الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 927 الرجوع إلى "الرسالة"

٩ - الدين والسلوك الانسانى

Share

الجماعة الدينية:

رأينا أن للجماعة الدينية فى النظام الاجتماعى وظيفة مزدوجة  فهى تصون ذلك النظام وتنسق اتجاهاته ومثله العليا وتساعد  بذلك على توحيد عناصر السلوك الإنسانى فيه فتحقق تكاملا  اجتماعيا سلمياً. والوجه الثاني لهذه الوظيفة المزدوجة هو فصل  تلك الجماعة عن المجتمع الأكبر روحياً واجتماعيا. ولنبدأ بمعالجة  الوجه الأول:

للجماعة الدينية دستور مدون وظيفتها الاجتماعية هو  كتابها المقدس؛ وعلى مقدار صلاح ذلك الدستور لمواجهة التطور  فى الزمان والمكان يتوقف استمرار تلك الوظيفة ومبلغ إتقائها  لثورات الفكر أو تقبلها لدعوات الإصلاح. والتكامل الاجتماعي لتلك الجماعة الدينية يتقى كثيراً من  الشر إذا فسح المجال لدعوات الإصلاح أو ثورات الفكر أن  تجادل وظيفة الدين الاجتماعية على أن يكون سلاح تلك الجماعة  مستمداً من روح العصر ولغته وعلومه ومعارفه.

ودفاع الجماعة الدينية عن وظيفتها الاجتماعية لا يكون بوقف باب  الاجتهاد وإنما يكون بتصحيح الأخطاء التى تنتج عن سوء اجتهاد  المصلحين أو الملحدين. فالشك سبيل إلى اليقين، ومعالجة الشك  لا تأتى إلا بطريق الإقناع والشك مرض، وأمراض العالم تعالج  بأسلحة حديثة وإلا نفر الناس من الجماعة الدينية نفورهم من  الحلاق أو الساحر الذى يعالج المرض بوسائل ما قبل التاريخ  والمتشكك المنكر لوظيفة الدين والثائر على الجماعة الدينية إذا  عجز عن الاقتناع مثله مثل الذي يأبى التطيب  فيموت بعلته.

ولكن من حق الجماعة الدينية إذا عجزت عن إقناع المنكر  لها الثائر عليها أن تحاربه بأقصى ما تستطيع من عنف وجهد،

وإلا كان مثله مثل الجماعة التى تقصر عن علاج المجذوم ثم تتركه  ينقل العدوى إلى جسمها الأكبر.

ولقد أعرب جماعة كبار علماء الأزهر عن هذه الحقيقة حين  ناقشوا كتاب الأستاذ خالد محمد خالد   (من هنا نبدأ)  فقالوا  (إن لكل فرد من المسلمين   (الجماعة الدينية الإسلامية)  الحق  فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والنكوص عنه مع  القدرة عليه إثم عظيم1.

فسعة الصدر لدى الجماعة الدينية فى منقاشه المتشككين  والمدعين ضرورية للتكافل الاجتماعى الذى هو من خصائص  وظيفة تلك الجماعة. فتاريخ نمو الوعى الدينى كتاريخ نمو الوعى  السياسى والاقتصادى كان وليد النقاش والجدل والشك والإقناع  وإلا فالجمود صفة تلازم الجماعة التى لا تناقش ولا تجادل ولا تنفع  المتشكك الثائر.

ومناقشة الجماعة الدينية فى وظيفتها الاجتماعية ونهوض  تلك الجماعة للدفاع والإقناع وسيلة من وسائل تنشيط الفكر،  وتهيئة تلك الجماعة لمواجهة التيارات المستجدة فى التفكير  والسلوك. فالتطور الفكرى غريزة فوق أنه ظاهرة تستمد  وجودها من طبيعة الأشياء. فإذا تسلحت تلك الجماعة بسلاح  العصر استطاعت أن تكشف فى وظيفتها الاجتماعية نواحى جديدة  لم يفطن إليها السلف فتزيد بذلك من مكانها فى النظام الاجتماعى  وتعزز كيانها فتزيد من سلطتها الروحية رسوخاً وقوة

فالمشكلة إذن ليست فى ميلاد الشك والثورة الفكرية وإنما  فى مبلغ استعداد الجماعة الدينية للتعرف على حقيقة وظيفتها على  ضوء العلم والمعرفة المستمدة من روح العصر.

ويجب أن لا يساء الفهم فى تحديد معنى الجماعة الدينية  ووظيفتها فالجماعة الدينية لا تعنى أئمة الرأي وحفظة الدين  والنخبة الممتازة التى تتخصص فى تدريس الدعوة ونشرها بين  الناس والقيام على إحياء شعائرها.

فقد عرف   (هولت)  الجماعة الدينية بأن يكون لها (تاريخ خاص  وكيان اجتماعى خاص وخصائص خاصة وسلوك وأهداف وغايات

خاصة (1) وقد يفهم من هذا أن مفهوم الجماعة ينطبق على جميع  المؤمنين الذين يعتنقون العقيدة ويؤمنون بها. وهذا تعريف  صحيح؛ ولكن علم الاجتماع وإن كان يؤمن بصدق هذا التعرف  وصوابه يصر على (أن الظاهرة الاجتماعية فى العبادات  والسلوك الدينى مدينة إلى جهود الخاصة من حفظة الدين  والمتبحرين فى اختباره ودراسته وصيانته تعاليمه من سوء الاجتهاد  والتحوير (2)

وهذا يعنى أن عبء وظيفته الدين فى تحقيق المشاكل  الاجتماعية يقع جزء كبير منه على الخاصة من أهل العلم  والاجتهاد والأئمة.

فالتحريف فى الطقوس والعبادات يعنى تحريفاً فى أوجه التكامل  الاجتماعى الذى يكون للدين ضلع كبير فى توطيده وتحقيقه  وكلما تعقدت الطقوس وأنواع العبادات ازدادت مسؤولية  الخاصة من حفظة الدين، وبالتالي ازداد أثرهم فى توجيه التكامل  الاجتماعى خيراً أو شراً تبعاً لاستعدادهم لمواجهة التحدى والفكرى    (الشك والثورة)  الذى يكاد ينحصر فى انتقاده للطقوس  والعبادات والرمزيات التى تعبر عن العقيدة الدينية لا لجوهرها

وكلما كان الدين وتعاليمه وعبادته وطقوسه فى متناول  العامة من المؤمنين كان صيانة تلك التعاليم أكثر سهولة.

وظيفة الإمام المسلم فى المسجد تختلف عن وظيفة الكاهن  فى معبد بوذي مثلا. فالإمام وظيفته ديمقراطية بمعنى أنه يؤم  المؤمنين فى أقامه الصلاة بينما وظيفة الكاهن أو الراهب وظيفة  مهنية تنحدر إليه بطريقة معينة سبلها وأسسها وشروطها. ذلك  لأن الإسلام وقد خلا من الكهنوت ترك الإمامة لأكثر  الحضور أهلا فى إقامة شعائر الدين فتجنب بذلك حصر السلطة  الدينية فى أيدى الخاصة.

ولقد أتبع المسلمون فى العصور الحديثة تقليداً يدل على مدى  مرونة الإسلام فى مجاراته التطور. فأصبحت الإمامة فى مساجد  لجماعة من الذين تفرغوا لرعاية شعائر الدين على نحو يلائم الحياة

اليومية الحديثة التى تتطلب من المؤمنين أن يقوموا بوظائف  الحياة الاقتصادية المعقدة فلا تمكنهم ظروفهم من اختيار من يؤمهم  فى الصلاة كلما دعاهم المؤذن أليها.

ولكن هذا التقليد لم ينف الجوهر الديمقراطي فى وظيفة  الإمام. فهو لا يتميز عن بقية المؤمنين بشيء، ولا تزيد حسنته  عند الله مثقال ذرة، ولا يتخذ لنفسه صبغة الاحتكار  للشؤون الدينية

والإمام أو الواعظ فى الإسلام ليس عمله أن يقيم شعائر  الدين بالنيابة عن بقية المؤمنين ولا أن يكون وساطة بينهم  وبين الله. فبدون الإمام تقام تلك الشعائر، وأقامتها واجبة على  كل مؤمن، وإنما وظيفته أن يسهل سبلها بالوعظ والإفتاء  والإقامة، وأن يشرح لهم ما استعصى عليهم فهمه من أمور الدين؛  فهو إذن لا يتميز عن بقية المؤمنين بمهنة موروثة أو درجة معينة  فإذا كانت وظيفة حفظة الدين فى الإسلام ديمقراطية فإن  من واجبها أن تجادل الناس وتثقفهم وأن تستمع إليهم وترد على  شكوكهم وتوجيههم توجيها يتفق مع هذه الوظيفة الديمقراطية  التى تحفظ التوازن فى نطاق المصلحة الجوهرية للأكثرية التى  تؤلف الجماعة الدينية.

ومما يزيد فى أهمية هذه الوظيفة الديمقراطية لحفظة الدين فى  الإسلام أن ردهم وإقناعهم ومنطقهم وتوجيههم مستمد من  المادة الأولى   (القرآن والحديث والقياس والإجماع)  التى هى فى  متناول جميع المؤمنين. فإذا تكلم المفتى أو الإمام أو الواعظ  فإنما يردد ما يقرأه عامة المؤمنين صباح مساء فى صلواتهم وأدعيتهم  وكتبهم الدينية. فالدستور الدينى فى الإسلام ليس رموزاً  ولا طقوساً معقدة الفهم والإدراك.

فوظيفة حفظة الدين فى الإسلام كوظفية النائب فى البرلمان  يتقيد بمواد الدستور وينوب عن الشعب فى التعبير عنها. ومهما  أختلف الناس فى صلاح هذا النائب أو ذاك وفى قدرته وتضلعه  فى معالجة المشاكل فإن الاختلاف لا يمس جوهر الفكرة  الديمقراطية التى بعثت به إلى قبة البرلمان.

إذن فالعلاقة بين حفظة الدين والقائمين على دراسة تعاليمه  وشروحه وتفاسيرها ووظائفها الاجتماعية وشرحها بين الناس

وبين المؤمنين من الرعية هى علاقة متممة بعضها لبعض. أسسها  ديمقراطي؛ وهى لذلك من أهم الدعائم التى تحفظ التكامل اللاجتماعى

ومن الأخطاء التى يقع فيها بعض نقدة الدين أنهم ينتقدونه  ممثل فى بعض حفظته. ومثلهم كمثل من ينتقد النظام البرلماني  لفساد بعض النواب وقصورهم. وهذا النقد فرق أنه خاطئ فأنه  شر يمس صميم التكامل الاجتماعى الذى هو هدف كل حركة  إصلاحية، دينية كانت أم سياسية أم اقتصادية

وقد يزداد شر هذا النقد على أسس ذاك التكامل أن يقوم  بعض حفظة الدين بتوليه أنفسهم سلطة ديكتاتورية لم تعترف بها  العقيدة ولم تشرعها السنة أو السلف الصالح.

وتفادى هذا الشر لا يكون إلا بترقية أساليب النقد ووسائل  الرد عليه. وفى عالم تزداد المعرفة فيه يوما عن يوم فإن على الناقد  والمنتقد معاً أن يدركا مقدرة الناس على تمييز المنطق المخطئ  أو المصيب حين تكون تعاليم الدين سهلة ومبسطة واضحة بينة  كما هو الحال فى الإسلام.

فإذا عجز حفظة الدين عن تسليح أنفسهم بسلاح المنطق  العلمي الحديث والمعرفة والعلوم العصرية فإنهم بذلك يسيئون إلى  صميم العقيدة الدينية ويبثون فى نفوس بعض الناس شكا وارتيابا  ما كان ليثار لو أن الإقناع كان باللغة التى يفهما أهل الجبل، وهى  لغة تستمد تعابيرها ومنطقها من الحقائق الاجتماعية التى يعيشون  فيها ومن مناهج تعليمية، الدروس الدينية فيها قل أن تحظى بانتباه  أو أن تعالج بالقدر الذى تستحقه نظراً لأهمية الدور الذى يؤديه  الدين فى النظام الاجتماعي.

نيويورك (للبحث صلة)

اشترك في نشرتنا البريدية