الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 926 الرجوع إلى "الرسالة"

٨ - الدين والسلوك الانسانى

Share

الجماعة الدينية :

توصلنا فى الفصل السابق من هذه الدراسة إلى القول بأن  وظيفة الدين لتحقيق التكافل الاجتماعى فى الجماعة الإنسانية  تتوقف على صدق الإيمان والاختبار الدينى لدى أعضاء تلك الجماعة  وعلى مدى تحديد العقيدة الدينية التى تدين بها الجماعة لأسس  ذلك التكافل

ورأينا أن سلامة العقيدة الدينية وصيانتها من التحوير  والتبديل شرط أساسى لحفظ ذلك التكافل الاجتماعى (1) وهذا  لا يعنى الجحود والتعصب وإقفال باب الاجتهاد

فالمشكلة فى صيانة العقيدة وسلامتها ووصف المدافعين عنها  بالجحود والرجعية والمعتدين عليها بالإلحاد والزندقة ترجع إلى

الخطأ فى تفهم معنى السلامة ومغزى الصيانة

فإذا كان للدين أن يكون وسيلة جوهرية فعالة لحفظ التكافل  الاجتماعى وتنميته يجب أن تحدد وظائفه ومعانيه. وهذا التحديد  لا يمكن أن يمس العقيدة لأن العقيدة فطرة وغريزة كما أشار إلى  ذلك القرآن الكريم (٣٠، ٣٠) (فأقم وجهك للدين حنيفا.  فطرة الله التى فطر الناس عليها. لا تبديل لخلق الله. ذلك الدين  القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) . وقد استعرضنا فى مكان آخر  من هذا البحث رأى بعض علماء الاجتماع والأنترولوجيا فى  صدق هذا القول

فالاجتهاد إذن فى بحث الفلسفة الدينية لا يخضع لأصول  المنطق العلمى إذا توخى التعرض للدين من حيث أنه عقيدة،  فالعقيدة الدينية قديمة فى السلوك الإنسانى قدم الأزل لم يطوح  بها تطور الفكر الإنسانى فى العلوم والفنون

ولئن سعى بعض الناس إلى تحديد معنى الدين ووظائفه  فإن سعيهم هذا كثيراً ما يعد من قبيل سوء الاجتهاد إذا تعمد  مس العقيدة مسا رقيقا أو غير رقيق

والاجتهاد الذى من هذا القبيل يبدأ فى هدم الأساس الذى  يحاول واعياً أو غير واع ان يبنى عليه تكافلا اجتماعيا جديداً

فالعقيدة فطرة غريزية وظيفتها محدده معينة أصولها فى النظام  الكونى والتكوين النفسانى والجسمانى للانسان. ولقد أصاب  الغزالى حين شبه العقيدة الدينية بجذع الشجرة ووظائف الدين

الاجتماعية بالأغصان. وقد يستطيع عالم النبات بمعادلة حديثة  أن يطعم غصون الشجرة لتؤتى ثمراً حديثاً. قد يكون ألذ من  الثمر الأصلى أو قد لا يكون ولكن عالم النبات لن يستطيع  أن يسلط معادلة على صميم التكوين الطبيعى لجذع تلك الشجرة  وإلا قتلها

ولعل هذا المثل ينطبق على سوء اجتهاد بعض الباحثين فى  تعرضهم للعقيدة وفى سعيهم لتطعيم الدين بالمستجد من التطور  الفكرى والاجتماعى الذى تمر به الإنسانية فى مجرى التاريخ

والإشكال الذى صاحب تاريخ الديانات يعود إلى سعى  بعض أولى الفكر لتطعيم العقيدة الدينية بالآراء والنظم التى  استعدوها، من بيئتهم الاجتماعية والفكرية. وهذا خطأ وصوابه  أن توجه تلك النظم والآراء الفكرية والاجتماعية بحيث تلازم  جوهر العقيدة الدينية. وذلك لسبب بسيط وهو أن العقيدة فطرة  غريزية هى من صميم الوجود؛ بينما النظم والآراء المستجدة متقلبة  تبعا لتطور الفكر والبيئة والأوضاع السياسية والاقتصادية

فالصراع يصبح إذا بين الغريزة الفطرية السليمة وبين البيئة  والتطور الفكرى. فالأولى أبدية راسخة والثانية متقلبة بتقلب  الظروف والملابسات

والاجتهاد عادة ضرورية للنمو العقلى. فإنك لن تستطيع  أن توقف عقرب الساعة وتؤجل استمرار الزمن . والمشاكل  الاجتماعية تختلف باختلاف المجتمعات والأزمنة، ولا بد للدين أن  يؤدى وظيفته الاجتماعية إلى جانب وظيفته الروحانية الفطرية  الغريزية. ولن يكون ذلك بإقفال باب الاجتهاد على النحو الذى  يدعو إليه بعض حفظة الدين فى إخلاص وصدق لامراء فيهما.  فمثل هذه الدعوة هى أيضاً من قبيل سوء الاجتهاد. فهى تنكر  على الزمن تطوره وعلى الفكر نموه وعلى المجتمع اضطراد مسيره  وميلاد مشاكل سياسية واقتصادية واجتماعية جديدة فيه

والإخلاص والصدق فى الدفاع عن العقيدة الدينية وجوهرها  وأصولها اجتهاد حميد ولكنه لا يكفى لمواجهة التحدى الذى  يواجهه الدين فى عالم يزخر بالمستجد من المشاكل والآراء  والنظريات التى لم يعالجها الدين فى القرون الغابرة

وهذا التحدى للعقيدة الدينية وحفظها يستوجب التعرف

على أسس تلك المشاكل الاجتماعية وعلى جواهر الآراء  والنظريات التى تتحدى الدين ووظيفته

فالذين يحملون على الدين ووظيفته الاجتماعية هم فى معظم  الحالات مفتقرون إلى الاختيار الدينى الصادق، أو بمعنى آخر  مفتقرون إلى الغريزة الدينية الفطرية التى هى - كما رأينا -  جزء من نظام الكون والتكوين النفسانى والعقلى والجسمانى  للانسان. فاجتهادهم إذن اجتهاد مريض فقد غريزته فجاء اجتهاده  وتفكيره وتحليله مشوها لا تتوفر فيه عناصر الكمال

وحفظة الدين الذين لا يتعرفون على جوهر المشاكل الاجتماعية  والمذاهب الفكرية والسياسية والاقتصادية المعاصرة عاجزون -  سواء اعترفوا بذلك أم لم يعترفوا - عن صياغة اجتهادهم فى  قلب يحقق النفع الجزيل. فهم والحالة هذه يقفلون باب الاجتهاد  ويحولون بين الدين وتأدية وظيفته الاجتماعية - سواء أدركوا  ذلك أم لم يدركوه

فلو طبقت هذا الوضع على حاضر العالم العربى لوجدت كلا  النقيضين ولوجدت تحديا للدين من جماعة فقدوا غريزتهم الدينية  الفطرية - أو طمروها تحت ركام من التعليل المنطقى السيئ -  ولوجدت كذلك إجابة على هذا التحدى من بعض حفظة الدين  الذين يفتقرون إلى سلاح المعرفة الحديثة وهى معرفة شاسعة  معقدة لا يكفى للتعرف عليها دروس من الجغرافية والحساب  والطبيعة والكيمياء.

فالمكتبة العربية فقيرة فقراً مدقعاً فى أكثر ما تطفح به  الثقافات المعاصرة من فلسفة ودراسات اجتماعية بنيت عليها  المذاهب الفكرية المعاصرة - اجتماعية كانت أم فلسفية  أم سياسية أم اقتصادية - التى تتحدى الدين ووظيفته الاجتماعية

ولقد واجهت العقيدة المسيحية فى أوربا وأمريكا مثل هذا  التحدى فى الأزمنة الحديثة فسعت معاقل الديانات المسيحية  لمواجهته بالتسلح بالعلم الحديث

وقد تسنى لكاتب هذا السطور أن يلمس عن كثب ثروة  مناهج العلم والتدريس فى بعض المعاقل الرئيسية المسيحية فى  أمريكا؛ وبرامج التدريس العالى فى هذه المؤسسات لا تترك شاردة  ولا واردة من العلم الحديث إلا خصصت لها حصصا تتكافأ وأهميتها

ومبلغ تحديها للعقيدة المسيحية الدينية. فهناك فصول فى علوم  الاجتماع والنفس والاقتصاد والفلسفة السياسية والهندسية  والفيزياء العالية والكيمياء المتقدمة وألف نوع ونوع من العلوم  الحديثة تدرس فى أرقى مناهج التعليم وأحدثها. وطلبة العلم فى  هذه المؤسسات يلقنون العقيدة الدينية فترسخ فيهم ويؤمنون إيماناً  صادقا مخلصا ثم يدفعون إلى التحصن ضد أسلحة الإلحاد بالتعرف  على جوهر تلك الأسلحة علمية مادية أو فلسفة منطقية

فليس من الغرابة أن تجد قسيساً فى أمريكا الآن بروتستانتيا  أو كاثوليكيا يحمل شهادة الدكتوراه فى الاقتصاد أو الهندسة  أو علوم الطبيعية بالإضافة إلى شهادة اللاهوت. بل ألواقع ان  هذا الاتجاه أخذ ينتشر الآن انتشاراً واسعاً فى معظم المعاهد  الدينية فى بريطانيا وأمريكا على وجه الخصوص

وقد لخص أحد أقطاب الفكر المعاصر فى أمريكا (1) هذا  الاتجاه فقال: -

(المرء عدو لما يجهل ولكن عداءه يزداد قوة إذا تعرف على  ما يجهله واكتشف فيه مواطن الضعف والقوة. فإنى أهيب  يحفظة الدين وخصومه على السواء أن يحاولوا - قبل أن يتخطوا  المنطق الحرام - التعرف تعرفا إيجابيا صادقا على مواطن الضعف  والقوة فى جوهر تلك الخصومة. فهم لابد مدركون بالعلم والدين  أنهم متمهان بعضهما لبعض وكل ما يستجلب السماحة والحالة هذه  ملاقاة بعضهما لبعض على صعيد من المعرفة الحقة لجوهر الأشياء  لا لظواهرها. وبهذا تزداد عداوتهما قساوة لا لبعضهما بعضا  ولكن للجهل الذى ولد بينهما الخصومة )

ولعل أبرز مزايا حركة الإحياء الدينى للاسلام فى باكستان  تعود إلى تسلح قادتها بهذا السلاح المزدوج الذى قوامه صدق  الاختبار الدينلا والإلمام بالعلوم الدينية فى أعلى مراقيها

فأنت حين تطالع آثار هؤلاء القادة تلمس اتساع الأفق

وقوة الإقناع والاعتزاز بالعقيدة اعتزازاً لا يعود فقط إلى رسوخ  الاختبار الدينى والتقوى فى نفوس هؤلاء المصلحين بل إلى إلمامهم  إلماماً واسعاً بالعلوم وعلى تراثها المعاصر والقديم فى الشرق والغرب  وإلمام هؤلاء السادة بهذه العلوم واستيعابهم للتعاليم الإسلامية  استيعابا شاملا مهد لهم سبل الإيمان بقوة الدين الاندفاعية  وصلاحها لبناء مجتمع صحيح لا يتعارض مطلقا مع المستجد  المفيد فى الحضارات الغربية المعاصرة. وأبحاث هذه المدرسة  الفكرية الإسلامية فى الهند والباكستان لا تعتمد على اللفظ  والإنشاء والتبرير أو الاعتذار والوقوف موقف المدافع عن الدين  وتعاليمه، وإنما تتوخى تطعيم النظم السياسية والاجتماعية  والاقتصادية المعاصرة التى وجدت سبيلها إلى حاضر المسلمين  بجوهر العقيدة المحمدية وتعاليمها. وحركة الإحياء الدينى على  هذا الأسلوب تترك العقيدة الدينية وشأنها فهى أجل من أن  تجادل وتزج فى معترك الجدل البيزنطى ولأنها - وهى غريزة  فطرية - لا تستدعى النكران والشك فهى قسم من الوجود  الإنسانى وجزء من فلسفته وحقيقته. إنما الاتجاه الرئيسى فى  حركة الإحياء الدينى هذه تتوخى صياغة النظم السياسية  والاقتصادية والاجتماعية فى قالب إسلامى. وتراث الإسلام

- وهو دين عملى ودنيوى - زاخر بالأسباب التى تسهل هذه  الصياغة وتجعل منها أسلوبا جديداً من أساليب الحياة، حياة  الروح والمادة، وبذلك تحقق للدين تأدية وظيفته الاجتماعية -  وهى وظيفة رئيسية على وجه لا يثير الاعتراض ولا يستدعى  الثورة الجامحة العاصفة وإنما يستهوى الأفئدة والعقول. فإذا  تسلح المصلح بالوجدانيات، المستمدة من الاختبار الدينى وراجه  بها مشاكل المجتمع، وبالعلم الحديث ثم صاغ الحلول فى قالب منطقى  مقبول استطاع أن يوجه الحياة العملية فى نشاط فريد وفى  روحانية تجند لنصرتها العقول الدنيوية (العلمانية) التى لا نؤمن إلا  بالمنطق المادى والقلوب المؤمنة التى تبحث عن المجتمع الصالح  فى إطار الشريعة والحياة الدينية نيويورك (للبحث صلة)

اشترك في نشرتنا البريدية