الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 324الرجوع إلى "الرسالة"

٨ - تلميذ

Share

وعلى الرغم من المجد العظيم الذى أتيح له، فقد كان يرى  نفسه جاهلاً بالفن وأصوله. ولعل ذلك راجع إلى أنه لم يتعلم الموسيقى  على أحد، فقد خرج إلى الحياة ألفى نفسه يغنى، ثم عرف أن  للغناء قواعد وأصولاً، فراح يحصل منها ما يتاح له، ولكنه  لم يتح له أن يروى غليله من علومها وفنونها، فكانت أمنيته  الكبرى أن يتيسر له السفر إلى إيطاليا ليتعلم الموسيقى ...

ولست أدرى ما الذى كان يريد أن يتعلم سيد؟ ربما كان يريد أن يدرس أسلوب الغرب فى صناعة الموسيقى.  أما الفن، فأنا مؤمن بأن سيداً لم ينكب برزء أسود من نسبته  إلى مصر، فلو قد كان إيطالياً، أو من شعب متقدم، لكنا نسمع  اليوم ألحانه عن طريق السينما، وعلى اعتبار أنها معجزات من الغرب! وهنا فى مصر يحال بين ألحانه وبين المعهد الملكى للموسيقى  الشرقية ... لأن هذا المعهد لا يعترف بموسيقى المسرح، أو لأن  حضرة صاحب العزة مصطفى بك رضا الموظف فى وزارة الأوقاف  ومدير معهد الموسيقى والمنصوب له تمثال على حياة عينيه فى حوش

المعهد، والذى لم يسمع له إنسان لحناً أو أغنية - قال له الأستاذ  عزيز عثمان: إن ألحان سيد درويش (هلس) ...

والحق أنه صراع بين ذوقين فنيين: ذوق القاهرة القديمة،  وذوق الإسكندرية الحديثة. أما ذوق القاهرة فيمثله مصطفى بك  رضا وأبناء محمد عثمان. وألحان القاهرة كما يعرف الجمهور هى هذه  الألحان الصابرة الناعسة النائمة الخانعة، التى كان يقصد بها قصداً  أن تغنى فى الأفراح والليالى الملاح التى يقيمها البيكوات  والباشاوات، وقد كان محمد عثمان أبرز المغنين فى هذا النوع،  وكانت موسيقاه المخمورة هى الرائجة فى عصر النوم والسهر...

أما ذوق الإسكندرية فغير هذا ... ذوقها هو الظاهر فى موسيقى  سيد، هو هذه الحياة المنغمة، وهذه العواطف الملحنة التى نفثها  سيد درويش فى مصر، والتى أخذها عنه من بعده زكريا أحمد  فوفق، ومحمد عبد الوهاب فانحرف بها إلى تقليد الموسيقى الغربية  لأنه حسبها تقليداً واقتباساً كما قرأ فى المجلات، وهى بعد ذلك  أساس المذهب الحديث الذى يقلده ملحنو اليوم!

واليوم ووزير المعارف هو معالى النقراشى باشا الإسكندرانى  ووكيلها هو صاحب العزة السنهورى بك الإسكندرانى ... ألا نستطيع أن نأمل فى إحياء موسيقى سيد درويش على أيديهما؟  إننا نرجو هذا ما دام لهما ذوق فنى ناضج حى، وإن لها هذا الذوق

اشترك في نشرتنا البريدية