واستدارت معهم الشبكة ، وظلت القوارب الصغيرة داخلها تحرك الماء بمجاديفها . فلما تمت الحلقة او كادت ، ترامت الأسماك متجمعة متزاحمة فزادوا في ضيق الشبكة ، وضيق الحلقة ، ثم أخذوا برفعون السمك ويجمعونه
وهو سمك صغير ، لا يزيد طوله على خنصر اليد ، ولكنهم يجففونه ، ويأكلونه كله ، حتى رؤوسه ، مع الارز ، فهذا طعام اليابانيين الشائع . والسمك على كل حال طعامهم لندرة المراعي ، فندرة اللحوم من شياه وابقار .
وتخرج للسما كين في شباكهم قناديل البحر ، من سامة وغير سامة ومن عجب انهم يرفعونها بايديهم دون أن يصيبهم أذى . ولست أدري كيف يفعلون . ولكني ادري ان القرصة من قنديل البحر ، وهو سام ، تورم الرجل فلا تلبث أن تصبح ضعف حجمها .
واليابانيون يقبلون على اصطياد السمك بالشباك ، وبالعود والصنارة ، وجلست مرة على صخرة عند ساحل عميق أجرب حظي . فخرجت لي سمكة من نوع يكثر غيره من أنواع السمك في تلك البحار ويسمونه فوجو . وكانت سمكة صغيرة لها بطن أبيض . والتف حولي صبية جاءوا من قرية مجاورة ، وأخذوا يتسلون بمرأي هذا الغريب الذي جاء من بلد لا شك بعيد ليصطاد أسماكهم اليابانية في غير حذق كبير . وسر فمنهم غبطني بأول سمكه اصطدتها . فجاءني أحدهم يقول إنني لو أعطيته هذه السمكة لأراني شيئا عجبا . فخلصتها من الصنارة وأعطيتها إياء ، فأخد يحك بطبها ، فأخذت تنتفخ . وزادها حكا ، فزادت انتفاخا . فلما صارت كالكرة ، أخذها إلي حجر عظيم ، ودقها بقدمه العارية فانفجرت .
ونظر الصبية إلى . وكان قد ساءني ما في هذا الصنيع من غلظة ، فلم اتحرك للذي كان من فرقعة . نظروا إلي ثم عجبوا لجمودي ، فانصرفوا عني . ومن بعيد سمعتهم يتناقشون في أمر هذا العفريت الأجنبي ، في زيه هذا
الغريب ، وطباعه وهي أشد غرابة
وقد علمت بعد ذلك أن هذا السمك ، الفوجو ، من الذ أسماكهم . ولكنه لا يؤكل في البيوت ، ولكن يؤكل في المطاعم العامة ذلك أن به غدة تفرز سما ، لا تستطيع ربات البيوت ان تنتزعها من غير ان تجرحها أو تفقعها غير واعية فيسيل بعض ما بها إلى السمك فيهلك آكلها . ولكن المطاعم بها رجال خيروا هذا الأمر وحذقوه ، فاطمأن إليهم آكلوه . على أن رواد هذه المطاعم يأكلون هذا السمك ويحملون تبعة أكله على عواتقهم وحدها
إن أحسن ما يمتع صائد السمك في اليابان ، صائده بالعود والصنارة ، إنما هو منظر السمك في الوانه الجميلة وهو يعوم بين الصخر ، وبين العشب ، في ماء يصفو كالبلور أو هو أشد صفاء وتختلف ألوانه وتزهو ، وهو يترقط بها او يتخطط ، ويتبع بعضه بعضا في مواكب من دون دونها كثيرا مواكب أعراس الملوك وأفراحهم .
وطلت ظلال الأشياء بانحدار الشمس المغيب . فلما غربت صعدت الجبل إلي القرية ، إلي بيت مضيفي وجلسنا إلي العشاء وفرغنا من العشاء ....

