وإلى جانب هذا الحب، وإلى جانب هذا اليأس، كانت حرب وكانت ثورة، واندلعت فى هذا الأتون المستعر روح الشيخ السيسى وكان قد عاد من الشام بعد رحلة بائسة اصطحب فيها ممثلاً سوريَّا أراد أن يتحف به أهل وطنه ولكنهما أخفقا معا.
وكان السيسى قد جرب نفسه مرة فى القاهرة فى مسرح الشيخ سلامة حجازى فثار عليه الجمهور وأرغمه على أن يتوارى خلف الستار قبل أن يتم غناءه فواساه الشيخ سلامة بأن خرج للناس وقال لهم: أحسنوا الاستماع إليه فهو الذى سيخلفنى
ولكن الناس لم يحسنوا الاستماع إليه لأن غناءه لم يكن يشبه ما اعتادوه، وإنما كانت روح طلقة هبت من الشمال وكان كل فشل مما لاقاه يزيده أيمانا بنفسه ومقدرته حتى واتاه الفشل الأخير، إذ لحن (فيروز شاه) لجورج أبيض فاندك جورج أبيض وبرز سيد درويش
وعرفه عندئذ نجيب الريحانى، فأفسح له مسرحه منبراَ يلقى من فوقه ما شاء من آيات فنه
وأخذ بعدئذ نجمة يصعد، ويصعد، ويصعد ... حتى جاء وقت لم يتغن فيه مصرى بلحن إلا كان من غناء سيد درويش كان ربحه يصل أحياناً إلى ألف جنيه فى الشهر، وفى هذه الأحيان كان يقترض القروش والملاليم
قل إنه مجنون! قل إنه سخيف! قل ما شئت؛ أما هو فكان محروماً من شئ لا يمكن أن يشترى بالمال وكان هو يحاول أن يستعيض عنه بما يشترى ويباع.

