الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 373 الرجوع إلى "الثقافة"

(٨) الأشعار الأندلسية، وعلاقتها بالأشعار الأوربية، رأي المدرسة الأسبانية

Share

" وكان نيكل يستطيع أن يذهب أبعد من ذلك فيقول : إن الرجل ما هو إلا موشحة مصوغة في اللهجة الأسبانية الدارجة بدلا من العربية الفصيحة ، وقد أثبت هارتمان في رسالته الصغيرة عن الموشح أن هذا النوع من الشعر ذي الفقرات strofheique مبني على طول مقاطع الكلمات وقصرها ، موزونة على أساس موازين الشعر العربي الفصيح " وأوضح هذا الكلام بمثال :

لنأخذ الفقرة التي تبدأ بالصراع الثالث عشر فنلاحظ أننا إذا قرأنا الصراعين الخامس عشر والسادس عشر كما نقرأ الشعر العربي الفصيح إختل الوزن ، وأن الإتزان لا يعود إلا إذا قصرنا " عبيده " إلي عبيد وإلا إذا قرأنا " عبيد إلا " كما نقرأ كلمة واحدة وكذلك " ليس دا عار على " وكذلك " عاريبه " فالكلمات تنطق مجموعات لكل منها وزن واحد ، وهذا يقتضي بالطبع التصرف في مد حروف العلة وتقصيرها كما تري في مد " به " إلى " بيه "

كما تفعل نحن في لغتنا العامية ، وهذا يخالف قواعد الشعر العربي الصحيح مخالفة صريحة

وليست ألفاظ أبن قزمان وعباراته كلها عربية فصيحة أو دارجة ، وإنما يختلط بها كثير من الألفاظ الأسبانية والرومانية التي كانت شائعة في كلام المسلمين في أسبانيا كما ترى في الفقرة التالية :

يا منظرين شلباطو

                تون حزين تون بناطو

تري  اليوم وسطاطو

                  لم تذق فيه غير لقيمه

فهذه فقرة أقرب إلى أن تكون أسبانية وقد ترجمها وبيرا إلي شعر أسباني هكذا :

Oh! mi inconstante Salvado  Tu estás triste y apenado  Te hallaràs hoy disgustado Solo hay un bocadillo.

وفي هذه الترجمة الأسبانية خطأ نشأ عن خطأ ربيرا في قراءة بعض الألفاظ فقد قرأ " مطربن " مطر نبني وهذا لفظ لا معنى له ولهذا تصرف فيه فترجمه Triste أي حزين ، وصحته يا مطربي ، وهناك كذلك خلاف كبير حول قراءة " تون حزين . . " وترجمتها بضمير المخاطب المفرد حقاً وأمثلة هذا كثيرة ، وفي قراءتها وتفسيرها كذلك خلاف كبير

ومعظم أزجال أبن قرمان يدور حول الغزل بالنساء والغلمان والخمر والموسيقي ومتاع الحياة ، وهو ينشدها على لسان النساء وصبية الشوارع والبائعين ، وبعضها على لسان نصاري أندلسيين أو نصاري أسبان من أهل الشمال ؟ ولهذا فهذه الأزجال تعرض علينا صوراً حية من الحياة اليومية التي كان يحياها الأسبان المسلمون والمستعربون ، وهاك فقرة لطيفة تبين كيف كان الناس يسمرون إذا خلوا مع عشاقهم :

واش إلا القلايا والقديد المشرح

وشواي لجنب وأنا جالس تملح

ونصنف على النار ثم تبتدي تملح

أنا كنطيط في دخان مشعر

ولأزجال هذا الديوان ميزة لا زال تفسيرها إلى الآن موضع خلاف بين الباحثين ، هي أن كل زجل ينقسم قسمين قسم غزل وقسم مديح ، فهو يبدأ كل زجل بأبيات في الغزل ، فإذا فرغ من هذا " التغزل " كما يسميه ختم الزجل يمدح صديق له أو أحد كبار الناس ، وهذا يدلنا على أن ابن قزمان كان ينهج في صياغة أزجاله منهج شعراء العرب ، فهو يستعمل الزجل مدخلا المديح ، وربما استطمنا أن نسنتج من ذلك أن غزل أبن قزمان لم يكن هو الغرض الأول من أزجاله ، وإنما كان تمهيداً فقط لما يأتي بعده ، وفي هذا دلالة على أن الرجل كان يكسب عيشه بصياغة مدائح للناس فيقصدهم مع فرقته ، ويقف بأبواب دورهم ، وببدأ بكلام غزلي يستجلب به النظارة والمتفرجين ويرغمهم به على الترديد والغناء معه ، ثم يخلص من ذلك إلى الغرض الأساسي وهو المديح .

والآن وقد ألقينا هذه النظرة العاجلة على أبن قزمان وأزجاله ، نعود إلي العلاقة بينها وبين الأشعار الأوربية التي يظن أنها نسجت على منوالها .

لعل القارئ قد لحظ من قراءة هذا المثل البسيط القيمة التاريخية واللغوية لهذا الديوان ، فعلى الرغم من تفاعلة المواضيع التي تدور حولها الأزجال ، وعلى الرغم من تواتر المعنى الواحد في أكثر من رجل واحد ، فإن كل زجل يعرض علينا لوناً من الحياة الأندلسية عرضاً لا تجده عند أكثر مؤلفينا ؛ فنحن نجد هنا أسماء عشرات من أصناف الثياب والطعام وعشرات من أسماء أدوات المنزل

وآنية الشرب وقطع الزينة للرجال والنساء ، ونحن نستطيع كذلك أن نتصور كيف كان عامة الناس بتكلمون وفيم كانوا يفكرون ، وتلك كلها أمور في المكان الأول من الأهمية للمؤرخ المدقق ، ولا نظفر بها عند أحد من المؤرخين الأندلسيين .

ولكن أكبر قيمة لهذا الديوان هو أنه قرر بصورة لا تكاد تقبل الجدال مقدار دين الآداب العالمية لأدباء الأندلس ، ذلك أن هذا الأسلوب في صياغة الشعر بما فيه من الملاءمة للروح الشعبي وبما فيه من إنسجام مع الإيقاع الموسيقى لم يلبث - كما رأينا - أن شاع بين الناس وأجتذب إليه كبار الشعراء ، فأخذ كثير منهم يصنع قطعاً من الزجل لا تلبث لسهولتها ومواقعها الموسيقي أن تجري علي كل لسان ويتغني بهما في كل ناحية من نواحي الأنداس ؛ وقد بلغ الزجل هذا الذيوع قبيل زمان أبن قزمان وفي حياته نفسها ، أي من أوائل القرن الحادي عشر الميلادي إلي منتصف الثاني عشر ، ويفهم من قول أبن خلدون : " ولما شاع التوشيح في أهل الأندلس وأخذ الجمهور لسلاسته وتنميق كلامه وتصريع أجزائه نسجت العامة من أهل الأمصار على منواله ، ونظموا في طريقته بلغتهم الحضرية من غير أن يلتزموا فيه إعراباً ( واستحدثوا فناً) سموه بالزجل ، والتزموا النظم فيه على مناحيهم لهذا العهد فجاءوا فيه بالغرائب واتسع فيه للبلاغة مجال بحسب لغتهم المستعربة ( وأول ) من أبدع في هذه الطريقة الزجليسة ( أبو بكر بن قزمان ) ( المقدمة ، طبعة كترمير ج ٣ ص ٤٠٤ ) ، ومن قوله بعد ذلك وهو يتحدث عن أبن قزمان راوياً عن ابن سعيد : " ورأيت أزجاله مروية ببغدد أكثر مما رأيتها بحواضر المغرب . . "(نفس المصدر والصفحة ) أن الأزجال شاعت في نواحي العالم الإسلامي شيوعاً عظيماً ، وأن أهل كل ناحية أخذوا ينشئون أزجالاً بلهجتهم العامية ، وأن هذه البدعة الفنية الأندلسية

أصبحت لوناً شعرياً مقرر القواعد والأصول في شتى نواحي العالم الإسلامي .

بل لم يقتصر أمرها على العالم الإسلامي ، وتعداء إلي العالم النصراني في شمال الأنداس وخلف البرانس ، ذلك أن الذي لا نزاع فيه أن ما بين يدينا من أشعار الترويادور لا يكاد يختلف في معانيه وأسلوب صياغته عن هذه الآزجال الأندلسية ، بل كان أول هؤلاء الشعراء الجوالين وهو الكونت د بوانيه معاصراً لابن قزمان ( عاش من ١٠٧١ إلى ١١٢٦ ) ، ثم إنه إشترك في حملات كثيرة قام بها البروفنسيون ضد مسلمي إسبانيا ، وكان قبل إشتراكه في هذه الحروب بنظم قصائد صغيرة تتكون من فقرات كل منها أربعة مصاريع يتفق الأول والثالث منها في قافية والثاني والرابع في قافية أخري ، أي أن نظام قصائده كان أ ب أب  ، فلما عاد من هذه الحروب بدأت قصائده تأخذ صورة الزجل الأندلسي ، أى أنه أخذ ببدؤها بمطلع من مصراعين ، تليه فقرة من ثلاثة مصاريع على فافية واحدة ثم مصراع على نفس الوزن ولكن من قافية المطلع ،

أي أن نظام قصائده أصبح أ أ ب ب ب أ ، وهذا وحده برهان كاف لإثبات أثر الفن الأندلسي في تطور فن التروبادور . ولو ذهبنا نحلل قصائد الكونت وغيره من أئمة الشعراء البروفنسيين لازددنا بهذا الرأي إيماناً ، فإن معانيها قريبة جداً من معاني أزجال الأندلسيين ، بل من أسلوب تفكيرهم وإليك أمثلة صغيرة تستطيع أن تجد لها أصولا في أقاصيص  طوق الحمامة وقصائد ، وفي أشعار الأندلسيين موشحاتهم وأزجالهم : " إن ما تبعثه ( الحبيبة ) من الغبطة في النفوس ليشفي العليل ، وهي إذا غضبت على أحد فإن غضبها هذا كفيل بأن يقتل أوفر الناس صحة ، وجمالها يسلب أعقل الناس لبه ، ويفقد أجمل الناس جماله ، ويستطيع أن يحيل أوفر الناس أدباً شريراً ذميماً ، ويجعل من الشرير إنساناً

مهذباً " (١) " عند ما يأخذ النهار في الطول في الربيع ، أجد في نفسي لغناء الطير وقعاً جميلاً ، فإذا إنقطع على هذا الغناء تحسست في أعماق نفسي أثار حب بعيد ، فتجدني إذ ذاك غارقاً في الفكر حزيناً خافض الرأس ، وهنا لا أجد في نفسي لغناء الطير لذة ولا للزهر فتنة " (٢)

" ليس بغريب أن يكون غنائي أجمل من غناء أي إنسان غيري ، لأنني أشد الناس خضوعاً للحب وإنقياداً لأمره فإن قلبي وجسمي وفهمي وحسي ، وجاهي وقوتي كلها رهنتها بأمره ... " (٣)

ولم يكتف التروبادور باقتباس هذه المعاني بل أخذوا يتقلدون ما يسمعون من أشعار المسلمين وأزجالهم في كل شيء : فهم يشكون في قلب المرأة وطبعها وبحذرون الإنسان من كيدها(٤) ، ويزهدون في هذه الدنيا بكلام هو أقرب ما يكون إلي تفكير زهاد المسلمين من ناحية وأبن قزمان من ناحية أخري (٥) ، بل إن الكونت د بواتبيه نفسه يتصنع التوبة في آخر أيامه ويعتزم التزهد في الدير كما فعل أبن قزمان إذ تاب عن شروره وعكف على الصلاة والأذان في أحد مساجد قرطبة في أواخر أيامه .

فالمسألة إذا لم تعد مسألة نظرية غير مؤسسة كما كانت أيام دوري ، بل حقيقة ثابتة يستطيع الإنسان أن يلتمس لها الدليل بعد الدليل ، ولا يضيرنا في هذا المقام أن يلزم

بعض النقاد وأساتذة الآداب في فرنسا وإيطاليا موقف العناد ، لأن غالبية العلماء في يومنا هذا يأخذون بنظرية الأصل الأنداسي بدون مناقشة ، وقد كان المناهضون لهذا الرأي يزعمون أن روح أشعار التروبادور أرفع بكثير من روح أشعار أبن قزمان وأن فيها تسام بالحب لم يخطر ببال المسلمين ، فلم يكد الباحثون يعرضون عليهم صوراً من تفكير أبن داوود وأبن حزم وغيرهما في الحب وتساميهم به وتعمقهم في فهم أسراره وأطواره حتى آمنوا أن الأمر أوثق أسساً مما يحسبون ، وأن الأدله أنصع من أن يماري فيها ، وقد أشرت في أول هذا البحث إلي تحول منتذل بيذال إلى ناحيتنا وكان من قبل عدواً لكل ما هو إسلامي أو عرب لا يكاد يقبل حتى مجرد التفكير فيه .

وبعد فهذا موضوع شاسع لا يستطاع تفصيله في مقال صغير كهذا ، ولكني حاولت جهدي أن ألفت نظر القارئ إلى جانب مجهول من جوانب فضل المسلمين على الحضارة الإنسانية ، فإن التروبادور هم آباء الأشعار الفرنسية والإيطالية والأسبانية ، فإذا كان قد ثبت على هذا المنوال أن المسلمين هم آباء شعراء التروبادور فإنه يثبت لنا بهذا أن أشعارنا وأزجالنا أصل من أصول الشعر الأوربي ، بيد أن الأمر لا زال محتاجاً إلي البحث والتحقيق ، ولم بعد الناس يقبلون فروضاً تعتمد علي الإلهام أو على حسن الظن وحدهما ، وقد مضي الزمن الذي حسب فيه ربيرا أنه حل المشكلة حينما (أكشف) ، أن تروبادور آتية من اللفظ العربي طرب !

اشترك في نشرتنا البريدية