الصديق
يقول المنفرد فى نفسه ( لا أطيق وجود أحد بقربي ) ولكثرة ما يقف محدقًا فى ذاته تظهر التثنية فيه , ويقوم الجدال بين شخصيته ويين ذاته فيشعر بالحاجة إلى صديق . وما الصديق للمنفرد إلا شخص ثالث يحول دون سقوط المتجادلين إلى الأغوار كما تمنع المنطقة المفرغة غرق العائمين
إن أغوار المنفرد بعيدة القرار , فهو بحاجة إلى صديق له أمجاده العالية ؛ فثقة الانسان فى غيره تقوده إلى ثقته بنفسه , وتشوقه إلى الصديق ينهض أفكاره من كبواتها كثيرًا ما يقود الحب إلى التغلب على الحسد , وكثيرًا ما يطلب الإنسان الأعداء ليستر ضعفه ويتأكد إمكانه مهاجمة الآخرين من يطمح إلى اكتساب الصديق وجب عليه أن يستعد للكفاح من أجله , ولا يصلح للكفاح إلا من يمكنه أن يكون عدوَّا . يجب على المرء أن يحترم عداءه فى صديقه , إذ لا يمكن لك أن تقترب من قلب صديقك إلا حين تهاجمه وتحارب شخصيته أنت تريد الظهور أمام صديقك على ما أنت عليه هاتكا كل ستر عن خفايا نفسك , فلا تعجب إذا رأيت صديقك يعرض عنك ويقذف بك إلى بعيد
من لا يعرف المصانعة يدفع بالناس إلى الثورة عليه , فاحذر العري , يا هذا , لأنك لست إلًها , والآلهة دون سواهم يخجلون من الاستتار عليك بارتداء خير لباس امام صديقك , لتهيب به إلى طلب المثل الأعلى : الإنسان الكامل
أفما تفرست يومًا فى وجه صديقك وهو نائم لترى حقيقته ؟ أفما رأيت ملامحه إذ ذاك كأنها ملامحك أنت متعكسة على مرآة
مبرقعة معيبة ؟ أفما ذعرت لمنظر صديقك وهو مستسلم للكرى ؟ ما الإنسان ، أيها الرفيق ، إلا كائن وجب عليه أن يتفوق
على ذاته , وعلى الصديق أن يكون كشافًا صامتًا , فأمسك عن النظر علنًا إلى كل شيء ما دمت قادرًا فى غفلتك على كشف كل ما يفعله صديقك فى انتباهه . عليك أن تحل الرموز قبل أن تعلن إشفاقك , فقد ينفر صديقك من الإشفاق ويفضل أن يراك مقنعًا بالحديد وفي عينيك لمعان الخلود
ليكن عطفك على صديقك متشحًا بالقسوة وفيه شيء من الحقد ، فيبدو هذا العطف مليئًا بالرقة والظرف كن لصديقيك الهواء الطلق والعزلة والغذاء والدواء ، فإن من الناس من يعجز عن التحرر من قيوده ولكنه قادر على تحرير أصدقائه دع الصداقة إذا كنت عبدًا ، وإذا كنت عاتيًا فلا تطمح إلى اكتساب الأصدقاء
لقد مرّت أحقاب طويلة على المرأة كانت فيها مستبدّة أو مستعبدة فهي لم تزل غير أهل للصداقة , فالمرأة لا تعرف غير الحب إن حب المرأة ينطوي على تعسف وعماية تجاه من لا تحب , وإذا ما اشتعل بالحب قلبها فإن أنواره معرضة أبدًا لخطف البروق في الظلام ... لم تبلغ المرأة بعد مايؤهلها للوفاء كصديقة , فما هى إلا هرة , وقد تكون عصفورًا , وإذا هى ارتقت أصبحت بقرة
ليست المرأة أهلًا للصداقة , ولكن ليقل لي الرجال من هو أهل للصداقة بينهم ؟ إن فقر روحك وخساستها يستحقان اللعنة أيها الرجال ، لأن ما تبذلونه لأصدقائكم يمكنني أن أبذله لأعدائي دون أن أزداد فقرًا إنكم لا تتخذون إلا الأصحاب , فإلى متى تسود الصداقة بينكم ؟
ألف هدف وهدف
لقد شاهد زارا كثيًرا من البلدان وكثيًرا من الشعوب , فنفذ إلى حقيقة الخير والشر , وعرف أن لا قوة فى العالم تفوق قوتهما تحقق أن ليس على الأرض من شعب تحلو له الحياة دون أن يُخضع النُّظُم والسُّنن لتقديره , وأن كل شعب يرى من واجبه , إذا أراد الحياة ، أن يجيء بتقدير يختلف عن تقدير من
يجاوره من الشعوب . وهكذا كان ما يراه أحدها خيرًا يراه الآخر دناءة وعارًا ذلك ما عرفته , فكم من عمل اتشح بالعيب فى بلد , رأيته مجللا بالشرف والفخر فى بلد آخر لم أر جارًا تمكن من إدراك حقيقة جاره , بل رأيت كلًّا منهما يعجب لجنون الآخر وقسوته
لقد علق كل شعب فوق رأسه لوح شريعته , وسطر عليه ما اجتاز من عقبات وما تضمر إرادته من عزم , فما تراءى له صعب المنال فهو موضوع تمجيده ، وما خيره إلا حاجة ملحّة عز مطلبها , فهو يقدس كل وسيلة تمكنه من الظفر بهذه الحاجة إن كل ما يوطد الحكم لهذا الشعب , وكل ما ينيله النصر والمجد ويلقي الرعب فى روع جاره مثيًرا حسده إنما هو فى نظره ذو المكانة الأولى , وما احتل المقام الأول فى اعتباره يصبح مقياسًا لجميع أموره ومعنًى لجميع ما يحيط به ؛ فإذا ما تمكنت من الاطلاع على حاجات أي شعب وخبرت أرضه وجوه وحالة جاره , فإنك لتدرك النواميس التي تتحكم فيه وتحفزه إلى المجالدة للغلبة على أهوائه , ولتعرف السبب فى اختياره مراقيه الخاصة يتدرج عليها لبلوغ أمانيه
( عليك أن تكون سبّاقًا مجليًا فى كل مضمار , فلتتلفع نفسك بغيرتها كيلا تبذل الولاء إلا للصديق ) إنها لكلمات إذا وقعت فى أذن يوناني , ترتعش نفسه لها فيندفع إلى اقتحام الصعاب طلبًا للمجد (قل الحق , وكن ماهرًا فى تفويق سهامك من قوسك ) إنها لوصية صعبت وعزَّت على الشعب الذي اقتبست اسمي منه , وفي هذا الاسم من المصاعب قدر ما فيه من أمجاد ( أكرم أباك وأمك , ولتكن بارًّا بهما من صميم قلبك ) وهذه الوصية القاعة على إرغام النفس , قد عمل بها شعب آخر فبلغ القوة وأصبح خالدًا ( كن أمينا وابذل للأمانة دمك وشرفك حتى ولو كان جهادك فى سبيل ما يضير وما يورد المهالك ) وهذه أيضا وصية عمل بها شعب آخر , تغلب على ذاته وأصبح عظيما تثقله الأماني الجسام لقد أقام الناس الخير والشر , فابتدعوهما لأنفسهم ،
وما اكتشفوهما ولا أنزلا عليهم بهاتف من السماء لقد وضع الإنسان للأمور أقدارها ليحافظ على نفسه , فهو الذي أوجد للأشياء معانيها الإنسانية ما التقدير إلا الإيجاد بعينه , فاصغوا إليّ أيها الموجدون ما الكنوز والجواهر إلا أشياء أرادها تقديركم جواهر وكنوزا , فما القيمة إلا اعتبار , ولولا التقدير لما كان الوجود إلا فتورًا لا نواة فيها . اسمعوا أيها الموجدون: - إن قيمة الأشياء تتغير تبعًا لتحول اعتبار الموجد , ولا بد لهذا الموجد من أن يهدم فى كل حين
لقد كانت الشعوب تتولى الإيجاد فى البدء حتى ظهر الأفراد الموجدون , فما الفرد فى الواقع إلا أحدث هيئات الوجود لقد أقامت الشعوب لنفسها قِدْمًا شريعة خيرها , وما نشأت هذه الشريعة إلا باتفاق المحبة التي طمحت إلى السيادة , والمحبة التي رضيت بالامتثال إن هوى المجموع أقدم من أهواء الفرد , وإذا كان خير الضمائر ما يكمن فى المجموع , فإن شرها ما يتجلى فى الفرد المعلن شخصيته والحق أن الشخصية المراوغة التي لا محبة فيها , الشخصية التي ترمي إلى الاستفادة من خبر الأكثرية , إنما هى عنوان انحطاط المجموع لا مبدأ كيانه ما خلق الخير والشر فى كل عصر إلا المتهوسون المبدعون ، وما أضرم نارهما إلا عاطفة الحب وعاطفة الغضب باسم الفضائل جمعاء !
لقد شاهد زارا كثيرًا من الشعوب والبلدان فما رأى قوة على الأرض تفوق قوة المتهوسين ، والقوة معنى لكلمتي الخير والشر ما أشبه ما يستدعي التمجيد ويستوجب العقاب بالمسخ الهائل ، فمن له بسحق هذا المسخ ، أيها الإخوة ؟ من سيشد بالأغلال على ما يُتلِعُ هذا الحيوان من آلاف الأعناق ؟ لقد بلغت الأهداف الألف عدا إذ بلغ عدد الشعوب ألفًا ، فنحن بحاجة إلى قيد واحد لألف عنق , لأننا بحاجة إلى هدف واحد , فالبشرية لم تعرف حتى اليوم لها هدفًا , ولكن إذا كانت الإنسانية تسير ولا غاية لها ، أفليس ذلك لقصورها وضلالها ؟ هكذا تكلم زارا
( يتبع )

