هنا قصاص من لون جديد. وهنا قصة ذات طعم خاص. . . لهذا القصاص عيوبه، ولهذه القصة هنواتها. ولكن هذا كله شئ آخر. وليس هو بأفضل قصاص، وليست هي بأرفع قصة. ولكن هذا كله شئ آخر كذلك!
هنا (لذعة) حارة تحسها وأنت تقرأ مجموعة (الذئاب الجائعة) كلها أقصوصة أقصوصة. وهنا (جوع) دائم في كل قصة، وفي كل شخصية - جوع إلى شئ ما: حسي أو معنوي - وهنا (تفزع) دائب في كل موقف وفي كل خاطرة - تفزع من شئ ما موجود أو مرقوب. والقارئ يحس بهذا كله يلهب حسه، ويلذع أعصابه،
فإذا فتر في بعض الأحيان أحس بخدر لذيذ، كأنه في بحران. . . ولأول مرة - فيما أعتقد - تظهر هذه الخصائص في قصة باللغة العربية. وهذا ما يوجب تسجيل هذا اللون الخاص. وأعود مرة أخرى لأقول: إن الخاصية ليس معناها الأفضلية؛ وإنني لا أرفع هذا اللون فوق الألوان الأخرى؛ وإن هذه الخصائص لا تنفي نواحي النقص في اللون الجدي. وكل ما يهمني هو تسجيل هذه الجدة؛ بخيرها وشرها، وتنبيه القارئ إليها في مجموعة (الذئاب الجائعة) .
تحتوي هذه المجموعة على ثماني أقاصيص: الذئاب الجائعة، وساعات الهول، والنفوس المعذبة. ورجل مريض. وفي القرية. وحياة رجل. وقلب عذراء. وفي القطار. في (الذئاب الجائعة) و(في القرية) لوحتان خاصتان من حياة الريف المصري الصميم. وفي كلتيهما ذلك الجوع الحار وذلك التفزع العنيف. فالأولى تصور منسراً من مناسر اللصوص حياة (أبناء الليل) كما يسمونهم في الريف، أو ذئاب البشر.
حياة السطو الدائم والفزع الدائم والجوع في فريسة ، كالذئاب الحيوانية التي نشاركهم نفس الحياة ! والثانية تصور حياة "كلة" من العمال الفلاحين كما يطلق على الجماعة ذات الرئيس ينتقل للعمل بهم من مكان إلى مكان . حين تطول بهم الغربة ، ويتعطشون إلى المرأة ، فيصبح صوتها الذي يطرق أسماعهم من بعيد ، وخيالها الذي يداعبهم من قريب ، هما الشغل الشاغل فى الصحو والمنام ! ثم صورة الفتاة الفورية تلهب هذا الجوع القائم في نفس رئيسهم الفتي حتى يمرض ويضعف ، فتتحول عنه إلى سواه، كأنها ( الشهوة ) الجائعة لا تحفل إلا بما يسد الجوعة من هذا القطيع !
في كلتا القصتين يبلغ المؤلف مدى خصائصه وأوفاها فكل شخصية هى ( نموذج إنسانى) من ( الذئاب الجائعة !) وكل موقف هو لذعة جوع أو وثبة ذئب ؛ وكل حركة هي لفتة ذعر أو فزعة نمر . ولكن في كلتيهما غلطة مشتركة هي أن المؤلف يدع هذا الصنف من الناس يعبر عن مشاعره بنفسه في مستوى دقيق من التحليل والتعليل ، وفي أفق رفيع من التعبير الجميل !
هذا القطيع من الناس أو من الذئاب ، أغلب الظن أنه يعيش بغرائزه ، ويتصرف بسليقته ، ويتحرك بوخزة اللحم والدم والأعصاب ، دون أن يلتفت مرة واحدة إلى التعليل والتحليل . فإذا شئنا أن نعلل نحن وتحلل ، فطريقنا إلى ذلك أن نترجم عنهم، ولا ندعهم يعبرون بأنفسهم لأنهم لا يستطيعون التعبير إلا بالحركة والعمل ، وعلينا نحن التفسير والتأويل !
وفي (ساعات الهول ) تصوير عنيف للحظات غارة جوية تنتهى ببطل الأقصوصة إلى بتر ساقه وهو (نموذج إنسانى) للرجل الحاد المعتز بقوة بدنه ، يرى نفسه بعد لحظات أبتر الساق ضعيفاً مسكيناً . وهنا فقط يتذكر الريف ... الريف الحنون المتسامح ، ويتذكر القرويين ، القرويين الطيبي القلوب الذين لا يسخرون بذوى الماهات ، والذين يرحمون عزيز قوم ذل! والخطرات النفسية المتتابعة صحيحة و( النموذج ) مرسوم بوضوح بطريقة المؤلف الحادة العنيفة وفى ل رجل مريض ) و( حياة رجل ) نموذجان من لون آخر : الأول نموذج الرجل الضعيف الخائب المنحل . والثاني نموذج الرجل البوهيمي الساخر بكل الأوضاع والأوهام
وفي هذه الأقصوصة الثانية اقتباس من موقف الراقصة في قصة (نزوة هوى) لكوبرين، وانتفاع من بعيد بشخصية (سانين ) في قصة ( ابن الطبيعة ) لتشيكوف من القصص الروسى . ولكنه اقتباس وانتفاع لا يعيب
أما (نفوس معذبة ) فهي أقصوصة خفيفة . ليس فيها من خصائص المجموعة إلا الجوع . ولكنه جوع هادئ سارب في النفس ، يجد غذاءه فى لحظة مناسبة ، فيقتات في فكاهة ولطف : شاب القطع عن التعليم وآوى إلى الريف ، ولكنه يرتاد القاهرة بين الحين والحين في زيارة أخيه ، فتضيق به زوجة شقيقه القاهرية المتعجرفة . وفى مرة لا يجدهما ، ولكن يجد في الدار فقاة خادمة جميلة ، تعذيبها الزوجة عذابا أليما لأنها جميلة! ويحس في نفسه الجموع إلى المرأة والوحشة إلى الأنيس ، فيرويهما وينتقم من زوجة أخيه في ضربة واحدة ... ويتزوج الفتاة والحادثة ليست هي العنصر الأول في القصة ، إنما هو التصوير المواقف والتشخيص للخواطر ، وكلاهما متوافر في هذه الأقصوصة الخفيفة
وتبقى بعد ذلك أقصرصتان : قلب عذراء . وفي القطار ولست أشك في أنه بلغ فيهما غابة التوفيق ـ على طريقته وفى مستواه - وهما مقابلتان لأقصوصتي : ( الذئاب الجائعة ) و (في القرية )...
إذا كان الجوع في الأولى جوع الطعام ، وفي الثانية جوع الغريزة ، فالجوع في هاتين الأخيرتين هو جوع روحى بمقدار ما تخلص الروح من جوع الغريزة ـ جوع الروح الموحشة من الرفيق ، ورفرفة الروح التي يجد هذا الرفيق وإن أبى ( شيطان المؤلف ) إلا أن ينتهى بهما إلى الحرمان أو ما يشبه الحرمان ؛ لأن نزعته العامة هي تصوير (الجوع) هذا العنصر الذي يبرزه إبرازاً واضحاً ، ويوفق في إبرازه إلى أبعد الحدود في ( قلب عذراء ) تجد الفتاة الفتية الفنية ، ذات الحس الأنثوى الشاعر . تجد فى نفسها الفيض الذي تحسه الفتاة ، ثم لا تجد لهذا الفيض متصرفاً الرجل من حولها إما شاب طامع ، وإما شيخ متهدم . لم تجد مثلها الأعلى الذي ترجوه ، وضاق صدرها بهذا الفيض الذي لا يتصرف ، فتطوعت للتمريض التريق هذا الفيض المذخور عطفاً على المرضى البائسين ! ولكنها تمل هذه الحياة بعد حين ، ويكاد النبع الفائض
يفيض حين التقى بالشاب ( حسن ) يحضر لزيارة أخيه الصبي المريض وتجمع كل أشواق الأنثى الحبيسة ، وكل حنان المرأة الكظيم ، فتتوجه بهما جميعاً لا إلى الشاب - فالخجل الغزيزى يمنعها ـ ولكن إلى هذا الصبي المريض ، شقيق الشاب الحبيب كل خطرة نفسية وكل حركة جدية صورها المؤلف تصويراً قوياً صحيحاً وطبيعياً صادقاً . ولكنه آخر في النهاية إطاعة الشيطان الحرمان ! - أن ترفض المرأة الختام الطبيعي المنتظر ، لأنها أصبحت مرأة عامة ، تقابل هذا وذاك . فهي تشفق على فتاها أن تشقيه بها ، وهو ابن الريف ، وقد شاهدت والده القوى الغيور ١
على أية حال ليس لنا أن نتحكم في اتجاه المؤلف . ولكن لنا أن نلاحظ ، أن المرأة في هذا كانت مثالية أكثر مما تستطيع طبيعة المرأة ذات الفيض الحبيس المكتوم فأما ( في الفطار ) فقد سمح له هذا الشيطان اللمين أن يتخفف قليلاً من ( غول الحرمان) وأن يسمح لبطل الأقصوصة وبطلتها أن يرتويا ، وأن يرويا نرعة الفن والحياة في نفوسهما لقد التقى بها في القطار ولقد تعارفا كما يتعارف الغريبان
الظامنان ، ولقد نزلا فى فندق واحد على البحر ، في حجرتين متجاورتين، وحينها جنهما الليل استمرت في بدنه جوعة الفريزة ، ولكنه نام حتى الصباح ليكشف أنها كانت ساهرة ترسم المنظر الجميل فى ضوء القمر ، لتخر صريعة الحمي في اليوم التالي وهنا تتوارى جوعة الجسد ، وترتفع النفس البشرية إلى الآفاق الإنسانية ، حتى إذا زالت الوعكة ، وجدا نفسيهما الشاعرتين ، وعاشا للحب والفن ، عاشا إنسانين قد تلهيهما الغريزة ولكنها تتسامى وتتزيا بالزي الروحي الجميل
للمؤلف أعمال أدبية ام أقرأها: الرعيلى ورجل وفندق الدانوب. فهو إذن ليس مبتدئا_ وأنا لا أعرف شخصه ولا ثقافته_ و(الذئاب الجائعة) تصلح عملا أديبا فى منتصف الطريق ..شئ من التحوير فى حكاية القصة كالذى تطلبناه فى القصتين الأوليين وشئ من البساطة فى رسم النماذج الإنسانية والخواطر والمواقف يكمل به الصدق الطبيعى فى الحياة وإن نقص به بعض اللذة فى التعقيد والمفاجأة؛ فنجد بين يدينا كاتب قصة أو أقصوصة من لون جديد ، ومن طعم جديد

