الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 112الرجوع إلى "الرسالة"

٩- شاعرنا العالمي، أبو العتاهية

Share

زهده وتكسبه بالشعر: كان أبو العتاهية مع زهده لا يترك التكسب  يشعره، وإذا رجعنا إلى حاله في ذلك وجدناه لم ينقطع عن بني  العباس وقبول جوائزهم من عهد المهدي الذي ابتدأ اتصاله بهم  فيه، إلى عهد المأمون الذي انتهت فيه حياته، وقد طعن عليه  بذلك في زهده كثير من منافسيه في الشعر وغيره، وحملوا ذلك  منه على الرياء والمخادعة، وقد أنشد المأمون بيت أبي العتاهية  يخاطب سلماً الخاسر:

تعالى اللهُ يا سَلَم بن عمرو ... أذلَّ الحرص أعناق الرجال

فقال المأمون: إن الحرص لمفسد للدين والمروءة، والله  ما عرفت من رجل قط حرصاً ولا شرها فرأيت فيه مصطنعاً.  فبلغ ذلك سلماً فقال: ويلي على المخنث الجرار الزنديق، جمع  الأموال وكنزها، وعبأ البدر في بيته، ثم تزهد مراآة ونفاقاً،  فأخذ يهتف بي إذا تصديت للطلب. واجتمع أبو العتاهية مع  جماعة عند قُثَم بن جعفر بن سليمان فأخذ ينشد في الزهد، فطلب  قثم الجماز فأحضر إليه وأبو العتاهية ينشده، فأنشأ الجماز يقول:

ما أقبح التزهيد من واعظ ... يزهِّد الناس ولا يزهّد

لو كان في تزهيده صادقاً ... أضحى وأمسى بيته المسجد

يخاف أن تنفد أرزاقه ... والرزق عند الله لا ينفد

والرزق مقسوم على من ترى ... يناله الأبيض والأسود

فالتفت أبو العتاهية إليه فقال من هذا؟ قالوا الجماز، وهو  ابن أخت سلم الخاسر، اقتص لخاله منك، فأقبل عليه وقال له:  يا ابن أخي إني لم أذهب حيث ظننت ولا ظن خالك ولا أردت أن  أهتف به، وإنما خاطبته كما يخاطب الرجل صديقه، فالله يغفر  لكما، ثم قام

وحدث حبيب بن عبد الرحمن عن بعض أصحابه قال: كنت  في مجلس خزيمة فجرى حديث ما يسفك من الدماء، فقال والله  ما لنا عند الله عذر ولا حجة إلا رجاء عفوه ومغفرته، ولولا عز  السلطان وكراهة الذلة، وأن أصير بعد الرياسة سوقةً وتابعاً بعد

ما كنت متبوعاً، ما كان في الأرض أزهد ولا أعبد مني، فإذا  هو بالحاجب قد دخل عليه برقعة من أبي العتاهية فيها مكتوب:

أراك امرءاً ترجو من الله عفوه ... وأنت على ما لا يحب مقيم

ندل على التقوى وأنت مقصر ... أيا من يداوي الناس وهو سقيم

وإن امرءاً لم يلهه اليومُ عن غد ... تخوَّف ما يأتي به لحكيم

وإن امرءاً لم يجعل البر كنزه ... وإن كانت الدنيا له لعديمُ

فغضب خزيمة وقال: والله ما المعروف عند هذا المعتوه  الملحف من كنوز البر فيرغب فيه حر. فقيل له وكيف ذاك؟  فقال لأنه من الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في  سبيل الله

وقد كان أبو العتاهية يجمع إلى أخذه بهذا التكسب الذهاب  في البخل إلى حد مكن منه خصومه فشوهوا به زهده أيضاً،  وله في بخله نوادر كثيرة، وأخبار مأثورة، قال ثمامة بن أشرس  أنشدني أبو العتاهية:

إذا المرء لم يعتق من المال نفسَهُ ... تملكه المال الذي هو مالكه

ألا إنما مالي الذي أنا منفق ... وليس لي المال الذي أنا تاركه

إذا كنتَ ذا مال فبادر به الذي ... يحق وإلا استهلكته مهالكه

فقلت من أين قضيت بهذا؟ فقال من قول رسول الله صلى  الله عليه وسلم: إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت، أو لبست  فأبليت، أو تصدقت فأمضيت. فقلت له أتؤمن بأن هذا قول  رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنه الحق؟ قال نعم، قلت فلم  تحبس عندك سبعاً وعشرين بدرة في دارك ولا تأكل منها ولا  تشرب ولا تزكي، ولا تقدمها ذخراً اليوم فقرك وفاقتك؟ فقال  يا أبا معن والله إن ما قلت لهو الحق، ولكني أخاف الفقر والحاجة  إلى الناس. فقلت وبم تزيد حال من افتقر على حالك وأنت دائم  الحرص، دائم الجمع، شحيح على نفسك، لا تشتري اللحم إلا  من عيد إلى عيد. فترك جواب كلامي كله، ثم قال لي والله لقد  اشتريت في يوم عاشورا لحماً وتوابله وما يتبعه بخمسة دراهم،  فلما قال لي هذا القول أضحكني حتى أذهلني عن جوابه ومعاتبته،  فأمسكت عنه وعلمت أنه ليس ممن شرح الله صدره للإسلام

وحدث محمد بن عيسى الخزيمي وكان جار أبي العتاهية قال:  كان لأبي العتاهية جار يلتقط النوى، ضعيف سيئ الحال، متجمل  عليه ثياب، فكان يمر بأبي العتاهية طرفي النهار، فيقول أبو  العتاهية اللهم أغنه عما هو بسبيله، شيخ ضعيف سيئ الحال عليه

ثياب متجمل، اللهم أعنه، اصنع له، بارك فيه، فبقى على هذا  إلى أن مات الشيخ نحواً من عشرين سنة، فقلت له يوماً يا أبا  إسحاق إني أراك تكثر الدعاء لهذا الشيخ، وتزعم أنه فقير مقل،  فلم لا تتصدق عليه بشيء؟ فقال أخشى أن يعتاد الصدقة،  والصدقة آخر كسب العبد، وإن في الدعاء لخيراً كثيرا

وقال علي بن مهدي حدثني الحسين بن أبي السرى قال: قيل  لأبي العتاهية مالك تبخل بما رزقك الله؟ قال والله ما بخلت بما  رزقني الله قط، قيل وكيف ذاك وفي بيتك من المال ما لا  يحصى؟ قال ليس ذلك رزقي، ولو كان رزقي لأنفقته

وقال محمد بن عيسى قلت لأبي العتاهية أتزكي مالك؟ فقال  والله ما أنفق على عيالي إلا من زكاة مالي، فقلت سبحان الله، إنما  ينبغي أن تخرج زكاة مالك إلى الفقراء والمساكين، فقال لو انقطعت  عن عيالي زكاة مالي لم يكن في الأرض أفقر منهم

فأما تكسب أبي العتاهية بالشعر فلا شيء فيه عندي مع أخذه  بذلك الزهد، لأن الزهد في الإسلام لا يمنع صاحبه من الأخذ  بالأسباب والسعي في الحصول على الرزق، والتكسب بالشعر  سبب من تلك الأسباب، والشعر فن من الفنون التي لا غنى  للدولة عنها، فيجب أن يأخذ حظه من الأموال التي تجبي فيها،  ويجب على أرباب الدولة أن يبسطوا أيديهم بالعطاء لرجاله،  ليتوفروا على إجادته، ويتضافروا في النهوض به، وليس على  الشعراء من حرج إذا لم يصل نصيبهم من ذلك إليهم أن يتلطفوا  في الوصول إليه بمدح الملوك والوزراء، وكذا غيرهم ممن في أيديهم  تلك الأموال، وإنما يذم التكسب بالشعر إذا بالغ صاحبه في  الإلحاح به، وجعله كل غايته من الشعر، فحمله ذلك على الالتواء  في سبيله، واتخاذ الشعر أداة شر بين الناس، يقلب الحقائق  بينهم، ويجعل في سبيل المال الباطل حقاً والحق باطلاً، والظلم  عدلاً والعدل ظلماً؛ وقد تكسب الشعراء بشعرهم عند رسول  الله صلى الله عليه وسلم، وكان له شعراء يمدحونه وينصرون  دعوته، ويدافعون عنه أعداءه، ويردون عنه هجائهم بالحق إذا  هجوه بالباطل

ولم يكن شاعرنا أبو العتاهية بحيث يصل به التكسب بالشعر  إلى هذا الحد، وقد مضى لنا في ترجمته ما يؤيد ذلك له، وكم له  من مواقف مشهودة مع ملوك عصره وأمرائه، لم تنسه فيها  جوائزهم أن ينكر عليهم ما يستحق الإنكار منهم، أو يغضب  لنفسه إذا رأى منهم أقل تهاون به. حدث الحسين بن أبي السرى

قال: مر القاسم بن الرشيد في موكب عظيم، وكان من أتْيَهِ  الناس، وأبو العتاهية جالس مع قوم على ظهر الطريق، فقام  أبو العتاهية حين رآه إعظاماً له، فلم يزل قائماً حتى جاز فأجازه  ولم يلتفت إليه، فقال أبو العتاهية:

يتيه ابنُ آدم من جهله ... كأن رحا الموت لا تطحنُهْ

فسمع بعض من كان في موكبه ذلك فأخبر به القاسم،  فبعث إلى أبي العتاهية وضربه مائة مقرعة، وقال له: يا ابن  الفاعلة أتعرض بي في مثل ذلك الموضع؟ وحبسه في داره، فدس  أبو العتاهية إلى زبيدة بنت جعفر وكانت توجه له هذه الأبيات:

حتى متى ذو التَّيهِ في تيهه ... أصلحه الله وعافاهُ

يتيه أهل التيه من جهلهم ... وهم يموتون وإن تاهوا

من طلب العِزَّ ليبقى به ... فإن عز المرء تقواه

لم يعتصم بالله من خلقه ... من ليس يرجوه ويخشاه

وكتب إليها بحاله وضيق حبسه، وكانت مائلة إليه فرقت  له، وأخبرت الرشيد بأمره وكلمته فيه، فأحضره وكساه ووصله،  ولم يرض الرشيد عن القاسم حتى بر أبا العتاهية وأدناه واعتذر إليه

وحدث محمد بن عيسى قال: كنت جالساً مع أبي العتاهية  إذ مر بنا حميد الطوسي في موكبه، وبين يديه الفرسان والرجالة،  وكان بقرب أبي العتاهية سوادي على أتان، فضربوا وجه الأتان  ونحُّوه عن الطريق، وحميد واضع طرفه على معرفة فرسه،  والناس ينظرون إليه يعجبون منه وهو لا يلتفت تيهاً، فقال  أبو العتاهية:

للموتِ أبناءٌ بهمْ ... ما شئت من صلف وتيه

وكأنني بالموت قد ... دارتْ رحاه على بنيهْ

فلما جاز حميد مع صاحب الأتان قال:

ما أذَلَّ المُقِلَّ في أعين النَّا ... س لإقلاله وما أقماهُ

إنما تنظر العيون من النَّا ... س إلى من ترجوه أو تخشاه

وقد كان أبو العتاهية في آخر أمره يحاول جهده أن يجعل  جوائز الملوك وغيرهم إليه في نظير هدايا يتقدم بها إليهم، كما كان  يفعل ذلك مع الأمين والمأمون فيما ذكرنا في ترجمته، وهو في  ذلك يشعر بسمو منزلته إلى منزلتهم، ويترفع عن ذلك التكسب  الذي كان يأخذ به في أول أمره، وإن كان على تلك الطريقة  التي لم يكن لها أثر معيب في نفسه

وأما بخله فنعتقد أنه لم يصل فيه إلى ذلك الحد الذي يؤثر  فيه ما أثر عنه من تلك النوادر وغيرها، وإنما ذلك من اختلاق

خصومه ومنافسيه عليه، ليشوهوا منه تلك الصيحة المُدَوِّيةَ  في الزهد، ويظهروه في مظهر من يقول بما لا يفعل، فلا يتأثر  الناس بدعوته، ولا ينظرون إلى أقواله، ولا شك أنه يشفع لأبي  العتاهية في ضنه بماله أنه كان رجلاً شاعراً يجمع ماله من أيدي  الملوك والعظماء، ويبذل في ذلك ماء وجهه على ما كانت عليه  نفسه من عزة ورفعة، فإذا ضن به بعد هذا فإنما يحمله على ذلك  أن يكون دائماً في غير حاجة ملحة إلى من يحاول أن يشتري  شعره بها، فيسير فيه كما يشتهي هو لا كما يشتهي غيره، وقد  كان أبو العتاهية دائماً مهدداً من أجل هذا بالحرمان، وعرضة  للتضييق والسجن واستباحة المال، فهو يجمع من ذلك ما يجمع  ليجده في وقت حرمانه، ويضن به على من لا يجده في ذلك الوقت  إلا عدواً له أو شامتاً فيه، وقد كان يجد من الناس ما ساء به  ظنه فيهم، وآثر به العزلة عنهم، وكان له فيهم مذهب غريب  يقضي بتبخيلهم كلهم، فهو يقارضهم بخلاً ببخل، ويضن عليهم  ضناً بضن، قال مخارق: لقيت أبا العتاهية على الجسر، فقلت له:  يا أبا إسحاق أتنشدني قولك في تبخيل الناس كلهم؟ فضحك  وقال لي: هاهنا؟ قلت: نعم، فأنشدني:

إن كنت متخذاً خليلاً ... فَتَنَقَّ وانتقد الخليلا

من لم يكن لك منصفاً ... في الود فابغ به بَدِيلا

ولربما سئل البخي ... لُ الشيء لا يسوي فَتيلا

فيقول لا أجد السبي ... ل إليه بَكْرَهُ أن يُنِيلا

فلذاك لا جعل الإل ... هُ له إلى خير سبيلا

فاضرب بطرفك حيث شئ ... تَ فلن ترى إلا بخيلا

فقلت له: أفرطت يا أبا إسحاق، فقال: فديتك فأكذبني  بجواد واحد؟ فأحببت موافقته، فالتفت يمينا وشمالاً، ثم قلت:  ما أجد؛ فقبل بين عيني وقال: فديتك يا بني، لقد رفقت  حتى كدت تسرف

وهكذا مضى أبو العتاهية عظيماً لم يزر به بخله ولا تكسبه  بشعره، كما أزرى ذلك بغيره، ولو أن ذلك أزرى به كما زعمه  خصومه لما كان لمنصور بن المهدي أن يمد إليه يده ليزوجه إحدى  ابنتيه، وقد كان لأبي العتاهية بنتان: إحداهما     (لله)   والأخرى    (بالله) ، فخطب منصور منه     (لله)   فلم يزوجه، وقال: إنما  طلبها لأنها بنت أبي العتاهية، وكأني به قد ملها فلم يكن لي إلى  الانتصاف منه سبيل، وما كنت لأزوجها إلا بائع خزف وجرار؛  ولكني أختاره لها موسراً.

اشترك في نشرتنا البريدية