة ٥٨٤ ه في دمشق ، والجو خريف والكون رهيب ، أسلم أسامة " روحه لخالقه ، وهو يدعو لصلاح الدين بتمام النعيم ، و يسأل الله لنفسه الغفران . (تم)
