يلحق بالشعر الجديد ما يدعونه اليوم (الشعر المنثور) . ويكاد النوعان يتطابقان في جميع المظاهر والخصائص التي ألممت بها في هذه الأحاديث. وغالب ما قرأت من (المنثور) منشأ إنشاء؛ ومنه ما هو مترجم. وما يستجاد من هذا أو ذاك لا يكاد يذكر
ولقد كنت أحسب بادي الرأي أن رحب (المنثور) وانفساح جنباته، وأنَّه غير منحصر في وزن أو قافية - مما يأذن لسلامة التعبير ومتانة الأداء. ولكني وجدت الحال هي الحال. فإن كان لهم شئ مما يزعمون من المقدرة، فهنا مجاله. وإلا فأين نتلمس (نضارة الزهر، وعبق الريحان، وفتنة الألوان) ؟
وعلى ذكر (القافية) يعن مظهر آخر - سوى ما أسلفنا - من مظاهر (الشعر الجديد) : ذلك هو قلق القوافي فيه ونبوها، حتى إنك لتحس أنها تحشر حشراً، وتساق سوقاً،
وتضغط في أماكنها ضغطاً، فتأتي واهنة خائرة، أو باردة فاترة
ورصانة القافية تنبئ بالفحولة ورسوخ القدم. وقديماً اعتبرها النقاد من أسس الموازنة، ومقومات المقايسة بين الشعراء. وقد عنى بها (العروضّيون) فبسطوا فيها القول، ونسقوا لها القواعد، وأفردوها بالتأليف؛ حتى وصلوا من ذلك إلى تفصيلات دقيقة، وتفريعات عجيبة. وذلك لمكانتها من القصيد، وأثرها في النفوس، متى اكتملت فيها شرائط الحسن، واستحكمت لها أصول الفن
ولسنا بصدد طرق هذا الباب؛ وإنما نريد أن نقول لهؤلاء النظامين: رويدكم؛ فإن الأمر ليس من الهون كما تظنون؛ فإحكام القافية وإنزالها منزلتها، مما يتطلب تحصيلاً عظيماً، وحسا مرهفاً، ومعاناة طويلة للجزل من الكلام، والمحكم من القريض
فلا غرو إذا أن ندرك سر تبرم القوم بالقوافي فقد تواترت اليوم صيحات تدعو إلى (كسر هذا القيد، وخلع ذلك النير) . قالوا: وما للتقفية والشعر؟ لئن كانت التقفية سبيل القدماء ومنبت عصورهم، لخير لنا في عصرنا هذا أن نطرحها، لنكون في التفكير أكثر سداداً، وفي الخيال أبعد مرمى، ولنكون سراعاً ككل شئ
قالوا هذا، وقالوا كثيراً غيره، وأوغلوا في الاحتجاج، فأصبحنا نرى من القصائد ما لا تقفية له مطلقاً، وما نوعت فيه التقفية على أوضاع وأشكال شتى، وصور لا تكاد تنحصر
فالسر - فيما أرى - ليس فيما زعموا. وإنما السر كل السر فيما يقوم في سبيل التقفية - ولا سيما إن طالت في القصيدة - من عقبات، وما يعترض من شدائد. فكيف النجاة إلا فيما يتمحّلون وما يفتعلون من أسباب؟
وبينما أنا أهم باختتام هذه الكلمة، إذ خطر لي حوار كان بين أديبين - منذ قريب - حول ما يسمى (الشعر المهموس) وهو ما يمكن أن تتسع له أحاديثنا هذه. وكان في نفسي منه شئ. وهو فن ابتدع حديثاً، فيما أظن
ولقد كنت جهدت في تبين مدلول (الهمس) في ذاك الحوار، مستأنساً باللغة، فلم أوفق كل التوفيق. فانصرفت إلى الشعر الذي ساقاه للتصوير، وتأملته وأمعنت فيه
وكان أحد المنافسين يتعصب لشعراء (المهجر) أشد التعصب ويقدمهم في هذا الباب، وينكر على المصريين - فيما أذكر - استعدادهم فيه. وساق كل من المتناظرين مقطوعات مختلفة. وطال النقاش
إلا أني لم أتذوق في الشعر المصري مذاقاً خاصاً، لم ألمح فيه لوناً أو طعماً خاصاً - أما الشعر المهجري فكان من صفته الوَنَى والفتور والتهافت، وإن حاول الأستاذ - جاهداً - أن يحمله من المعاني ما لا يحتمل، وأن يعتصر منه ما ليس فيه. ولقد عجبت من هذا الاختيار، وفي (المهجر) شعراء ذوو مكانة سامية، ولهم فن مستملح، وتجديد عذب
فليت شعري ما (الهمس) في الشعر وما مرماه؟ (للحديث بقية)
