الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 393الرجوع إلى "الثقافة"

٧ - الشيخ محمد عبده

Share

ظل الشيخ محمد عبده يعمل في القضاء ويحرك مجلس إدارة الأزهر للاصلاح حتى سنة ١٨٩٩ ، وحدث أن كثرت الشكوي من المحاكم الشرعية وقضائها ، ففكر مستشار الحقانية الإنجليزي في إلغائها وضمها إلى المحاكم الأهلية ، ولكن حسبوا حساباً لهياج الرأي العام فأرادوا أن يفعلوا ذلك تدريجياً ، وذلك بتعيين مستشارين من محكمة الاستئناف عضوين في المحكمة الشرعية العليا ، فلم يرض جمال الدين افندي قاضي مصر التركي، ولا الشيخ حسونة النواري شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية وعرض المشروع على مجلس شوري القوانين فرفضه ، ووقف الشيخ حسونة موقفاً شديداً صلباً انتهى بتركه المنصبين ، ووقف المشروع ، وكان الشيخ محمد عبده يطمح في أن يعين مكان الشيخ حسونة في المنصبين ، فيقبض على ناصية الأزهر ويتمكن مما ينوي من اصلاح ، ولكن أسرع الخديو فعين الشيخ عبد الرحمن القطب النواوي للمشيخة ، والشيخ محمد عبده للافتاء ، فأثر ذلك في نفس الشيخ محمد عبده وآمن

بأن الخديو لا يطمئن إليه في باطن نفسه ، ولم يمض نحو شهر حتى مات الشيخ القطب وعين مكانه الشيخ سليم البشري ، فاعتقد الشيخ محمد عبده أن إصلاح الأزهر قد تعقد بهذا الوضع ، فلم يكن يطمئن إلى الشيخ البشري اطمئنانه إلي الشيخ حسونة ، ويراه لا يؤمن بإصلاح ، ويداري ولايصارح ، ويعمل بإشارة السلطة لا بوحى من نفسه ! ومع هذا فمنصب الإفتاء خلع على الشيخ محمد عبده وجاهة دينية ممتازة ، وهو نفسه قد خلع على المنصب بشخصيته إجلالاً واحتراماً ، وزاد في ذلك تعيينه في السنة نفسها عضواً دائماً في مجلس شوري القوانين .

وظلت العلاقة بينه وبين الخديو عباس حسنة في ظاهر الأمر ؛ فالخديو يستشيره إذا تعقدت الامور بينه وبين

الإنجليز ، كاستشارته له عندما أرادوا تعيين قاض مصري بدل القاضي التركي ، وكان الخديو لا يري هذا الرأي لأنه يضعف صلة مصر بتركيا ويمكن من سلطة الإنجليز ، وكاستشارته له في مسألة ليون فهمي الأرمني ، وكان قد قبض عليه الخديو وحبسه في سراي رأس التين لاتهامه بتزوير أختام بأسم رئيس كتاب " يلدز " وأراد اللورد كرومر أن يفتش عنه في السراي ، ورأى الخديو أن هذا منتهى الإهانة ، وقد أشار الشيخ محمد عبده على الخديو :بما أنقذه من الموقفين .

كان الشيخ محمد عبده إلي هذا الحين يتفق ورأي الإنجليز في أن الخديو ليس له أن يستبد بتصريف الأمور وأن يكون حكومة داخل حكومة ، وأن ليس من مصلحته ولا مصلحة مصر أن يحارب جماعة تركيا الفتاة خدمة لتركيا وفيهم قوم أحرار لم يرضهم ظلم عبد الحميد ولا عسفه ولا استبداده ، وأن من الخسير للخديو أن يوجه النظار إلى ترقية الشؤون المصرية كالتعليم وإصلاح المحاكم الشرعية وإصلاح الأزهر ، فهو بذلك يخدم بلاده .

والشيخ محمد عبده يصدر في هذا عن مزاجه وطريقته في التفكير والإصلاح ، ويتكلم في ذلك في مجالسه الخاصة فيبلغ الخديو فيُسرها له .

ولكن حدث أن خلا مكان لكسوة التشريفة في الأزهر فأراد الخديو أن يشغلها الشيخ محمد راشد مفتي المعية ، ولم يكن تنطبق عليه اللائحة الموضوعة ، فأوعز الشيخ محمد عبده بعدم تنفيذ ذلك الأمر وإعطائها المستحق ، وزاد الطين بلة أن العلماء لما اجتمعوا عند الخديو في التشريفات كلم شيخ الجامع في غضب وتوبيخ ، فرد الشيخ محمد عبده في حدة : " إذا شاء أهتدينا أن تكون كساوي التشريف بمقتضي إرادته الشخصية فليصدر بذلك قانوناً آخر بنسخ هذا القانون " فلما سمع الخديو هذا الرد احمر وجهه ووقف إذاناً للحاضرين بالانصراف -وآلى على نفسه أن يحرج المفتي ويدبر له حتى يخرجه من منصبه وينتقم من فعلته .

ثم اعقب ذلك وقوف الشيخ محمد عبده وحسن باشا عاصم في أرض يريد الخديو استبدالها ، ورأيا أن هذا العرض ليس في مصلحة الوقف ، وحملا مجلس الأوقاف الأعلى على رفض هذا الاستبدال إلا إذا دفع للوقف عشرون ألفاً فرقاً بين الصفقتين .

انكشف الغطاء وظهر العداء ودبرت المؤامرات ودست الدسائس ، وكلما أمعن الخديو في ذلك اضطر الشيخ محمد عبده إلى كثرة الاتصال بالإانجليز ، وكلما اتصل زاد غضب الخديو حتى لقد هم الخديو بعزله من الإفتاء ، فصرح اللورد كروم " أنه لا يوافق على عزله من منصب الإفتاء مهما كانت الأحوال ما دام موجودا "

والشيخ محمد عبده جاد في إصلاح الأزهر والنهوض بالجمعية الخيرية الإسلامية لنشر التعليم وإغاثة المنكوبين ، ورسول السلام بين مجلس الشوري والحكومة ، وداعي المصالحة فيما تعقد من الأمور ، يكسب من الإنجليز بقدر ما يستطيع ، وهو موضع ثقة المجلس وثقة الحكومة وثقة الإنجلير ، يستشيرونه في كثير من الأمور فيشير مما يعتقده الحق ؛ ثم هو ينير الخاصة بما ينشر من أفكاره في الدين والإصلاح الاجتماعي والأخلاقي والسياسي علي مذهبه .

وهو يحارب أشد محاربة وأعتقها من جهات متعددة : الخديو عباس يتخذ السيد توفيق البكري وغيره وسيلة  للافساد بينه وبين رجال الازهر وتحريض أعضاء المجلس على الاستقالة حتى يحل محلهم من يكرهون الشيخ محمد عبده ويقفون في سبيله وكثير من شيوخ الأزهر بخاصمو لأنه يهدم قديمهم وإلفهم ويطلع عليهم تجديد لم يألفوه ، ويشيعون بين العامة كفره وزندقته .

والحزب الوطني وعلي رأسه مصطفى باشا كامل يحاربه ويرميه بالمروق من الوطنية ، لانه يشايع الإنجليز ويتخذهم أعوانه ، ونكتب التقارير السرية ضده للآستانة ، فإذا

سافر إليها استقبل استقبالا سيئا ، وعملت التدابير لإهانته لولا أن لطف الله .

والجرائد الهزلية تشهر به اشنع تشهير ، إما بايعاز من خصومه وقبض الثمن منهم ، وإما مجازاة للعوام وأشباههم باسترضائهم لترويج جرائدهم .

في كل يوم حادثة ، وفي كل ميدان موقعة ، وفي كل جريدة ذكر وفي كل مجلس مناظرة بين الانهار والدفاع ، وأسم الشيخ محمد عبده على كل لسان ، وعيشته عذاب في عذاب ، وهو لا تفتر قوته ، ولا تخبو عزيمته ، وإن كان كل ذلك يهد في أعصابه ويهدم في كيانه .

لقد تلقي المفتي سؤالين من بعض مسلمي الترنسفال وهما :  (١)  بقر بضرب علي رأسه بالبلطة حتى تضعف مقاومته ثم يذبح قبل ان يموت بدون تسمية الله عليه ، فهل يجوز

فأفتى الشيخ بحلها فقامت عليه قيامة العلماء يقولون إنهما محرمة لأنها هي الموقوذة التى حرم الله أكلها ، والشيخ يقول إن الموقوذة هي ما ضربت بشيء غير محدد كالحجارة والخشب حتى ماتت ، وهذه ذبحت قبل موتها .

والسؤال الثاني : يوجد أفراد في هذه البلاد  (الترنسفال ) يلبسون البرانيط لقضاء مصالحهم وعود الفوائد عليهم ، فهل يجوز ذلك أم لا ؟

فأفتي أيضاً بالجواز وقال : " أما ليس البرنيطة إذا لم يقصد فاعله الخروج من الإسلام والدخول في دين غيره فلا بعد مكفرا ، وإذا كان اللبس لحاجة من حجب الشمس او دفع مضرة او دفع مكروه او تيسير مصلحة لم يكره كذلك " .

فهيجت عليه الجرادئد كجريدة الظاهر ، وأثارها محمد بك أبو شادي عليه حرباً شعواء ، وكذلك جريدة اللواء .

وزاد خصومه وقاحة فلفقوا صورة شمسية له مع بعض نساء الأفرنج وحملوها للورد كرومر ، وأفهموه أن هذا في عرف المسلمين لا يجوز صدوره ممن يتولى منصب الإفتاء ،

فلم يأبه لقولهم . وصورته الجرائد الهزلية " كالأرنب و حمارة منيتي " بصور شنيعة ، وحكم على أصحابهما بالحبس .

وهكذا لم يتورع خصومه أن يحاربوه بأسفل الوسائل ، وكان بعض هذا يكفي لعدوله عن جهاده ، وكان بعض أصدقائه كسعد زغلول وقاسم أمين يعيبون عليه إلحاحه في إصلاح الأزهر ، وهو غير ممكن بهذا الوضع ، وهو - مع كل هذا - مصر علي المضي في عمله تشحذه الخصومة ، ويأرق بعض الليالي مفكراً في وسائل الإصلاح ويقول : إن وجداني الديني لا يرضي بالصمت عن المفاسد .

وآخرون من خلصائه كانوا يعيبون عليه عداءه للخديو على هذا الوجه ، ويرون أن الأجدر ، أن ينفي النظر عن عقوبته ، ويقولون : ماذا عليه لو اعطى كسوة التشريف الغير مستحقها أو تساهل في استبدال الوقف ، ثم كان ثمن ذلك أن تطلق يده في الإصلاح كما يريد ، وحينئذ يجد من الخديو كل عون ! ولكن فأنهم أن الطبيعة تأبى أن تخلق من عليّ معاوية أو أن تجعل من عمر عمراً .

وعابوه أنه نظر إلى الخديو عباس من جانبه الأسود وهو شرهه المالي ، وجشعه المادي ، ووسائله الوضيعة في ذلك ، ولم ينظر إلي جانبه الأبيض وهو إباؤه الاستسلام للمحتلين وتشجيمه الحركة الوطنية وتغذيتها وتنميتها . بل إن (الشيخ محمد عبده)  كان يناهض أيضا دعاة الحركة الوطنية ، ويرميهم بالتهور ويقنع في آماله الوطنية بالقليل ، كما يدل عليه خطاباه اللذان نشرا بعد موته وكان قد أرسلهما إلي صديقه مستر " بلنت " يشرح فيهما مذهبه في الإصلاح السياسي ، وفيهما قناعة لا ترضي الوطنيين ، وقد أثارا نفوس الخديو والوطنيين وحتي بعض المعتدلين .

ولكن - مهما كان الأمر - فإن العظيم يجب أن يقدر من جميع جوانبه لا من جانب واحد ، وقد كان الشيخ محمد عبده مصلحاً دينياً ومصلحاً اجتماعياً ومصلحاً للغة والأدب ، وشخصية بارزة في التفكير ، ثم سياسياً . فإن هو لم يوفق في سياسته فهذا لا يقلل من نواحيه القيمة .

الآخرى ، ويسقط الرجل في السياسة أن يشتري بمال او يبيع ذمته لمنصب . ولكنا يجزم أن الشيخ محمد عبده كان وفياً لأمته مخلصاً نزيهاً ، يسلك هذا المسلك السياسي عن عقيدة وتقدير للمصلحة ، ويجتهد أحياناً فيخطئ وتحمله الظروف القاسية أحياناً على ما يكره .

والحق أن كثيراً من شيوخ الأمة كانوا في ذلك الوقت على مثل رأيه السياسي ، كسعد باشا زغلول ، وفتحي باشا زغلول ، وحسن باشا عاصم ، ومحمود باشا سليمان وغيرهم من رجال حزب الامة ، ولكنه هوجم من هذه الناحية أكثر مما هوجموا ، لأن الخديو عباس كان يؤلب عليه أكثر مما يؤلب عليهم ، ولإن الناس إعتادوا أن يروا رجال الدين بعيدين عن السياسة وخاصة مع المحتلين .

في سنة ١٩٠٥ كان الأزهر هادئاً وعلى رأسه السيد على البيلاوى ، وكان رجلا يرتاح إلي الشيخ محمد عبده ويرتاح محمد عبده إليه ، والأمور سائرة سيراً طبيعياً ، فظهرت فجأة حركة تدعو إلي الشغب وتشكو من شيخ الازهر ومن مجلس الإدارة ، وكان القائمون بها من المتصلين بالسراي ، على أثر رفض الشيخ محمد عبده وحسن عاصم استبدال الوقف الذي أشرنا إليه - وعلي أثر هذا الشغب استقال السيد علي الببلاوي ، وعين الخديو عباس الشيخ عبد الرحمن الشربيني ، وهو ممن لا يستطيع الشيخ محمد عبده العمل معهم لرجعيته وجموده . وخطب الخديو في حفلة الإنعام بالخلعة علي الشيخ الشرببني خطبة فيها خفة تدل على الغيظ الشديد من الشيخ محمد عبده وصحبه ، قال فيها : " إن الأزهر أسس وشيد على أن يكون مدرسة دينية إسلامية تنشر

علوم الدين في مصر وجميع الأقطار العربية . . ولقد كنت أود أن يكون هذا شأن الأزهر والأزهريين دائما ، ولكن من الأسف رأيت فيه من يخلطون الشغب بالعلم ومسائل الشخصيات بالدين ، ويكثرون من أسباب القلاقل . . . وأول شئ أطلبه أنا وحكومتي أن يكون الهدوء سائداً

في الأزهر ، والشغب بعيداً عنه فلا يشتغل علماؤه وطلبته إلا بتلقى العلوم الدينية النافعة البعيدة عن زيغ العقائد وشغب الأفكار ، لأنه مدرسة دينية قبل كل شئ ، وقد استقال السيد على الببلاوى رعاية لصحته ، وقد جريت منذ اثني عشرة سنة على أن أقبل أستقالته كل من  يستقلني   من وظيفته ،فقبلت استقالته ومن يستقيلني من وظيفته  سواء فأنا مستعد أن أقبل منه جرياً على العادة التي أتبعتها . . . ومن يحاول بث الشغب بالوساوس والأوهام أو الإيهام بالأقوال ، أو بواسطة الجرائد والأخذ والرد ، فليكن بعيداً عن الأزهر ، ومن كان أجنبياً من هؤلاء ( يريد السيد محمد رشيد صاحب" المنار" ) فأولي ان يرجع إلى بلاده ، ويبث فيها ما يريد من الأقوال والأراء المغايرة للدين ولمصلحة الآزهر والآزهريين" .

فلم ير الشيخ محمد عبده بداً من الاستقالة ، وقد آمن بعجزه عجزاً تاماً عن إصلاح الأزهر الذي يريده .

لم يلبث بعد هذه الحادثة أن أحس وطأة المرض ، فعزم على السفر إلي أوربا للاستشفاء ، ولكن لم يمنعه ذلك من العمل في مجلس الشوري ومجلس الأوقاف والجمعية الخيرية الإسلامية ، وإمتحان دار العلوم ، وإعداد مشروع مدرسة القضاء . ثم ألح عليه المرض واختلف الأطباء في تشخيصه : هل هو المعدة او الكبد ؟ ثم تبين أنه - مع الأسف السرطان ، وأشاروا عليه بعدم السفر . وفي يوم ١١ يوليه سنة ١٩٠٥ فاضت روحه إلى ربها من نحو سنة وخمسين عاماً ، وكان برمل الإسكندرية في منزل صديقه محمد بك رتسم وقرر مجلس النظار أن تحتفل الحكومة رسميا بتشييع جنازته في الإسكندرية ومصر ، وكان مشهداً مهيباً رائعاً ، ثم دفن بقرافة المجاورين .

و   كان الخديو متغيباً عن مصر فأنب من احتفل به أو احتفي بجنازته من رجاله . رحمه الله . وبعد فما إصلاحه ؟ وما مبادئه في الاصلاح ؟ وما أثرها في الأمة ؟ .

( يتبع )

اشترك في نشرتنا البريدية