الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 370 الرجوع إلى "الثقافة"

(٦ ) الأشعار الأندلسية، وعلاقتها بالأشعار الأوربية، رأي المدرسة الأسبانية

Share

في هذه الظروف السياسية المضطربة عاش ابن فزمان وكان بطبعه حساساً قابلا للتسائر بكل ما يحيط به ، وكان كذلك متداخلا مبالا إلي المغامرة ، غير هباب من الإلقاء بنفسه في معترك الحياة ، ولم يكن حاله بأحسن من حال معاصريه من حيث الشغف بالمتعة والميل إلي الإسراف في اللذة وعدم الأكتراث بمصير الجماعة التي كان يعيش فيها . وكانت الجماعة القرطبية قد تطورت تطورا ظاهرا خلال فترة الطوائف وتحت حكم المرابطين ، شملهم الأمن فترات منقطعة طويلة أو قصيرة ، وارتدت عنهم مطامع الثائرين والمتنافسين والنصاري وكان قد هاجر إليها نفر كبير من سروات الأندلس وأهل السلطان الذاهب في كثير من المدن الآخرى ، هاجروا إليها بعائلاتهم وأموالهم ، وأخذوا يحبون حياة فراغ واستمتاع ، وكان في فرطبة إذ ذاك ألوان شتى من المتاع أهمها النساء والخمر ، فأما النساء فقد كانت تقبل على البلد جماعات لا حصر لها من الجواري من كل صنف ولون . كان تجار الرقيق يحملون إلي البلد أطيب ما يصل إليهم من السبايا القشتاليات ، والكتلانيات ، والجليقيات والإيطاليات والببريات ، فكثر الجواري في كل بيت ، وأخذ سادتهن يعلمونهن الغناء والرقص . ويعدونهن للمتاع والتسلية ، فكان لكل سيد في هذا العصر حريم صغير أو كبير فيه من المغنيات وصاحبات اللهو نفر كبير ، واستتبع ذلك الإسراف في الجواري إسرافا في الخمر وأهل الأندلس معروفون منذ أقدم أيامهم بحبهم للخمر وثقتهم في صناعتها ، وفي التغني بمجالسها والتمدح فيها ، فلما سقطت خلافة قرطبة ، وزال عنهم سلطان الدولة

اسرفوا فيها إسرافاً بالغاً ، وانعقدت مجالسها في منازل المترفين والأوساط كل ليلة : بشرب السادة فيسرفون في الشراب ، وتغني الجواري فيبدعن في الغناء ، وتتصل اصوات المعازف من بيت لبيت ، وبتجمع الصبية والخدم والمارة على قوارع الطرق ينصتون ويرددون ، ويسود البلدة كلها في الليل جو من المرح والمتعة والإباحة لم تشهده فيها سبق من تاريخها .

هذه المجالس الصاخبة كانت في حاجة إلي ما تتغني به . فأما القصائد العربية القديمة فلم يكن لهم إليها ميل شديد ، بل كانوا يكرهون الإعراب في أغانيهم ويؤثرون عليه " البلدي الغريب " كما يقول ابن قزمان نفسه ، وكانت الجواري لا يحسنن حفظ القصائد الفصيحة أو إلقاءها ، وكان صبية الشوارع لا يستطيعون ترديدها . وإنما تعلقت الأنفس بالأزجال العامية والموشحات البسيطة المعنى الأندلسية الروح السهلة الحفظ والتلحين والإنشاد ، فبدأت موجة هذين الفنين الشعريين تطفي وتنافس فيهما ارباب الشعر ، بل اخذ الكثيرون من الشعراء يهجرون الشعر الفصيح والموشح المعرب إلي الرجل العامي البسيط .

في مقدمة هؤلاء الذين هجروا الشعر إلي الرجل أبو بكر محمد بن قزمان ، وكان كما ذكرنا شابا مترفا فيه ميل شديد إلى اللهو والعبث ، وكانت له نفس وثابة تحدثه بالشهرة والتفوق ، فأخذ بفرض الشعر المعرب ، ولكنه أحس أنه لن يوفق فيه إلى نجاح كبير ، فانصرف إلي الرجل العامي ، وكان عليه أقدر ، ولما كان يطبعه مستهترا فقد أخذ يضفي علي ازجاله لونا مستهترا ، فوجد هذا الفحش قبولا من الناس ، فمضى فيه واسرف إسرافاً شديداً ، وأخذ يضع أزجالا ، فيها من المجاهرة بالمنكر والتصريح بالفحش قدر يجرح الذوق السليم وينفر الحياء ، وليس إلى الشك سبيل في ان ابن قزمان هذا هو غير ابن قزمان الذي تذكر المراجع أنه كان وزيرا للمتوكل بن هود ، لأن

المتوكل ثوفي سنة ١٠٩٥ أي وابن قزمان الزجال بين الخامسة عشرة والسابعة عشرة من عمره ، ولا يمكن أن يكون قد تولي الوزارة قبل هذه السن ، ولا أدري كيف خفي هذا علي دوزي في خطابه الذي أرسله إلي البارون فمن روزن وأكد فيه أن ابن قزمان الزجال وابن قزمان الوزير هما شخص واحد ، معتمدا في ذلك على عبارة لابن الخطيب يقول فيها ) . . . ثم جرت عليه - أي علي ابن قزمان ، محنة بسبب شكاسة خلق كان به شقي بسببها وقد ذكر ذلك الفتح في قلائده وهي عبارة ليست من الصراحة والوضوح بحيث تسمح للإنسان بالقطع في هذا الموضوع . على أي الأحوال ثبت لنا الآن بصورة لا تقبل الشك أن ابن قزمان الوزير هو غير ابن قزمان الزجال ، وقد أطلعني زميلي الأستاذ عبد العزيز الأهواني علي عبارة صريحة لابن سعيد لا تسمح بأي شك في هذا الموضوع بعد ذلك ، وقد لاحظت في كتابات الأسبان أنهم يعرفون هذه الحقيقة منذ سنوات فجنذال بالذنبه بلقب ابن فزمان في كتابه بالشاب أو الأصفر نغرفة له عن ابن فرمان الاكبر وهو الوزير . أما تسمية ابن قزمان لنفسه وتلقيب الناس إياه بالوزير فهذا لا يعني شيئا ، لأن هذا اللقب وغيره من الألقاب التي كانت معروفة حينئذ كالفقيه والأستاذ والحاجب ، كانت قد فقدت كل قيمة رسمية ، وابتذلت حتى تسمى بها كل من هب ودب من الناس ، وقد قرر المقري ذلك في نفع الطيب صراحة .

تصف المراجع ابن قزمان الزجال بأنه كان اشقر أحمر الشعر واللحية والشارب ، وقد اراد ويبرا ان يعلق على هذه الأوصاف أهمية خاصة ، فذهب إلى أنه من أصل قوطي ، وإلى ان هذا الاصل القوطي هو السر في اتجاهه الشعري الخاص ، وهو اتجاه مهما يكن من مشابهته لما كان ينظم في وقته إلا انه على كل حال فريد في بابه غير مألوف عند العرب والمسلمين ، بل هو اقرب إلى روح الاشعار والقصائد

التي كانت شائعة في شمالي أسبانيا وجنوبي فرنسا والتي تطورت منها فيما بعد أشعار المغنيين الحوالين المعروفين بالتروبادور ، ولكن هذه حجة واهية ظاهرة التكلف ، لأن الشقيرة واحمرار الشعر كانا من الأوصاف الشائعة بين مسلمي الأندلس ، فقد كان الكثيرون منهم من أمهات شقر ، ثم إن النقاد ومؤرخ الأدب تولوا دحض هذا الرأي من الوجهة الشعرية الصرفة ، فذكر جورج كولان في مقال له في الهسيريس أنه مع موافقته على أن أزجال ابن قزمان تمثل منزعاً جديداً غير معروف في الأدب العربي ، إلا أنها على كل حال لا تعيننا على إيجاد حلقة الاتصال بين الأشعار الأندلسية وأشعار الثروبادور ، بل إن للأندلسيين موشحات وأزجالا هي أقرب إلي أن تكون أصل أغاني التروبادور من أزجال ابن قزمان هذا ، لأن أرجاله المعرفة في الفحش بعيدة في روحها عن روح أغاني التروبادور مما تمتاز به من احتشام ، ولكن أزجال رجل كالأخطل ابن نميرة وأقاصيص ابن حزم التي أوردها في " طوق الحمامة " أقرب في روحها إلي الأشعار الأوربية التي نشأت بعد ذلك بقليل من أزجال ابن قرمان ، فكولان ومن على رأيه من نفاد الأدب يقررون أن موشحات الأندلسيين وأزجالهم هي أصل أشعار التروبادور ، ولكنهم ينكرون أن ابن قزمان يمثل هذه الأزجال الأندلسية ، إنما يمثلها في رأيهم ابن زهر في غزلياته القليلة وأبو الهيثم الأشبيلى وأم الكرام بنت المعتصم صاحب المرية ، وإبراهيم بن سهل اليهودي ، بل إن المسيو كور ناشر ديوان ابن زيدون وجارتيا جوميز مترجم قصائده إلي الشعر الأسباني إبريان في ابن زيدون وأترابه الأصل البعيد لشعر التروبادور ، لأن فيها وقاراً وتساميا بقربانها من الحب المحتشم Amour courtis الذي يشيع في الأشعار التي ذاعت في جنوبي أوربا ابتداء من القرن الثاني عشر

( للبحث بقية )

اشترك في نشرتنا البريدية