الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 394الرجوع إلى "الثقافة"

٨ - الشيخ محمد عبده

Share

صوره السيد جمال الدين مرة تصويرا لطيفا ، إذ رأى منه عزة نفس وإباء نضج ، وترفعا عن سفاسف الامور وطموحا إلي معاليها ، فقال له : " أني ملك في جلدك ؟ "

ومع هذه العزة والإباء كان حي الضمير حساس النفس عطوفا على البائسين والمنكوبين ، فماله أقله له وأكثره للأعانة والإعانة والنجدة ؛ يصف شعوره في حريق ميت غمر فيقول : " لما قرأت وصف الحادثة كان لهب الحريق يأكل قلبي أكله لجسوم أولئك المساكين ، ويصهر من فؤادي ما يصهر من لحومهم ، أرقت تلك الليلة ولم تغمض " عيناي إلا قليلا ، وكيف ينام من يبيت يتقلب في نعم الله وله هذا العدد الجم من إخوة واخوات يتقلبون في الشدة والبأساه ، أردت أن أبادر بما أستطيع من المعونة وما أستطيع قليل لا يغني عن الحاجة ولا يكشف البلاء ، ثم رأيت أن

أدعو جمعا من أعيان العاصمة ليشاركوني في أفضل أعمال البر في أقرب وقت " وكذلك فعل في كثير مما أصاب البلاد من بلاء

وصوره السيد جمال الدين مرة أخري فقال له : " إن من يرديك فردا يخرج رأسه في بعض الأحيان " يشير إلي ما يعتريه من الحدة أحيانا كالذي كان منه مع الخديو عباس مما رويناه قبل ، وفي الدرس إذا سئل سؤالا سخيفا ، وفي بعض تصرفاته ، ولكن هذه الحدة كانت أيضا مصدر قوة له ، فكان يغضب لما يعتقده الحق ، وينفعل لما يصيب الناس من أذي ، والمنكوبين من مكروه ، ثم هذه الحدة أضفت عليه من المهابة والتوقير الشئ الكثير .

وهو - مع هيبته وحدته - طيب القلب سليم الصدر ، وفي لأصدقائه ، لطيف الحديث ، سمح النفس ، ينصف الناس في الحق حتى من نفسه ، أميز شئ فيه

شجاعته الأدبية ، لا يداري ولا يماري ، ويقول ما يعتقد أمام أي عظيم ، ويعتمد في شجاعته على ربه وإيمانه ، وكم سببت له شجاعته وصراحته من متاعب احتملها في صبر وثبات علما منه بأن المقدمة لابد أن تتبعها النتيجة .

وكان أهم خصائصه غيرته الشديدة على الإسلام والمسلمين ، هي محور أعماله ومصدر آلامه وآماله حدثني صديق قال : " كنت أسير مع الأستاذ في " جنيف " من أعمال سويسرة ، وكنا نتلقي معا بعض المحاضرات الصيفية في جامعتها ، فجاء ذكر الإسلام والمسلمين ، فقال الشيخ : إني وهبت حياتي لإصلاح العقيدة الإسلامية وتنقيتها مما علق بها من الخرافات والأوهام . فقلت : وهل الدين عند العوام إلا الخرافات والأوهام ؟ وماذا يبقى عندهم لو زالت ؟ فرأيته وقد أحمر وجهه وغضب غضبة ما رأيته غضب مثلها ، فتأولت ما قلت حتى هدأت ثورته .

كم لاقى من عناء في سبيل إصلاحه ، وكم اتهم وكم سب وكم دس له ، وكم نصحه أصدقاؤه أن يستريح من هذا العناء ويعود إلي القضاء فما طاوعته غيرته أن يسمع لقولهم .

لقد ذكر الشيخ محمد عبده ما يصح أن يكون مجمع إصلاحه ، ويحمل رسالته فقال : " ارتفع صوتي بالدعوة إلي أمرين عظيمين : الأول تحرير الفكر من قيد التقليد ، وفهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف ، والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى ، واعتباره من ضمن موازين العقل البشري التي وضعها الله لترد من شططه ، وتقلل من خلطه وخبطه ... وأنه على هذا الوجه يعد صديقا للعلم ، باعثا على البحث في أسرار الكون ، داعيا إلى احترام الحقائق الثابتة ، مطالبا بالتعويل عليها في أدب النفس وإصلاح العمل . . . وقد خالفت إليه رأي الفئتين العظيمتين اللتين يتركب منهما جسم الأمة : طلاب علوم الدين ومن على شاكلتهم ، وطلاب فنون هذا العصر ومن في ناحيتهم . والأمر الثاني إصلاح أساليب اللغة

العربية في التحرير سواء كان في المخاطبات الرسمية أو في المراسلات بين الناس - وكانت أساليب الكتاب في مصر تنحصر في نوعين كلاهما يمجه الذوق ، وتنكره لغة العرب : الأول ما كان مستعملا في مصالح الحكومة وما يشبهها ، وهو ضرب من ضروب التأليف بين الكلمات رث خبيث عير مفهوم ، ولا يمكن رده إلى لغة من لغات العالم لا في صورته ولا في مادته . والنوع الثاني ما كان يستعمله الأدباء والمتخرجون من الجامع الأزهر ، وهو ما كان يراعي فيه السجع وإن كان باردا ، وتلاحظ فيه الفواصل وأنواع الجناس وإن كان رديئا في الذوق بعيدا عن الفهم ثقيلا علي السمع غير مؤد للمعني المقصود .

" وهناك أمر آخر كنت من دعاته والناس جميعا في عمى عنه .. ولكنه الركن الذي تقوم عليه حياتهم الاجتماعية ، وما أصابهم الوهن والضعف والذل إلا بخلو مجتمعهم  منه وذلك هو التمييز بين ما للحكومة من حق الطاعة على الشعب وما للشعب من حق العدالة على الحكومة . نعم كنت فيمن دعا الأمة المصرية إلي معرفة حقها على حاكمها ، وهي لم يخطر لها هذا الخاطر على البال من مدة تزيد على عشرين قرنا ؛ دعوناها إلى الاعتقاد بأن الحاكم وإن وجبت طاعته هو من البشر الذين يخطئون وتغلبهم شهواتهم وأنه لا يرده عن خطئه ، ولا يقف طغيان شهوته إلا نصح الأمة له بالقول والفعل . جهرنا بهذا القول والاستبداد في عنفوانه ، والظلم قابض على صولجانه ، ويد الظالم من حديد ، والناس كلهم عبيد له أي عبيد .

" ولم أكن في كل ذلك الإمام المتبع ، ولا الرئيس المطاع ، غير اني كنت روح الدعوة وهي لا تزال بي في كثير مما ذكرت قائمة ، ولا أبرح أدعو إلي عقيدتى في الدين ، وأطالب بإتمام الإصلاح في اللغة وقد قارب . أما أمر الحكومة والمحكوم فتركته للقدر يقدره ، وليد الله بعد ذلك تدبره ، لانني قد عرفت أنه ثمرة تجنيها الأمة من غراس

تغرسه وتقوم على تنميته السنون الطوال ، فهذا الغراس هو الذي ينبغي أن يعني به الآن والله المستعان " .

في هذا القول الموجز كل حياة الشيخ محمد عبده الإصلاحية ، وكل رسالته ، وكل نجاحه وفشله . ثلاثة أمور اتجه إليها : إصلاح الدين وإصلاح اللغة والأدب وإصلاح السياسة ، فلنذكر كلمة في عمله في كل منها .

فأما إصلاحه الديني فاتجه فيه إلى إصلاح الأزهر ، وكان رأيه أنه إذا أصلح خدم العالم الإسلامي أ كبر خدمة ، لأنه سيخرج قوما غيورين على الدين متنورين ينبتون في جميع أنحاء العالم الإسلامي فيحملون مثل رسالته ويقومون بمثل دعوته ؟ وقد استعان على ذلك بالخديو والإنجليز وبمنصبه وجاهه وأصدقائه ، ثم كان من أمره ما ذكرنا ؟ ولهذا وأمثاله وصفه اللورد كرومر بأنه كان رجلا مستنير الرأي بعيد النظر ، خياليا ، حالما بعض الشئ ، ولكنه كان وطنيا صادقا " .

ومع أنه لم يصل في الأزهر إلي ما يريد ، ولا إلي بعض ما يريد فلقد خلف فيه طبقة مستنيرة ، وإن كانت قليلة اعتنقت مبادئه وتشبعت بآرائه ، وإن لم تكن لها حماسته وغيرته .

واتخذ أهم وسيلة لإصلاح العقيدة تفسير القرآن الكريم ، جعله ديدنه ، يدرسه في بيروت في مسجدين ، ويدرسه في أحد مساجد القاهرة وهو قاض ، ويدرسه في الأزهر وهو في القضاء والإفتاء ، ويتخذ موضوع محاضرته في الجزائر تفسير سورة العصر ، ويفسر جزء عم لتلاميذ مدارس الجمعية الخيرية الإسلامية ، وينشر هذا التفسير في مجلة المنار ليقرأ في العالم الإسلامي .

كان يقرأ الآية فإذا اتصلت بالعقيدة شرحها شرحا وافيا مستعرضا ما ورد في القرآن في موضوعها مبينا ما دخل على المسلمين في هذه العقيدة من فساد ودخيل . وإذا اتصلت الآية بالأخلاق أبان أثر هذا الخلق في صلاح

الأمم وضياعه في فسادها ، وإذا اتصلت بحالة اجتماعية أوضح أثر هذه الحالة الاجتماعية في حياة الأمم ، مسترشدا بالواقع مستشهدا بما يجري في العالم ، في بيان متدفق ولسان ذلق وصوت جميل أخاذ ؛ فهو تفسير عملي يشرح الواقع ويبين سببه ، وهو أخلاقي يدعو للعمل على مبادئ الإسلام ويبين أنها منبع السعادة في كل العصور ، وهو روحانى يدعو إلى السمو بالنفس إلى العالم العلوى ، وينزه الله عما دخل على العقيدة من فساد بالإشراك مع الله الاولياء وعبادة الأضرحة والتشفع بأهل القبور وإقامة الموالد ونذر النذور ؛ وهو في كثير من مبادئه يشبه تعاليم الوهابية في الرجوع إلى الأصول الأولى للأسلام ، وتنقيته من البدع والخرافات والأوهام ؟ ولكنه أوسع أفقا بتقبله ما صلح من مبادئ المدنية الحديثة والأخذ بها ما اتفقت والإسلام .

الإسلام دين توحيد لا شرك فيه ، تنزيه لا تجسيم فيه ، وهو دين يعتمد على العقل ويستنهضه لإدراك أن العالم له صانع واحد عالم قادر ، والعقل ضروري للدين ، فهو الرشد إليه ، والدين ضروري للعقل لانه يكمله ويقومه .

والإسلام يفسح صدره للعلم ويدعو إليه ، لأن  العلم يكشف أسرار الكون ، وذلك يقضي إلي معرفة الله وإجلاله .

وهو في تفسيره يحاول التوفيق بين الإسلام ونظاريات المدنية الحديثة ، ويتبع طرقا من التأويل وتفسير نظريات العلم يخونه فيها التوفيق أحيانا .

أكبر قيمة له في تفسيره أنه كان يحيى العواطف ، ويحرك المشاعر أكثر مما يستقصى بحث المسائل العلمية ؟ فهو يتجه إلى القلب أكثر مما يتجه إلى العلم والعقل ، متأثرا في ذلك بطبيعة الدين نفسه ، أفادته سعة اطلاعه على الفلسفة الإسلامية ، ثم اتصاله بالثقافة الغربية وقراءته بعض أصولها ورحلاته إلى أوربا وملابسته لحياتها ومقابلته

لبعض فلاسفتها وسماعه بعض محاضرتها ، أن ينظر إلي حال المسلمين نظرة إشفاق في عقيدتهم وأعمالهم ، فيبث كل ما يري من إصلاح حول تفسير آيات القرآن .

واستمر يدرس هذا الدرس في الأزهر نحو ست سنين ، كان يحضره كثير من علية القوم ، وكبار القضاة والموظفين وشباب الأزهر والمدارس العالية ، وكان درسه ذا أثر كبير فيهم .

كان يري أن إصلاح المسلمين عن طريق دينهم أيسر وأصح من إصلاحهم عن طريق الإصلاح المعتمد علي مجرد العقل ومقياس المنغمة والتقليد الأوربي ، وان هذا الطريق هو الذي سلكه جميع المصلحين المسلمين يقول : " إن الغرض الذي يرمي إليه جميعهم أنما هو تصحيح الاعتقاد وإزالة ما طرأ عليه من الخطأ في فهم نصوص الدين ، حتى إذا سلمت العقائد من البدع تبعها سلامة الأعمال من الخلل والاضطراب ، واستقامت أحوال الأفراد ، واستضاءت بصائرهم بالعلوم الحقيقية ، دينية ودنيوية ، وتهذبت أخلاقهم بالملكات السليمة ، وسري الصلاح منهم إلى الأمة . . وإذا كان الدين كافلا بتهذيب الأخلاق وصلاح الأعمال وحمل النفوس على طلب السعادة من أبوابها ، ولأهله من الثقة به ما بيناه وهو حاضر لديهم ، والعناء في إرجاعهم إليه أخف من إحداث ما لا إلمام لهم به ، فلم العدول عنه إلي غيره ؟ " .

وعلي هذا الأساس في التفكير كان يريد أن يسيطر على برامج التعليم في المدارس حتى يصلح النفوس من هذا الطريق بالتوسع في التاريخ الإسلامي ، وبث مبادئ الدين الصحيح ، ولهذا كان ينتهز كل فرصة لتقديم تقرير عن التعليم ؛ فعل ذلك لما كان في الوقائع قبل الثورة العرابية حتي شكل مجلس التعليم الأعلى بناء على سعيه وكان هو فيه عضوا بارزا ، وفعل ذلك عندما  كان في بيروت ، فكتب تقريرا في إصلاح التعليم رفعه إلي شيخ الإسلام في الأستانة

حتى لم يتحرج أن يرفع تقريرا ذلك إلي اللورد كرومر بعد عودته ، فلما لم تتحقق مطالبه رجا أن يكون على رأس دار العلوم يبث روحه في طلبتها فيبثون روحهم في طلبتهم ، فلما يئس من ذلك أيضا وجه همته إلى الجمعية الخيرية الإسلامية يضع لتلاميذها مناهج دراستهم ويؤلف لهم تفسير جزء عم . وهكذا كان دائما يريد أن يسيطر على التعليم ليوجهه الوجهة التي يريدها .

وكما جهد في نشر تعاليمه وآرائه في الإسلام جهد في الدفاع عنه ، وكانت تأخذه الغيرة الشديدة إذا مسه أحد بسوء يتجلي ذلك في موقفين شهيرين :

1- رده على هانوتو . ففي أوائل سنة ١٩٠٠ نشر هانوتو مقالا عن الإسلام بمناسبة سياسة فرنسا في المستعمرات الإسلامية ، ثم تعرض للمقارنة بين المدنية النصرانية والإسلامية ، ووازن بينهما في مسألتين ؛ ذات الله والقضاء والقدر . فاعتقاد النصاري في التثليث وتصورهم للاله الإنسان جعلهم يرفعون مرتبة الإنسان ، ويحولونه حتى للقرب من الذات الإلهية ؛ على حين أن العقيدة الإسلامية بدعوتها إلي التوحيد وتنزيه الله عن البشرية ، حملت الإنسان على الضعف والوهن ، والعقيدة المسيحية القائلة بحرية الإنسان وإرادته ، دفعته إلى العمل والجد . أما عقيدة المسلمين في القضاء والقدر فحملتهم على الجمود والركود .

ونشرت ترجمة هذا المقال في المؤيد ، فلم ينم الشيخ محمد عبده ليلته حتى كتب الرد عليها ، وظهرت أول مقالة له في ثاني يوم . ثم تتابعت مقالاته، بين فيها فضل الإسلام على المسيحية ، وبين أن عقيدة التوحيد أسمي فكرة ، وأن فكرة التثليث لا يستطيع أن يتقبلها العقل ، وأن الإسلام لم يدع إلي الجبرية بالمعنى الذي يفهمة هانوتو، وأن في القرآن أربعا وستين آية تثبت حرية الإرادة الخ . وكان من نتائج هذا كتابه المشهور " الإسلام والنصرانية " .

٢ - وأما الموقف الثاني فقد نشر فرح أنطون في

مجلة " الجامعة " مقالا عن ابن رشد قرر فيه أن المسيحية كانت أوسع صدرا و أكثر تسامحا للعلم والفلسفة من الإسلام ، فرد عليه الشيخ محمد عبده في سلسلة مقالات يثبت فيها سعة صدر المسلمين للفلاسفة وأهل العلم والأديان الأخرى ، مما لم يكن له نظير في أي دين آخر وهكذا كانت حياته في خدمة دينه

( يتبع)

اشترك في نشرتنا البريدية