سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولا لا أبا لك يسأم ذلكم بلا ريب هو الخاطر الوحيد الذي كان يطيف في رأس الشيخ هنري برغسون كما اختلف إلي داره الهادئة بعض اصحابه وتلامذته فقد بلغ الرجل الغاية من العمر ، والغاية من الالم ، والغاية من الوحدة ، ثم لقد بلغ الغاية من التأليف ، والغاية من الشهرة ، والغاية من قلوب الناس . فتشبع من الدنيا وشبعث الدنيا منه ، واخذ ينتظر يومه الأخير ، على أنه خاتمة المطاف وإليه العصير
كان من عادة الفيلسوف الأمريكي المعروف " ويليام جيمس " أن يقول لأصدقائه كلما تحلقوا من حوله : " أي رجل هذا هو هنري برغسون ؟ إن مجيء ما ينقضي من نبوغ هذا اللوذعي الموهوب ، وما ادرى لماذا يطلقون عليه لقب " الفيلسوف الفرنسي الكبير " فما سمعت هذا مرة إلا خطرت ببالي عبارة الذين كانوا يقولون في الامبراطورية الرومانية الجرمانية المقدسة : " لم تكن رومانية ولا جرمانية ولا مقدسة ، وما اري برغسون رجلا كبيرا ، فهذه قامته . . وما أراه فيلسوفا لأنه ترك الفلسفة للالمان يعالجونها عن ملكة ولقائة ، ولانه من انبه تلاميذي وأحبهم إلي نفسي! وما أراه كذلك فرنسيا : وإن شئتم فقولوا إن اسمه الغريب خدعني عن حقيقة فرنسيته زمنا طويلا ، حتى لقد حسبته دخيلا علي
الجنسية الفرنسية في أهون تعبير " .
ويحتم فيلسوف الذرائع (1) حديثه مع أصحابه بهذه العبارة القوية : " . . ولكنكم تعلموان يا سادتي كما اعلم انا , ان هذا الرجل الصغير إنما هو فخر الانسانية وعنوان مجدها الخالد" .
وكتب جيمس مرة إلي أحد أصدقائه يصور له أثر " التطور البدع l evolution creutrice " في نفسه ، فيقول : " لقد تراءي كل كتاب في ناظري هزيلا من قرط روعة هذا الكتاب الجديد او الفجر الالهى المنبثق " .
لقد يتطور بعض الفلاسفة في حدود أنفسهم ويستكملون مدتهم العقلية على الزمان ، وتخصب قرائحهم المنطقية رويدا رويدا ، ثم لا يري الذين يعاصرونهم من مظاهر هذا التطور والكمال والخصب شيئا يطفر إلي عيونهم ويسترعي خواطرهم . حتى إذا سير الباحثون غور هؤلاء الفلاسفة المغمورين ، وجدوا ان واحدا منهم لابد ان يكون مصدر تيار عميق الأثر في عصره وفي الأعصر التي تليه . ولكن شأن برغون لم يكن في الفلسفة على هذا النحو قط ، فشهرته الداوية لا تعرف جوها الابتدائي البسيط الأول ، واسمه الطائر يرن في آفاق الدنيا منذ عهد بعيد ، ولقد كان صغير السن أملد العود يوم دعته " كوليج دي فرانس " لتدريس الفلسفة الحديثة فيها ، وإملاء المكان الشاغر الذي خلا بوفاة العالم النفساني الكبير جبرائيل تارد Gobriel tarde .وها هو يشهد
الآن من خلال عزلته وفي حياته (1) سيرورة آرائه الفلسفية في مسارب العقول ومناحي الأرض .
إن حياة برغسون هي حياة آرائه الفلسفية علي الضبط ، فمن احب ان يؤرخ هذه لابد ان يرجع إلى تاريخ تلك ، يستمد منها الشعاع الكاشف المنير ...
كان مجيئ الطفل هنري برغسون إلي هذه الدنيا في الثامن عشر من تشرين الأول عام ١٨٥٩ ، فدرج في مهاد الأبوة والأمومة ناعم البال مترف العيش ، ثم تلقف علومه الابتدائية والثانوية والعالية في كثير من اليسر المادي والتوفيق في الفحوص ، حتى لقد تقدم إلى إحدي المسابقات العامة في الرياضيات عام ١٨٧٧ ففاز بجائزتها الأولى ، وهذه سابقة ذات مغزي بعيد في الدلالة على مواهبه الناجحة في سن مبكرة .
وكان يرغسون يجيد فهم العلوم كما يجيد تذوق الآداب . فاصابته من جراء هذه الاجادة المزدوجة حيرة الاختيار والاختصاص ، ولكنه دخل دار المعلمين عام ١٨٧٨ ، فقيل فيها كمستمع اجنبي ، ثم راي ان ينسلخ من ارومته البولونية ، فاعتنق الجنسية الفرنسية عام ١٨٨٠ ، وأصبح طالبا مواطنا . وتنقل بعد ذلك بين شتى الجامعات الفرنسية ، ثم استقر في باريز يدرس في جامعة رولان Roliin ويهيئ اطروحة الدكتوراه في الآداب ، ولكنه ما لبث أن انتقل إلي جامعة هنري الرابع ، ومنها إلي دار المعلمين العليا ، فبقي أستاذا للفلسفة فيها إلى مستهل عام ١٩٠٠ ، إذ عينته كوليج دي فرانس مدرسا للفلسفة اليونانية واللاتينية . وفي هذه الجامعة تجلت مواهب برغسون في تدريس اعقد نظريات الفلسفة بلغة واضحة
سهلة ، فحببها إلي قلوب الشباب ، حتى اجتذبهم إلى متابعة دروسه . وحتي جنح كثير من طلبة الآداب إلي دراسة الفلسفة ..!
وكذلك توفق " الأستاذ " هنري برغسون في حياته التدريسية في كوليج دي فرانس إلي ما لم يتوفق إليه المشاهير من رجال الجامعات واساتذة المعاهد . فما كانت دروس المسيو ليروا بوليو Leray Beaulieu استاذ الاقتصاد السياسي لتحظى بعشر معشار ما كانت تحظى به دروس برغسون من التلامذة والمستمعين . وكذلك كان شأن المسيو Chuquet استاذ التاريخ في كوليج دي فرانس ، فان وقت محاضرانه ليس وقت محاضرات برغسون ، ومع هذا فان الذين كانوا يجيئون إلى الجامعة يستمعوا إليه ، حتى لقد صاح المسيو شوكه يوما بمن حضر : " سيداني سادتي : إنكم لدعوون إلى الاستماع إلي في صمت وهدوء قبل ان تستمعوا إلى المسيو برغسون !" .
اشد ما كانت دروس رغسون تستهوي جمهور الطلاب وأصحاب الثقافة ؛ إن اعظم المدرسين في جامعات فرنسا كرينان Renan وميشيله Michelet ورومان رولان Romain Rolland لم يشهدوا التوفيق الذي شهده الأستاذ برغسون على صغر سنه . وهل في باريس كلها إنسان مثقف لم ينطبع في ذهنه خيال برغسون الجميل ؟ معطف أسود شديد السواد ، ينتهى في طرفيه بأكمام عريضة شديدة العرض ، ويدين صغيرتين كأنهما بعض ايدي البط ، ويحمل بين كتفيه رأسا وردى اللون ضامرا أصلع من أعلاه وأحمر في وجنتيه ، يتحرك حركة مستديرة ذات اليمين وذات الشمال ، وتتقدمه عينان غائرتان دقيقتان ، كأنما ركبتا من النضار الأبيض ثم وضعتا في مكانهما هذا لتكشفا عما وراءهما من عوالم الآحلام والشعور
والمجهول وينبعث صوت ناعم خافت الحرس يرن رنين الفضة ليقول اشياء وأشياء وأشياء في مثل صمت الكنيسة :
" إن الأمة التي لا يحركها الشعور الموحد ، ولا ينتظمها الرأي المشترك ، لا تمشى نحو المجد والمثل الأعلى ، كالرجل الفوضوي إذا لم يجمع خواطره كلها حول نقطة ثابتة فانه لابد فاقد اتجاهه وغايته" .
ويتهدج الصوت ويدق ويرق حتي لتحسبه قد استحال إلى نغم حلو من أنغام الموسيقى تصحبه حركة باليد وإيماءة بالعين ووضع جسماني تكشف كلها مجتمعة عما يريد برغسون ان يذيع في الناس من رأي قائم على شعور او شعور يرجع إلى حدس أو حدس يقوم حقيقة أو حقيقة تستند إلى تجرية . وتتسلسل خواطر ، بعد ذلك تسلسلا عجبا يأخذ باب الحاضرين على اختلاف منازعهم وثقافاتهم ثم ينقطع كلامه ويهتز صوته اهتزاز النفوس التي تميه وتتذوقه .
على أن التوفيق الرائع الذي حالف حياة برغسون المحاضر ، لم يكن ليصدف الفيلسوف عما هو بسبيله من سرعة الخاطر وعمق البحث . ألم يقل هو في بعض محاضراته : إن من واجب الفيلسوف ان ي يعني بكل شئ . وان ينظر إلي الجماهير نظرة خاصة فيها التقدير وفيها الاجلال ؟ إذا ما باله ينسي الذين يستمعون إليه من قرب ، فلا يتحدث إليهم إلا بما يتحدث إلي نفسه من تمتمة الجرس وإيجاز الكلام ؟ إن هنري برغسون هو المفكر الذي برد جأشه وهدأت أعصابه ، فما يتحمس في نفسه إلا ليسكب الحرارة في غيره ، ويخلع القوة على من حوله . حياة مليئة بالنشاط النفسي والعمل الدائب ، وإخلاص شديد للفكر الحر لم يفارقه من لدن أولى مؤلفاته رسالة في الحقائق المباشرة للشعور Essai sur les dannees
immediutes de la conscience حتى "منبعي الأخلاق والدين Les deux saurcse de la marale ".et.de la reilgion
وتكللت هامة برغسون على الزمان بأكاليل زاهية من المجد ، وكلها جاء طائعة من غير ان يسمى إليها في ذاتها او ينهالك عليها تهالك الذباب على زجاج المصباح جاءه المجد طائما ، لانه الرجل الفيلسوف المتواضع الذي يغني في حب الحقيقة والعقل فناء ثم يبق على شيء آخر من نفسه ولا من شخصه . فها هو يدخل المجمع العلمي للأبحاث الأخلاقية والسياسية عام ١٩٠١ ، والاكاديمية الفرنسية عام ١٩١٤ ، وها هو ينال الوسام الكبير لجوفة الشرف عام ١٩٢٣ ، وجائزة نوبل في الآداب عام ١٩٢٨ .
إن هنري برغسون الذي اضاء دياجير الفكر بنور فكره مدى سنوات عديدة ، ليسكن الان غرفة هادئة منعزلة عن ضوضاء باريز ، يجتر فيها آراءه التي سلفت ، وفلسفته الى زهت في الناس شعاعا ، ثم يعاني في جسمه ألما شديدا من جراء الروماتيتزم والتحقن الرئوي ، ترعاه زوجته البارة وابنته الكبيرة بحنائهما القوي الزاخر ، ليخلفا له الجو الرطيب الذي يستطيع معه ان يفكر ويكتب وقد احترمت الطبيعة ملكات برغسون العقلية ، فلم تمسها بضعف ولا بهزال ولا بشيخوخة . وهاهم الذين يتصلون . في هذه الأيام يشهدون جميعا بإنزان قواه ، ويقولون : إن برغسون ما يزال يحتفظ بالكلمة التي تضحك ، والفكرة التي تدهش ، والروحانية السامية التي تدل على " قداسته" ...
تعالوا أيها القراء ، تعالوا بكل بساطة ننشد في شخص برغسون شخص الحكيم (حمس)

