الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 43الرجوع إلى "الثقافة"

۲- من أحسن ما يروى فى بكاء المنازل، نشأة هذا الغرض وترقيه فى الشعر

Share

تحدثت في الفصل السابق عن تغنى الشعراء بمنازل الأحباب، ونشأة هذا الغرض في شعر الجاهليين، وتطوره في الشعر الإسلامي حتى أواخر القرن الثاني

واليوم أريد التحدث عن الطور الثالث من أطواره ، من أوائل القرن الثالث إلى أوائل القرن الخامس ، وفى ذلك العصر بلغ هذا الغرض ذروة الفن كما أسلفت ، وجرت فيه ملكات الشعراء أشواطاً بعيدة إلى أقصى غاية من الكمال الشعري في ناحيتيه الصناعية والعاطفية معاً ، ومظاهر الترقي فيه ترجع إلى عدة أمور :

۱ - ما أودع فيه الشعراء من جمال الأسلوب وسحره ، وقوة الأداء ويسره ، وفخامة العبارة مع دقة النسج ، وروعة الفن ، وبراعة الصناعة التى يقصد بها إلى تكميل بعض الصور الفكرية ، وتوضيح الإحساسات النفسية، وإذكاء العواطف في القلوب، لا مجرد العيث بالألفاظ واللعب بالعبارات ، والزخرف اللفظى الذى يقصد به بيان المقدرة اللفظية وحدها ، ويحول بين المعاني مشافهتها للنفس ، ويباعد بينها وبين الحس.

٢ - ما حشدوا فيه من الأخيلة الطريفة المبتكرة التي برعوا كل البراعة في حسن وضعها واختيار مواضعها والتأنى إليها من أقرب سبلها ، فلا تشعر فيها بتكلف ولا إجهاد ذهن ولا قصد إلى إغراب ، بل تحس أنهم قصدوا إلى إبراز عواطفهم وخوالج نفوسهم في حلة فاتنة من تلك الأخيلة الرائعة التي تزيد المعنى وضوحاً وارتساماً

في ذهن القارى" ، وتقرب بين قلب الشاعر وقلب السامع ، فتجعل معانيه أسرع نفوذاً وأبلغ أثراً ، ونقيض عليها من القوة والحياة مالم يكن لها لو ظلت حقائق مجردة .

٣- ما أضافوا إليه من دقائق الصور النفسية والإحساسات الحية والعواطف القوية والمعاني المبتكرة التي لم يصل إليها القدماء، في مرارة الفراق ، وحلاوة اللقاء، وذكريات ما مضى في معاني الأحباب من عهود قصرتها متع الصبا وهو الفتوة ، وصفة الدموع المبذولة على ترابها ، والزفرات المتصاعدة فيها ، وطول الليل على المهجور بعد فراق أهلها ، وحرارة الشوق إلى الأفها ، وما إلى ذلك من معانى النسيب التى تثير الشجن وتبعث اللوعة، وتفيض على موات هذا الفن الحياة والقوة ، وتشيع فيه النّضارة والخصب.

وهذه الأغراض - وإن كان القدماء قد سبقوا إلى قصدها ، ومهدوا السبل إليها - إلا أن ما زاده هؤلاء المحدثون عليها من نتاج قرائحهم الخصبة ، واقتنائهم فيها ، وتصرفهم في ألفاظها ومعانيها ، جعلهم أولى بها وأحق بنسبتها إليهم ممن سبقهم.

وإذا أردت علم ذلك عن بينة فوازن بين شعرين في معنى واحد ، أحدهما الشاعر قديم ، والآخر لشاعر هؤلاء المحدثين

قال عبيد بن الأبرص - وهو جاهلى - يصف طللا تعاقبت عليه الرياح حتى تحت أثره :

دمنة (١) قفره تعاوزها الصيف

بريحين من صبا وشمال

فهل تراه زاد في الوصف على الحقيقة المجردة البسيطة ؟ وهل تحس في هذا البيت شيئاً من جمال الفن غير الفن العروضي في الوزن والقافية ؟

ثم أي فرق بين هذا وبين الحديث العادي الذي لا عمل الفكر فيه البته ؟

وأقرأ بعد ذلك قول البحتري في هذا المعنى نفسه والشاهد فى البيت الثاني :

قسم الصَّبَابَةَ فِرقتين : فشوقة

للطاعنيين ودمه للمنزل

منقسم الاحشاء يندب أربعا

منقسمات للصبا والشمال

فانظر إلى جمال الفن وروعته في شعر البحتري ، الذي جعل الفرق بينه وبين صاحبه في هذا المعنى أبعد من أن تعقد بينهما نسبة أو موازنة ، فصار أحق به، وأولى بنسبته إليه من عبيد ، وإن كان عبيد قد سبقه إليه

وإليك مثالا آخر ؛ قال النابغة - وهو جاهلى - يصف داراً وقف بها يسألها عن أهلها فلم تحير جواباً : وقت فيها أصيلاً كى أسائلها

عنيت جواباً وما بالربع من أحدٍ وقول البحتري أيضا في هذا المعنى نفسه - والشاهد في البيت الثاني :

أحبابة برسوم ( رامة ) بعد ما

عفت معالمها الصبا والشمال

وسألت من لا يستجيب فكنت في أس

ستخبارة  كجيب من لا يسأل

وما قيل في المثال الأول يقال في هذا المثال ؛ فهل عدا النابغة في بيته خبراً عادياً - لا أثر فيه لفن ولا تفكير - أنه وقف بالدار يسائلها فلم تجبه ، وليس فيها أحد ؟ والفرق بينه وبين صاحبه كالفرق بين عار من كل أنواع اللباس ، وكاس بأفخر الحلل وأثمن الحلى ؛ والموازنة بينهما ضرب من العبث ، إذ هو جهاد في غير عدو ، وتوضيح للشمس فى رائعة النهار.

وأكثر الشعراء حظاً من الإجادة في هذا الباب أربعة ، هم الذين يرجع إليهم أكبر الفضل فى النهوض به إلى غاية كماله ، وهم أبو تمام وتلميذه البحتري ، والشريف الرضى وتلميذه مهيار

وفى رأيي أن هذين التلميذين قد فاقا أستاذيهما فيه، فالبحترى أقوى عاطفة من أستاذه ، وإن كان أستاذه أبو تمام أبرع منه صناعة ؛ أما مهيار فهو أقدر على الابتكار والافتتان في المعاني من أستاذه الشريف .

والذى يؤخذ على هؤلاء جودهم على أسماء المواضع التي ذكرها الجاهليون في أشعارهم ، مع بعد الصلة بينهم وبين تلك المواضع وعدم معرفتهم بها إلا بالسماع من شعر القدماء ؛ فتجد الشاعر يسكن بغداد أو دمشق أو غيرهما من الحواضر الإسلامية التي فيها أكبر غناء عن البادية ومواضعها ، ولا يفتأ يذكر اللوى والعقيق ونجداً وتهامة ونعمان الأراك ومر الظهران ، وما إليها .

وتلك عدة مقطوعات من روائع ما قالوا في التغني بمنازل الأحباب ، وهى أصدق شاهد على ما أسلفت ذكره في هذا الحديث :

أكثرتْ في لَوْم المحب فأقلل

وأمرت بالصبر الجميل فأجمل

البحترى

لم يكفه نأى الاحبة (باللوى)

حتى ثنيت عليه لوم العدل

قسم الصبابة فرقتين : فشوقة

للظاعنين ودمعه للمنزل

متقسم الاحشاء ينشد أربعا

متقسمات للصبا والشمال

لولا تعنفني لقلت المنزل

معني تمينه ومعني مشكل (١)

ويوقفة شفى غليل صبابة

ويقول هب ما أراد ويفعل

سارت مقدمة الدموع وخلفت

حرفا توقد في الحشا ما ترحل

إن الفراق كما علمت فخلني

ومدامعا تسع الفراق وتفضل (٢)

إلا يكن صبر جميل فالهوى

نشوان يجمل فيه ما لا يجمل

يا دار لا زالت رياك مجودة

من كل غادية تعل وتنهل (٣)

فهمتنا دول الزمان وصرفه

وأريتنا كيف الخطوب النزل

أصباية برسوم (رامة) بعد ما

عفت معالمها الصبا والشمال

وسألت من لا يستجيب فكنت في استخيارة

كمجيب من لا يسأل

أضمانة برسوم ) رامة ( بعد ما

علقت معالجتها العشا والشئأل

وسألت من لا يشتجيب فكنت في أث

يخباره كجيب من لا يشأل

قد كان ممتنع الدموع فلم نزل

عيناك حتى استغبرت عيناة (١)

متخير ألفاك خيرة نفسة

فمن ناه الود أو أدناه

عيش لنا بالأبرقين تأبدت

أيامة وتجددت ذكراه (٢)

والعيش ما فارقته فذكرته

لهفا وليس العيش ما تناه

مهيار

أسفت لحلم كان لي يوم ( بارق )

فأخرجه جهل الصبابة من يدي (٣)

وما ذاك إلا أن عجلت بنظرة

قتلت بها نفسي ولم أتعمد

تحرش بأحقاف (اللوى) عمر ساعة

ولَوْلا مَكانُ الرَّيْبِ قُلتُ لكَ : ازْدَدِ (۱)

وقل : صاحب لى ضَل (بالرمل) قلبه

أن يلقاك هاد مهتدى

ويتسلم على ماة به برد غلتى

وظل أراك كان للوصل موعدى

وقل لحمام ( البائثين) مهنئا :

تغن خَلِيًّا مِنْ غرامي وَغرِّدِ

إذا قطمت قرارة كل وادي

فدرت باللوى حلم الغواري (٢)

وما أربي إلى سقيا ربوع

لها من مقلتى سار وغادي

حملت يد السحاب الجون فيها

ولست معودا حمل الأيادي (٣)

ولو بكت لها وجفني

تيقنت البخيل من الجواد

وما اتبعت طعن الحي طرفى

لأغم نظرة فنكون زادي

ولكني بعثت بلحظ عيني

وراء الركب يسأل عن فؤادي

سلمت - وما الديار يسالِمَات -

على عنت البلى يا دار هند

ولَا بَرَحَتْ مُفوَّقَةٌ الغوَادِي

تُصِيبُ رُباكِ مِنْ خَطَا وَعْمدِ

على أنى مَتَى مَطَرَتكَ عَيْنِي

فضل ما سَفَاكِ الميت

أَمِيلُ إِليكِ تجذبني فؤادِى

وغَيْرُكِ مَا اسْتَقَامَ السَّيْرُ - قَصْدِي

وأشفق أن تبدلك العطايا

بوطاتها كأن تراك خدى

وليتك إذ تحلت نحول جسمى

بنيت على النحول بقا، عَهْدِى

وما أَهْلُوك يَوْمَ خَلَوتِ منهم

بأول غدرَة الدَّهْرِ عِنْدِي

الشريف الرضى  

هب للديار بقية  الجلد

ودع الدموع وباعث الكند

واذهب بنفسك أن يقال : سلا

وَصَغى لِداعي العدل والفند

أتعدُّ عَنْ طفل رَعَيْتَ به

ما شئتَ مِنْ هَيْف وَمِنْ غَيْدِ

أمسى القوى فيه بلا أثر

وجرى البلى فيه بلا أمد

إن الألى بعثوا بينهم

ما زَوْدُوا فى القرب للبعد

ما ضرهم والبين يحفزهم

لو عللوناً بانتظار غد

تلفت دون الركب والعين غمرة

وقد مدها سيل الدموع بما مدا (١)

لعلى أرى دارا بأسنة التقا

فأطربنا للدار أقربنَا عَهْدا

تلاعب بي بين المعالم لَوْعَةٌ

فتذهب بي يَأْساً وترجع بي وجدا

منازل ناشدت السحاب فما قضى

فريضتها عنى السحاب ولا أَدّى

اشترك في نشرتنا البريدية