قدمنا في صدد الكلام عن حياة حماد أنه كان ماجناً فاسقاً مستهتراً. ونقول هنا إن هذا بعض ما دعا القدماء إلى الشك في
روايته، وإلى اتهامه بالانتحال. يقول السيوطي في المزهر (ج ١ ص١٩) : (ويؤخذ من هذا أن العربي الذي يحتج بقوله لا يشترط فيه العدالة، بخلاف راوي الأشعار واللغات) . ومعنى هذا أن راوي الأشعار واللغات يجب أن يكون عدلاً، وإلا رفضت روايته . وحماد لم يكن عدلاً، لأنه كان ماجناً فاسقاً مستهتراً.
وأما تحامل المعاصرين له عليه، وطعنهم في روايته، فهما مظهر من مظاهر الحسد والغيرة. فقد كان كثير الرواية، بل كان أحفظ الجميع، وكان لا يسأل عن شيء إلا عرفه. فلم يجد معاصروه مطعنا في روايته من نقص وقصور، ولم يمكنهم اتهامه بقلة الرواية؛ فزعموا أن روايته غير صحيحة. وأنا أحب أن أنبه إلى أن هذه حال المتعاصرين من العلماء في كل الأزمان والأقطار. والشواهد على هذا كثيرة في أيامنا هذه. فقد ينفس الناس على أديب عبقريته، فيرمونه بالكفر والمروق، وقد ينفسون على كاتب إنتاجه الكثير ، فيزعمون أنه إنما ينقل عن الغربيين. هذا وذاك نسمعه في عصرنا هذا، وهو عصر مثل باقي العصور، حاله حالها وناسه ناسها. واستمعْ إلى السيوطي وهو يقول (ج ٢ص٢٠٤) : (وكان أبو زيد وأبو عبيدة يخالفانه ويناوئانه (الكلام عن الأصمعي) كما يناوئهما، فكلهم كان يطعن على صاحبه بأنه قليل الرواية ولا يذكره بالتزيّد). فهذه حال أبي زيد وأبي عبيدة والأصمعي ، وهي حال ككل الأحوال، لها نظائر في كل العصور.

