دوحة الجبل
وارتقى زارا ذات مساء الربوة المشرفة على مدينة (البقرة الملونة) فالتقى هنالك بفتى كان يلحظ فيما مضى صدوده عنه؛ وكان هذا الفتى جالساً إلى جذع دوحة يرسل إلى الوادي نظرات ملؤها الأسى، فتقدم زارا وطوق الدوحة بذراعيه وقال: - لو أنني أردت هز هذه الدوحة بيدي لما تمكنت. غير أن الريح الخفية عن أعيننا تهزها وتلويها كما تشاء. هكذا نحن تلوينا وتهزنا أيادٍ لا ترى
فنهض الفتى مذعوراً وقال: هذا زارا يتكلم! وقد كنت موجهاً أفكاري إليه
فقال زارا: ما يخيفك يا هذا؟ أليس للإنسان وللدوحة حال واحدة؟ فكلما سما الإنسان إلى الأعالي، إلى مطالع النور، تذهب أصوله غائرة في أعماق الأرض، في الظلمات والمهاوي
فصاح الفتى: أجل! إننا نغور في الشرور؛ ولكن كيف تسنى لك أن تكشف خفايا نفسي؟
فابتسم زارا وقال: إن من النفوس من لا نتوصل إلى اكتشافها إلا باختراعها اختراعاً
وعاد الفتى يكرر قوله: اجل إننا نغور في الشرور. قلت حقاً يا زارا، لقد تلاشت ثقتي بنفسي منذ بدأت بالطموح إلى الارتقاء فحرمت أيضاً ثقة الناس، فما هو السبب يا ترى؟ إنني أتحول بسرعة فيدحض حاضري ما مضى من أيامي. ولكم حلّقتُ فوق المدارج أتخطاها وهي الآن لا تغتفر لي إهمالي. إنني عندما أبلغ الذروة أراني دائماً منفرداً وليس قربي من يكلمني، ويلفحني القَرُّ في وحدتي فترتجف عظامي، وما أدري ماذا أتيت أطلب فوق الذرى!
إن احتقاري يساير رغباتي في نموّها، فكلما ازددت ارتفاعاً زاد احتقاري للمرتفعين فلا أدري ما هم في الذرى يقصدون. ولكم أخجلني سلوكي متعثراً على المرتقى، ولكم هزأت بتهدج أنفاسي. إنني أكره المنتفضين للطيران. فما أتعب الوقوف على الذرى العالية!
ونظر زارا إلى الدوحة يتكئ الفتى عليها ساكتاً فقال: إن هذه الدوحة ترتفع منفردة على القمة وقد نمت وتعالت فوق الناس وفوق الحيوانات، فإذا هي أرادت أن تتكلم الآن بعد بلوغها هذا العلو فلن يفهم أقوالها أحد. إنها انتظرت ولم تزل تتعلل بالصبر، ولعلها وقد بلغت مسارح السحاب تتوقع انقضاض أول صاعقة عليها
فهتف الفتى متحمساً: نطقت بالحق، يا زارا إنني اتجهت إلى الأعماق وأنا اطلب الاعتلاء، وما أنت إلا الصاعقة التي توقعتها. تفرَّس فيَّ، وانظر إلى ما آلت إليه حالتي منذ تجليت لنا، فما أنا إلا ضحية الحسد الذي استولى عليّ
وكانت الدموع تنهمر من مآقي الفتى وهو يتكلم، فتأبط زرارا ذراعه وسار به على الطريق. وبعد أن قطعا مسافة منها قال زارا: - لقد تفطر قلبي، إن في عينيك ما يفصح بأكثر من بيانك عما تقتحم من الأخطار. إنك لما تتحرر يا أخي، بل ما زلت تسعى إلى الحرية، وقد أصبحت في بحثك عنها مرهف الحس كالسائر في منامه
إنك تريد الصعود مطلقاً من كل قيد نحو الذرى، فقد اشتاقت روحك إلى مسارح النجوم، ولكن غرائزك السيئة نفسها تشتاق الحرية أيضاً
إن كلابك العقورة تطلب حريتها، فهي تنبح مرحة في سراديبها، على حين أن عقلك يطمح إلى تحطيم أبواب سجونك كلها. وما أراك بالطليق الحر فأنت لم تزل سجيناً يتوق إلى حريته، وأمثال هذا السجين تتصف أرواحهم بالحزم غير أنها تصبح وا أسفاه مراوغة شريرة
على من حرّر عقله أن يتطهّر مما تبقّى فيه من عادة كبت العواطف والتلطخ بالأقذار؛ لتصبح نظراته برّاقةً صافية. إنني لا أجهل الخطر المحدق بك، لذلك أستحلفك بحبي لك وأملي
فيك ألا تطرّح عنك ما فيك من حب ومن أمل
إنك لم تزل تشعر بالكرامة ولم يزل الناس يرونك كريماً بالرغم من كرههم لك وتوجيههم نظرات السوء إليك، فاعلم أن الناس لا يبالون بالكرماء يمرون بهم على الطريق، غير أن أهل الصلاح يهتّمون بهم، فإذا ما صادفوا في سبيلهم من يتشح الكرامة دعوه رجلاً صالحا ليتمكنوا من القبض عليه لاستعباده
إن الرجل الكريم يريد أن يبدع شياء جديدا وفضيلة جديدة، على حين أن الرجل الصالح لا يحن إلاّ إلى الأشياء القديمة، وجل رغبته تتجه إلى الإبقاء عليها
لا خطر على الرجل الكريم من أن ينقلب رجل صلاح، بل كل الخطر عليه في أن يصبح وقحاً هدّاما
لقد عرفت من الناس كراما دلّت طلائعهم على أنهم سيبلغون أسمى الأماني، فما لبثوا حتى هزأوا بكل أمنية سامية، فعاشوا تسير الوقاحة أمامهم، وتموت رغباتهم قبل أن تظهر، فما أعلنوا في صبيحتهم خطة إلا شهدوا فشلها في المساء
قال هؤلاء الناس: ما الفكرة إلا شهوة كغيرها من الشهوات
وهكذا طوت الفكرة فيهم جناحيها فتحطما، وبقيت الفكرة تزحف زحفا وتدنس جميع ما تتصل به
لقد فكر هؤلاء الناس من قبل أن يصيروا أبطالاً، فما تسّنى لهم إلا أن يصبحوا متنعمين، يحزنهم شبح البطولة ويلقى الخوف في روعهم
أستحلفك بحبي لك وأملي فيك ألاّ تدفع عنك البطل الكامن في نفسك إذ عليك أن تحقق أسمى أمانيك هكذا تكلم زارا. . .
المنذرون بالموت:
ما أكثر المنذرين بالموت! والعالم ملئٌ بمن تجب دعوتهم إلى الإعراض عن الحياة
إن الأرض مكتظة بالدخلاء وقد أفسدوا الحياة، فما أجدرهم بأن تستهويهم الحياة الأبدية ليخرجوا من هذه الدنيا
لقد وُصف المنذرون بالموت بالرجال الصفر والسود، ولسوف أصفهم أنا فينكشفون عن ألوان أخرى أيضاً
إنهم لأشد الناس خطراً، إذ كمن الحيوان المفترس فيهم، فغدوا ولا خيار لهم إلا بين حالتين، حالة التحرق بالشهوة وحالة كبتها بالتعذيب. وما شهوتهم إلا التعذيب بعينه. إن هؤلاء المسوخ لم يبلغوا مرتبة الإنسانية بعد، فليبشروا بكره الحياة، وليقلعوا عن مرابعها
هؤلاء هم المصابون بسلّ الروح، فانهم لا يكادون يولدون للحياة حتى يبدأ موتهم، وقد شافتهم مبادئ الزهد والملال
يود هؤلاء الناس أن يُدرَجوا في عداد الأموات، فعلينا أن نحبّذ إرادتهم ولنحترس من أن نعمل على بعث هؤلاء الأموات وعلى تشويه هذه النعوش المتحركة
إذا هم صادفوا مريضاً أو شيخاً أو جثة ميت، فانهم يقولون - لقد انتفت الحياة؛ ولو أنصفوا لقالوا إنهم هم نفيٌ للحياة، وإن عيونهم دحضٌ لها لأنها لا تتجه إلا إلى مظهر واحد من مظاهر الوجود
هم يتلفّعون برداء وسيع من الأسى ويتشوقون إلى الحوادث التي تجر وراءها الموت. ولكنهم يتوقعون الموت وأسنانهم تصطك فرقا. غير أنهم في الوقت نفسه يمدون أيديهم إلى ما لذّ وطاب هازئين، فكأن الحياة قشة يهزأون بها ولكنهم يحرصون عليها. إن حكمة هؤلاء الناس تهتف قائلة (الحياة جنون، أفظع منه التمسك بالحياة. وقد بلغ الجنون بنا هذا الحد الفظيع)
يقولون إن الحياة آلام؛ فهم يقولون حقا، فلماذا لا يضعون حداً لهذه الحياة إن لم يكن فيها سوى العذاب؟ تلك تعاليم ترمي إلى وجوب الانتحار؛ فيقول البعض وهو يدعو إلى الموت: إن الملاذ الجنسية خطيئة فيجب الامتناع عنها والإضراب عن التوليد. ويقول البعض الآخر: إن الولادة مؤلمة، فعلاَمَ تلد النساء وهنّ لا يقذفن إلى الوجود إلا بالأشقياء؟ وهذه الفئة هي أيضاً من المنذرين بالفناء
وتقول لك فئة أخرى: إن الرحمة لازمة فخذ ما نملك، بل خذ ما تتكون شخصيتنا منه، فان فعلت فأنك تقطع من الأسلاك التي تشد بنا إلى الحياة. ولو أن رحمة هذه الفئة من الناس تتغلغل في صميم ذاتهم لكانوا يبذلون الجهد في سبيل دفع سواهم إلى كره الحياة. ليستمر هؤلاء الناس على ما هم عليه، لأن رحمتهم الحقيقية كامنة في إيقاع الأذى
إن ما يقصد هؤلاء الناس إنما هو التملص من تكاليف البقاء فلا يهمهم أن هم ألقوا بأغلالهم على الآخرين.
وأنتم أيضاً، أيها المتحملون من الدنيا همومها وجهودها المرهقة، أفما تعبتم من الحياة؟ أفما أنضجت المحن نفوسكم لتقوم هي أيضاً منذرة بالموت؟
أنتم يا من تحبون الأعمال الوحشية وكل حادث يمتعكم بكل جديد وغريب سريع الزوال! لقد ضقتم ذرعا بأنفسكم فما تتهالكون في العمل إلا تهربا من الحياة وطلبا للاستغراق لتصلوا بذاتكم إلى نسيان ذاتها. ولو كنتم أشد إيمانا بالحياة لما كنتم تستسلمون هذا الاستسلام الكامل لحاضركم. لقد خلت سرائركم من القوة اللازمة للانتظار، بل خلت مما يستلزم كسلكم نفسه من جلد
إن صوت المنذرين بالموت يدوي في كل مكان، والعالم مكتظ بمن وجبت دعوتهم إلى الموت أو بالحري إلى الحياة الأبدية؛ ولا فرق عندي بين ذاك وهذه إذا كان هؤلاء الناس يسارعون إلى إخلاء الأرض
هكذا تكلم زارا
(يتبع)

