كتب الأستاذ (أنور المعداوي) في بعض تعقيباته يقول: (أنا شديد الإعجاب بأن يكون بين جنودنا البواسل من يقرأ الرسالة ويعشق الأدب) وقد حسب الأستاذ (عبد الجليل السيد حسن) أن جمع باسل على بواسل من لحن القول الذي شاع استعماله في هذه الأيام بين عامة الكتاب فكتب في البريد الأدبي كلمة يعلم بها (السادة الأفاضل الكتاب) صواب هذا اللحن , قال فيها (وهذا الجمع غريب شاذ، فلا المعاجم تذكره، ولا القياس يبرره، ولا السماع يؤيده، فلم لا نقتله وتحيي لفظين رشيقين صحيحين يستعذبهما الذوق وهما بسل وبسلاء)
وهذا قول كما تعوده بعض المصححين من جرأة بالغة على اللغة وعلى ما لا يعلمون. إن (بواسل) كلمة عربية رشيقة فصيحة صحيحة، مسموعة عن العرب الخلص منذ الجاهلية الأولى، قال باعث بن صريم البشكري بذكر يوم الحاجر:
وخِمَار غانية عقدت برأسها ... أُصُلاً وكان منشراً بشمالها
وعقيلة يسعى عليها قيم ... متغطرس أَبدَيت عن خَلْخالها
وكتيبةُ سفع الوجوه (بواسل) ... كالأسد حين تذبُّ عن أشبالها
قدْ قُدْتُ أول عنفوان رعيلها ... فلففتها بكتيبة أمثالها
وتمر الأبيات من ديوان الحماسة ٢١١ وقال المحاربي كما روى ابن الشجري في حماسته ص٧٣
أيا راكباً إما عرضت فبلغن ... خداشا وعبد الله ما أنا قائل
فلا توعدونا بالحروب فإننا ... لدى الحرب أسد خادرات (بواسل)
٢ - ذهب توا:
وكما جانب المعقب الصواب في إنكار (بواسل) فقد جانبه كذلك في إنكار (ذهب توا) حيث يقول (ومما يقلبه الكاتب عامتهم قلباً ويمسخونه مسخاً ويسلخونه سلخاً استعمالهم توا بمعنى الساعة وحالاً فيقولون ذهب توا وذهب لتوه. وهذا المعنى تلفظه المعاجم وتنبذه اللغة، وما قالته هو: التو بمعنى الفرد فذهب توا أي فرداً أو لم يلوه شيء. والصواب توه) وهذا الذي قاله غير
صحيح أيضاً، قال الزمخشري في الفائق: (ومنه قولهم سافر توا إذا لم يعرِّج في طريقه على ما كان) وفي القاموس: (التو الفرد والحبل، وبهاء الساعة، وجاء توا: إذا جاء قاصداً لا يعرجه شيء فإن أقام ببعض الطريق فليس بتو) .
هذا وإني أنصح الأستاذ المعقب بنصيحة خالصة نصحني بها منذ أكثر من عشرة أعوام صديقي الرواية الأستاذ (محمود محمد شاكر) ونحن نقرأ حماسة ابن الشجري، قال لي عندما قرأت قول باعث البشكري: وكتيبة سفع الوجوه بواسل: (وهذه كلمة أغفلتها المعاجم فيما أغفلت من أوابد اللغة وشواردها، ومن ثم أنصح لك ألا تقطع برأي فيما لا تجده في المعاجم إلا بعد تثبت؛ فإن كثيراً من ألفاظ اللغة موجود في الشعر الجاهلي والشعر الإسلامي ولم يقيده الرواة في معاجم اللغة، واقتصروا أيضاً في شرح بعض الكلمات على ما ورد في أبيات يعينها مما رووه، وفيما لم يرووه ولم يشرحوه كثير ما ينبغي أن يشرح مرة ثانية بدلالة هذا الشعر) .
هذه نصيحة صديقي الأستاذ (محمود محمد شاكر) وهي نصيحة قيمة تعصم من اتبع هداها من التردي في مهاوي العثرات. وإني لأرجو من المعقبين اللغويين أن يلقوا إليها أسماعهم ليجنبوا القراء متاعب (الجعاجع) الفارغة التي يثيرونها كل حين باسم الحافظ على العربية، وما بالعربية إلا قلة يصرهم بها، وذهابهم توا إلى إنكار مالا يعلمون من ألفاظها، ونضر الله وجه الشافعي إذ يقول:
(ولسان العرب أوسع الألسنة مذهباً وأكثرها ألفاظاً، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي، ولكنه لا يذهب منه شيء على عامتها حتى لا يكون موجوداً فيها من يعرفه).
