الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 466الرجوع إلى "الثقافة"

Share

وأساليب التربية عندهم كانت هينة محتملة إذا قيست إلى أساليبهم فى معاملة الأعداء والخصوم ، والعبيد والمجرمين ، فكثيرا ما كانوا يذبحون سكان المدن التى يستولون عليها ويقتحمونها كما تذبح الشاة ، بعد جلدهم وضربهم ضربا مبرحا ، وقد انضمت مدينة كابولا إلى القرطاجنيين أثناء الحرب بينهم وبين روما . ولما أعاد الرومانيون فتح المدينة ألقوا القبض على مستشاريها وقيدوهم وجلدوهم وأطاروا رؤوسهم بعد ذلك ، ولم تكن معاملتهم للقواد أقل قسوة من ذلك ؛ فتينس بعد أن عاث فسادا فى أورشليم قبض على قائد اليهود جيورا الشجاع المقدام وجلده وقتله بعد أن شهر به , وكان كل من يقدم للقتل يجلد علانية قبيل الإعدام

وكانت القسوة كذلك بادية فى حروبهم الداخلية مثل الحرب بين سلا ومارياس ، وربما كان ذنب سلا أعظم لأنه كان يعتبر رجلا مثقفا على خلاف مارياس الذى كان جنديا فظا ؛ فسلا بعد انتصاره أمر بقتل ثمانية آلاف من الأسرى .

ولما كثرت الصارعات واتسع مجالها كان الأسرى لا يقتلون ، وإنما يسلمون للمدن المختلفة لاستخدامهم فى الألعاب ؛ ففى عهد الإمبراطور كلودياس قبض على بعض البريطان فأرسلوا إلى الملاعب ، وكذلك فى عهد تيتاس بعد استيلائه على بيت المقدس ، فإنه أرسل بفريق من أسرى اليهود إلى الملاعب لمنازلة الوحوش .

أما معاملة الرومان للعبيد فكانت من القسوة التى تقشعر لها الأبدان ، كان العبد الذى يعتدى على سيده يقتل ويقتل معه عبيد المنزل جميعهم ، وكانوا لا يترفقون بهم فى مرضهم أو شيخوختهم وضعفهم ؛ وكانوا يبيعونهم بيع السلع ويعتبرونهم أشياء مثل الجمادات ، وكانوا إذا ثقل حمل مركب يعمدون إلى إلقاء أحد العبيد المتقدمين فى السن باليم من قبيل التخفف من ثقل الحمولة ، وكانوا يعاملونهم

فى المدن المحصورة معاملة تمتاز بالقسوة ، فيجمعون ما بالمدينة من المؤن والعتاد ويحرم العبيد من الطعام ، ويضطرون إلى أن يعيشوا على الحشائش والأعشاب ، ولم تصدر قوانين لمنع التنكيل بالعبيد والإسراف فى ذلك إلا فى عهد الإمبراطورية بسبب تغير الأحوال الاجتماعية وانتشار الأفكار الإنسانية مثل أفكار سنكا وأمثاله من الفلاسفة الأخلاقيين ؛ فعند ابتداء الإمبراطورية صدر قانون بمنع السادة الأشراف من الحكم على عبيدهم بمنازلة الوحوش ؛ ومنذ عهد أنطونيوس بيوس كان العبيد يستطيعون أن يشكوا سادتهم إذا أساءوا معاملتهم وعنفوا بهم .

وألغى الإمبراطور هادريان حق السيد فى قتل عبده أو بيعه إلى الملاعب ، ويمتاز عهد قسطنطين بأن جعل قتل العبيد جريمة كسائر الجرائم .

على أن سبب رواج أمثال هذه الأفكار كان اقتصاديا محضا ، فبعد أن استقرت الإمبراطورية ووقفت الفتوح وتوجهت الجهود إلى التنظيم وتحسين الإدارة قلت المصادر التى يجتلب منها الرقيق ، ومن المعروف أن عدد الرقيق بلغ أقصاه عند ابتداء عهد الإمبراطورية .

على أن تحسن أحوال العبيد وترقى القوانين التى توصى بالرفق فى معاملتهم كان يقابله من ناحية أخرى تزايد صرامة العقوبات وطرق تنفيذها وأساليب الإعدام ؛ ففى عهد قسطنطين حدثت فظائع كثيرة مثل انتزاع اللسان وصب القصدير المغلى المذاب فى أفواه المجرمين .

أما مسارح المصارعة فهى من أسوأ النواحى فى حياة الرومان ، ونقيصة من أشد نقائصهم حلوكة سواد وخلوا من الرحمة والأريحية ؛ فعقب اكتساح قرطاجة وسقوطها كان يرمى أفريكانوس الأصغر الفارين الأجانب إلى الوحوش الضارية ؛ وهذا يبين أن الاستمتاع بمرأى الوحوش وهى تفترس الآدميين لم يكن فى عهد الإمبراطورية فحسب ، وإنما

كان سابقا لذلك ، وهذا مما يؤيد قول سنيكل " فى الروح الإنسانية تكمن القسوة كالوحش الضارى مكبلة بالقيود ، ولكنها متطلعة إلى الوثوب " .

وفى عهد الإمبراطور أغسطس قيصر كان الإعدام بالإلقاء إلى الوحوش عقوبة قانونية .

وأمثال هذه المناظر زادت القسوة فى نفوس الرومان وغذتها وتعهدتها وأيقظها من رقدتها ، فصار المجرمون والعبيد يرسلون إلى المسرح ليتمتع الجمهور بمنظر سيل الدماء وتمزق الأشلاء ، ويشنفوا أسماعهم بنغم الأهات المتصاعدة والتأوهات والآلام ، وكان الحاضرون من جميع الطبقات حتى العذارى الطاهرات الناعمات الرقيقات .

وكانت الضحايا ترسل إلى الموت بطرق مختلفة تكاد تتبارى فى القسوة والتنكيل والإيجاع والإيلام ، كان المجرم يربط إلى سارية وهو عريان أعزل لا يملك دفاعا عن نفسه ، وتتولى الوحوش بعد ذلك هرق عظمه ونهش لحمه .

وقد أخرجت روما ثلاثة رجال من المفكرين الأعلياء والكتاب النبلاء ، ولكنهم مع ذلك لم يرفعوا الصوت باستنكار هذه العادة المزرية الحاطمة للأخلاق والهادمة للشعور الكريم والإحساس المهذب ، وهؤلاء الثلاثة هم سيشرون وتاسيناس وسنكا ؛ وليس ذلك غريبا ، فقد كانت النزعة السادية متمكنة من نفوس الرومانيين أصيلة فى أخلاقهم ، وكان الرومانيون يستمدون السرور من هذه العادة السيئة ، لا بحكم التقاليد وحدها ، وإنما بحكم الدوافع السادية التى ترقد فى كل قلب والتى إذا استيقظت تتلهف على دافع أقوى وامتاع أتم ، وكان دافع حب القوة فى نفس الرومان يزيدها حدة وسطوة ، وكان لابد أن يتبع هذه القسوة والكراهة والظلم ظهور إنجيل الحب والعطف والإنسانية ؛ ومن ثم كان ظهور المسيحية السمحاء ضرورة لازمة ونتيجة محتومة واجبة .

اشترك في نشرتنا البريدية