الدول الكبيرة التى تؤيدهم بأصواتها تستطيع إيواءهم والأموال الكثيرة التى تنفق على مشروع هجرتهم الظالمة كانت تكفل لهم أرغد عيش فى كل مكان ؛ ولكن طموحهم ومطامعهم سولت لهم أن يكون لهم كيان سياسى خاص ، مع أنهم فى الواقع يسيطرون على أقوى الدول ، ويتحكمون بفضل نفوذهم المالى على مصاير كثير من الأمم . واستغلت الدول العظمى هذه الرغبة فيهم ، ومنتهم بتحقيق حلمهم كسبا لتأييدهم ، فوجهوا وجهتهم نحو الشرق الأدنى واختاروا فلسطين باسم الدين ، وأيدهم بعض أغرار القساوسة الأمريكيين انسياقا وراء نصوص فى التوراة . ولكن الحجة الدينية إنما هى ستار ظاهرى لمطامع اقتصادية ؛ وفلسطين ليست إلا نقطة ارتكاز يطمعون أن يثبوا منها إلى الأقطار العربية المجاورة ؛ وأمريكا تؤيدهم أملا فى أن يكونوا أداة توسعها الاقتصادى فى الشرق ؛ وروسيا
تؤيدهم طعما فى أن تتخذ من شيوعيتهم منفذا إلى الشرق ؛ وبريطانيا تتذبذب فى تأييدهم ومعارضتهم وتتأرجح بينهم وبين خصومهم حتى تستبين الموقف وتقرر الجانب الذى تؤيده حسب مقتضيات الظروف والأحوال ، وتعتمد على الزمن فى انتهاج السياسة التى تراها ملائمة لأغراضها البعيدة .
ولكن الصهيونيين وأنصارهم فيما يبدو لا يحسبون حسابا للعرب ولا يقيمون وزنا لغضبهم ، ويحسبونهم سيظلون على حالهم من الضعف والعجز والتقاطع ، فتسهل مهمتهم وتتحقق أغراضهم . وأحسبهم فى هذا جد واهمين ؛ ففى البلاد العربية يقظة ، وفيها قوى كامنة لو أحسن تنظيمها واستغلالها لقضت على أمثال هذه المحاولات ؛ فإذا طاب لبغات اليهود أن يستنسروا اليوم بأرضهم ، وإذا استخفت أمريكا بأمرهم
ولم تقم وزنا لغضبهم ، وإذا تجاهلت روسيا اعتراضهم على التقسيم ولامتهم على مقاومة اقتطاع جزء من وطنهم ليكون هدية لليهود - إذا اطمأن الجميع اليوم لظلم العرب اقتناعا بعجزهم عن المقاومة فإن لهذا اليوم ما بعده ، وإن من شأن هذا الظلم الصارخ الذى قد يوقع على العرب وهذه المحنة القاسية التى قد ينزلونها بهم ، أن تفتح أعينهم على ما يتهدد كيانهم من أخطار ويجمع كلمتهم ويوحد صفوفهم على رد هذا العدوان
إن العرب لن ينسوا هذا الجرح الدامى الذى يصاب
به جسم الأمة العربية ، ولن يهدأ لهم بال حتى يعدوا العدة لاسترداد حقوقهم ، وسيعتصمون بالهدوء وضبط النفس حتى ينظموا مقاومتهم ويحكموا تدبير خطتهم ويكملوا عدتهم لدفع العدوان عن بلادهم ما دام الاحتكام إلى العدل العالمى لم ينصفهم .
أيها العرب . إنكم أمام خصوم أقوياء قد كملت عدتهم وحسن تدريبهم وكثرت أموالهم ، ومن ورائهم أمم قوية تؤيدهم وتبذل لهم المعونة ولن يجديكم معهم حركات طائشة مرتجلة ، ولا غضب متعجل جامح يضركم ولا ينفعكم ، فاحزموا أمركم واستعينوا بالصبر والكتمان ، ونظموا صفوفكم ، وادرسوا موقفكم وموقفهم بهدوء وحكمة ، وضعوا خططا دقيقة لتحقيق أهدافكم ووطدوا النفس على جهاد طويل تبلون فيه بألوان من الامتحان الشديد . إن الأمر جد ليس بهزل ، والموقف موقف عمل جاد حازم ، لا موقف ثرثرة وتظاهر وتشدق بالأقوال ؛ فاجمعوا كلمتكم ووحدوا قيادتكم ، والله معكم ، وهو القادر أن يكفيكم شر هذا العناء برجوع القوم إلى الصواب وخضوعهم للحق وجنوحهم للسلام . ( . . . )

