الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 466الرجوع إلى "الثقافة"

Share

الدول الكبيرة التى تؤيدهم بأصواتها تستطيع إيواءهم والأموال الكثيرة التى تنفق على مشروع هجرتهم الظالمة كانت تكفل لهم أرغد عيش فى كل مكان ؛ ولكن طموحهم ومطامعهم سولت لهم أن يكون لهم كيان سياسى خاص ، مع أنهم فى الواقع يسيطرون على أقوى الدول ، ويتحكمون بفضل نفوذهم المالى على مصاير كثير من الأمم . واستغلت الدول العظمى هذه الرغبة فيهم ، ومنتهم بتحقيق حلمهم كسبا لتأييدهم ، فوجهوا وجهتهم نحو الشرق الأدنى واختاروا فلسطين باسم الدين ، وأيدهم بعض أغرار القساوسة الأمريكيين انسياقا وراء نصوص فى التوراة . ولكن الحجة الدينية إنما هى ستار ظاهرى لمطامع اقتصادية ؛ وفلسطين ليست إلا نقطة ارتكاز يطمعون أن يثبوا منها إلى الأقطار العربية المجاورة ؛ وأمريكا تؤيدهم أملا فى أن يكونوا أداة توسعها الاقتصادى فى الشرق ؛ وروسيا

تؤيدهم طعما فى أن تتخذ من شيوعيتهم منفذا إلى الشرق ؛ وبريطانيا تتذبذب فى تأييدهم ومعارضتهم وتتأرجح بينهم وبين خصومهم حتى تستبين الموقف وتقرر الجانب الذى تؤيده حسب مقتضيات الظروف والأحوال ، وتعتمد على الزمن فى انتهاج السياسة التى تراها ملائمة لأغراضها البعيدة .

ولكن الصهيونيين وأنصارهم فيما يبدو لا يحسبون حسابا للعرب ولا يقيمون وزنا لغضبهم ، ويحسبونهم سيظلون على حالهم من الضعف والعجز والتقاطع ، فتسهل مهمتهم وتتحقق أغراضهم . وأحسبهم فى هذا جد واهمين ؛ ففى البلاد العربية يقظة ، وفيها قوى كامنة لو أحسن تنظيمها واستغلالها لقضت على أمثال هذه المحاولات ؛ فإذا طاب لبغات اليهود أن يستنسروا اليوم بأرضهم ، وإذا استخفت أمريكا بأمرهم

ولم تقم وزنا لغضبهم ، وإذا تجاهلت روسيا اعتراضهم على التقسيم ولامتهم على مقاومة اقتطاع جزء من وطنهم ليكون هدية لليهود - إذا اطمأن الجميع اليوم لظلم العرب اقتناعا بعجزهم عن المقاومة فإن لهذا اليوم ما بعده ، وإن من شأن هذا الظلم الصارخ الذى قد يوقع على العرب وهذه المحنة القاسية التى قد ينزلونها بهم ، أن تفتح أعينهم على ما يتهدد كيانهم من أخطار ويجمع كلمتهم ويوحد صفوفهم على رد هذا العدوان

إن العرب لن ينسوا هذا الجرح الدامى الذى يصاب

به جسم الأمة العربية ، ولن يهدأ لهم بال حتى يعدوا العدة لاسترداد حقوقهم ، وسيعتصمون بالهدوء وضبط النفس حتى ينظموا مقاومتهم ويحكموا تدبير خطتهم ويكملوا عدتهم لدفع العدوان عن بلادهم ما دام الاحتكام إلى العدل العالمى لم ينصفهم .

أيها العرب . إنكم أمام خصوم أقوياء قد كملت عدتهم وحسن تدريبهم وكثرت أموالهم ، ومن ورائهم أمم قوية تؤيدهم وتبذل لهم المعونة ولن يجديكم معهم حركات طائشة مرتجلة ، ولا غضب متعجل جامح يضركم ولا ينفعكم ، فاحزموا أمركم واستعينوا بالصبر والكتمان ، ونظموا صفوفكم ، وادرسوا موقفكم وموقفهم بهدوء وحكمة ، وضعوا خططا دقيقة لتحقيق أهدافكم ووطدوا النفس على جهاد طويل تبلون فيه بألوان من الامتحان الشديد . إن الأمر جد ليس بهزل ، والموقف موقف عمل جاد حازم ، لا موقف ثرثرة وتظاهر وتشدق بالأقوال ؛ فاجمعوا كلمتكم ووحدوا قيادتكم ، والله معكم ، وهو القادر أن يكفيكم شر هذا العناء برجوع القوم إلى الصواب وخضوعهم للحق وجنوحهم للسلام .                           ( . . . )

اشترك في نشرتنا البريدية