يقول الأستاذ باطسن في رسالتين نشرهما سنة ١٩٢٢ : " إن العلم الحديث لم يحقق آراء الدارونية في أصل الأنواع ، بل لعله زاد هذا الأصل غموضًا " وما يزال عقم بعض الهُجُن مما يحير علماء الوراثة . والواقع أن تقدم علم الوراثة وتجاربه العديدة التي يجريها العلماء في مختلف بقاع العالم على أنواع عديدة من الحيوانات والنباتات كلها لا تزال بعيدة عن أن توضح مسألة " أصل الأنواع " .
وقد عزا " دى فريز " العالم النباتي الهولندي ، أصل الأنواع ، إلى التغيرات الفجائية التي سماها " الطفرة " وقد لاحظ حدوثها في تجاريبه على نبات Oenothera Lamarckians وقد ميز " دي فريز " بين التغيرات التى يعزوها إلى الطفرة ويرى أنها تنتقل وراثيًا من جيل لآخر ، وبين الاختلافات اليسيرة التي تكون نتيجة للتأثيرات البيئية التي تكتنف الكائن الحي ولكن نتائج " دي فريز " كانت محل نقد من غير واحد من العلماء الذين قالوا " صحيح أننا شاهدنا صورًا جديدة من نبات " يونوثيرا " ولكننا لم نر أنواعًا جديدة منه ، ثم إننا نشك في أن الآباء التي استنبتت منها هذه الصور كانت نقية الأصل !
ولتفسير هذه الظاهرة ، ظاهرة الطفرة ، نرجع إلى الصبغيات أو الكروموسومات ، وهي التي تحمل الصفات الوراثية في الكائن الحي ، وتنقلها من جيل إلى جيل . في نواة الخلية عدد من هذه الصبغيات ، ويعتبر هذا العدد ثابتًا في كل نوع من الأنواع النباتية أو الحيوانية وعند إنتاج الكائن الحي للخلايا التناسلية يختزل هذا العدد إلى
النصف ، وعند ما تتحد الخلية الذكرية بالبيضة في عملية الإخصاب ، يعود عدد الصبغيات إلى الرقم الطبيعي العادي الذي تحويه خلايا النوع .
ففي الهجين الطافر " يونثرا لانا "(1) الذي استنبت من أنواع مختلفة من جنس " يونثرا " ، وجد أن عدد الصبغيات فيه قد تحول فجأة إلى خمسة عشر ، على حين كان في أبويه أربعة عشر من الصبغيات فقط . فكأن صبغيًا جديدًا قد دخل النواة فغير نظام توزيعها . ولهذا الصنف صفاتٌ مغايرة لبني نوعه ، من أظهرها أنه لا يكاد ينتج حبوب لقاح ، إذ أن أغلب طلعه يكون عقيمًا ، ولذا فإنه لا يستطيع مغالبة ظروف الحياة ، ولا يمكنه المنافسة والتكاثر مثل بني نوعه وجنسه .
وفي بعض الحالات الأخرى ، يتضاعف عدد الصبغيات ، كما في " يونثرا جيجاس " ، وهو صنف شاذ في حجوم أعضائه وأجزائه ، فكأن تضاعف الصبغيات قد ضاعف من حجمه . على أن مثل هذه الحالات لم تزد العلماء يقينًا في قيمة الطفرة ، كعامل من عوامل التطور . بل إن الكثير منهم يتهكم بها تهكمًا هينًا حينًا ، ولاذعًا في أغلب الأحيان . وذلك مع اتفاقهم على أن قيمتها إنما تكون في إنتاج أصناف أو سلالات ، لا تحتمل الخلود والبقاء والتطور ، وإنما هي صور أو حالات خاصة ؛ إنما هو شذوذ يعتري الكائن ، ما زال الشك في قيمته التطورية قائمًا .
وقد تهكم الأستاذ " لوتسي " مرة بهذه النظرية تهكمًا مرًّا ، حيث قال : إن " دي فريز " كان كمن يستخلص
الفضة من خام الرصاص المحتوي على فضة ، ثم يقول إنه قد حول الرصاص إلى فضة .
ولقد كان " لوتسي " ينكر تأثير هذه الاختلافات الظاهرية اليسيرة التي تعتري الكائن الحي ، ويقلل من قيمتها التطورية ، كما يجحد إمكان إنتاجها لأنواع جديدة ، أو أنها يمكن أن تورث . ولكنه كان يعتقد أن العامل الأهم من عوامل التوريث التطوري إنما هو انفصال الصفات في الخلايا التناسلية ، كما شاهدنا في تجارب مندل ، من انفصال لصفات الطول والقصر في نباتات البسلة . فمن الناحية التطورية يمكن أن يقال إن نتيجة هذا الانفصال هو إيجاد صور نقية بالنسبة لصفة أو عدد من الصفات . ومن الخير أن نذكر أن هذه المزاوجة التي أجراها مندل ، وما نتج عنها من انفصال للصفات ، لم تنتج أنواعًا جديدة .
ولقد زاوج " لوتسي " بين نباتين لزهراتهما التويج المعروف ، ولكنه أنتج صنفًا ليس لأزهاره تويج ما . وطبيعي أن يُسر العالم بهذه النتيجة ، وأن يبني عليها آمالًا كبارًا ، فيما هو بسبيله من بحث عن أصل الأنواع وتطورها . ولكن نتيجة هذه المزاوجة ، كان صنفًا عقيما ، غير منتج ، ككثير من الأصناف التي تنتجها الطفرة .
ثم زاوج " لوتسي " بين نوعين من نبات " حنك السبع " فحصل على صور جديدة مختلفة في الجيل الثاني . فقد كان الكأس في بعضها تويجي الشكل واللون . وكان للبعض الآخر كيس عجيب ، تكون في الشقة السفلى للتويج ، واتخذ البعض الآخر صورًا تكاد تغاير نبات حنك السبع الأصلي .
ولعل الذي يطلع على نتائج " لوتسي " ويرى صور هذه النباتات التي استنبتها لا يخامره شك في أن هذه أنواع جديدة ، قد أمكن هذا العالم الحصول عليها ، وكذلك كان رأي " لوتسي " نفسه أول الأمر . فقد
اعتقد أن هذا التهجين الذي أجراه ، هو الوسيلة للحصول على أنواع جديدة .
وقد وقع كثير من العلماء في هذا الخطأ ، فأعطوا هذه الهُجُن الجديدة أسماء أنواع ، بدلا من صور أو سلالات أو أصناف ، واعتقدوا أن الأنواع الجديدة كانت تنتج في الطبيعة على هذا النمط .
وقد اتجه تفكير كثير من العلماء إلى أن التطور إنما يجري على سنن التخصص . وعلى ذلك فإن العوامل الوراثية تكون في تناقص مستمر . ومنهم من قال إن كل تطوري يجب أن يفترض أن الأجيال الناتجة التى درجت وانحدرت من أصل واحد ، إنما تكاثرت وتسلسلت في اتجاهات تطورية مختلفة ، تبعًا لما صادفها من تخصص أو مرونة في ظروفها . وأن العوامل الوراثية المفقودة ، إنما كان فقدها نتيجة طبيعية لهذا التخصص ، وذاك الاتجاه التطوري الذي تنحوه الكائنات .
ولقد كان لهذه التجارب العديدة ، التي أجراها العلماء في مختلف البلاد ، على العديد من الكائنات الحيوانية والنباتية ، كان لها أكبر الأثر في توضيح بعض هذه النظريات التى وضعت لشرح التطور . ولكن العقدة الأصلية ، وهي أصل الأنواع ، مازالت تنتظر الحل . وغني عن البيان أننا نحمل التجربة أكثر مما تطيقه ، إذا نحن طالبناها أن تثبت بما لا يدع مجالا للشك ظاهرة التطور . فما كان للتجارب التي تستغرق بضعة شهور أو أعوام ، والتي نجريها في المعمل أو الحديقة أو المربى ، ما كان لها أن توضح ما عملته الطبيعة في الأحقاب البعيدة التي تعاقبت منذ بدء الخليقة حتى اليوم ، في ملايين السنين ، وفي مختلف الظروف والعوامل .
ولا شك أن نظرية واحدة من هذه ، مهما تكن قيمتها ، ومهما يكن القائلون بها ، لا تكفي لمعرفة أصل الأنواع ، وشرح نظرية التطور ، فلابد أن الطفرة
والتزاوج وانفصال العوامل ونقصها . . . لا بد أن كل أولئك قد عمل عمله . فللتكاثر الجنسي أثره في إنتاج صور وسلالات مختلفة ، نتيجة للتزاوج والتهجين الذي قد يتم طبيعيًا ، ولعل للبيئة بعض الأثر في هذا الإنتاج ، فتتكون الصور التى تلائمها الحياة في البيئة التي تسوقها الظروف إليها . وعلى ذلك فإن " المندلية " بما صحبها من تجارب وتزاوج ، قد تدلنا على التغيرات التى صاحبت الكائنات .
ومع ذلك فقد ألقى " لوتسي " كثيرًا من الشك على هذه النتائج ، وإن كان قد نشر العديد من المجلدات ، بها البحوث القيمة حول أصل النباتات وتطورها ، وفيها عرض قوي لمسألة الرجوع إلى الأصل . وكذلك قال إننا نعلم أن التطور مستمر ، ولكن في اتجاهات مختلفة ، فقد يكون إلى أمام ، وقد يكون إلى وراء ، وقد يأخذ اتجاهات جانبية أخرى ، كأنما يسير في خطوط شبكية متقاطعة ، ولكننا لا نستطيع أن نجزم في أي من هذه الخطوط كان التطور . ولقد كان لتجاربه أكبر الأثر على آرائه ومعتقداته ، وخاصة تلك التي استنبت فيها صورًا جديدة لنباتات حشيشة الشرح ( ليكنس ) وحنك السبع ، حتى قال إن كل فرض ممكن ما دامت التجربة تدل عليه ، وتؤدي إليه
لقد نادى " دارون " بنظريته عن الانتخاب الطبيعي وتنازع البقاء ، وبقاء الأصلح ، وانقراض مالا يستطيع الملاءمة بين ظروفه البيئية وتركيبه . وقال إنه بتتابع الانتخاب للأصلح تتكون الأنواع الجديدة ، وباستمرار إضعاف غير الصالح فإنه ينقرض على الأيام . واعتبر البيئة أكبر عامل من عوامل التطور .
أما " المندليون " فالصفات أمامهم سواء ، تنقلها عوامل وراثية على الصبغيات التي توجد في النواة . وكل مالم تحفظه هذه الصبغيات ، وتنقله من جيل لآخر ، فإنما هي تغيرات ظاهرية لا تورث ، ولا أثر لها في تكوين الأنواع ، ولعلها تزول بزوال مؤثراتها . مع ملاحظة أثر
التهجين والطفرة في هذا الصدد ، وما قد تنتجه في بعض الحالات من صور جديدة .
ولكن .. كيف يجري الانتخاب طبيعيًا ؟ وهل يكون دائمًا نحو الأصلح ؟ ولعلنا نتصور للإجابة على ذلك ما يحدث عند ما تذرو الرياح بذورًا ما ، فإن بعضها يتساقط على الصخور وبعضها في الماء الجاري ، وبعضها وسط الأشواك ، ومنها ما يقع في أرض خصبة صالحة ، وهذه في الغالب هي التي يكتب لها النماء والإزهار والإثمار . ومن المحقق أن الصدفة وحدها ، كانت صاحبة الفضل في هذا الانتخاب ، الذي لم يكن لنوع البذور ولا مقدار حيويتها أي أثر في نمو هذه وانقراض تلك . فلا يمكن أن يقال إن مثل هذا الانتخاب ينتج الأصلح ، ويبقى عليه . ولقد قال " سكوت " بحق : " إن بقاء الأصلاح كثيرًا ما يعني خلود هذا الذي أمكنه البقاء " أي أننا نفترض الصلاحية فيما كان حظه البقاء .
ولقد ساعد على إنماء فكرة التطور ، وبلوغها هذا الشأو ، تقدم علم الجيولوجيا ، وما ظهر من حفريات لكائنات كانت تعمر الأرض في الأحقاب الغابرة . ومن الخير أن نلقي نظرة على هذه الأحقاب ، وما امتازت به من أحياء , لنرى أثر التطور والتدرج والرقي في هذه الكائنات على مر العصور .
قسم العلماء الزمن الجيولوجي الذي تتابع على الأرض مذ كانت الأرض إلى أحقاب . أولها الحقب الابتدائي ويبلغ نحو ٥٥ % من الزمن الجيولوجي الذي يقدره البعض بنحو ألف مليون سنة ، وتكونت إبان هذا الحقب طبقات رسوبية سميكة من الصخور ، ولكن لم يثبت وجود أي أثر للحفريات فيها ، مما يدل على أن الحياة لم تكن ظهرت بعد على الأرض ، أو أنها كانت موجودة ولكن لكائنات حيوانية أو نباتية دنيئة بسيطة التركيب ، كالطحالب والفطريات . وثانيها حقب الحياة القديمة
( الباليوزوي ) ، ويمثل نحو ٣٠ % من مجموع الزمن الجيولوجي ؛ وتدل الحفريات التي وجدت بين صخوره على أن سطح الأرض وجوف البحر كانا عامرين بأنواع مختلفة من الكائنات الحية ، منها ما انقرض الآن تمامًا ، ومنها ما زال تمثله بعض الأجناس والفصائل ؛ فهناك الحيوانات القشرية والشعاب المرجانية والحيوانات المحارية ، وكذلك ظهرت الأسماك وغالبها غضروفي ، وكذلك ظهرت الحيوانات البرمائية قرب انتهاء ذلك الحقب ، ولم يكن للثدييات أو الطيور أي أثر بين طبقات ذلك الحقب . وظهرت من النباتات بعض الحزازيات والسراخس وغيرها من النباتات اللازهرية ، وكذلك ازدهرت بعض السراخس البذرية وبعض الصنوبريات .
ثم عقبه حقب الحياة الوسطي ويبلغ نحو ١١ % من مجموع الزمن الجيولوجي ، وكثرت فيه الشعاب المرجانية والقنافد البحرية والحيوانات المحارية الرخوة والحشرات ، ومن الحيوانات الفقارية الأسماك ، ثم نشأت الزواحف ، وقد بلغت بعضها حجومًا هائلة ضخمة ، كما تدل على ذلك هياكلها العظمية المتحجرة . وكانت هذه الزواحف على أنواع مختلفة : فمنها ما عاش في البحار ، ومنها الأرضي ، ومنها ما كان يطير في الهواء ؛ وفي أواخر هذا الحقب نشأت أنواع من الطير ذات أسنان . كذلك بدأ ظهور الحيوانات الثديية في أواخر هذا الحقب .
أما نباتات هذا الحقب فقد كانت هي الأخرى أرقى من نباتات الحقب السابق ، وفيه انقرض بعض الأنواع السابقة ، وازدهرت المخروطيات من معراة البذور ، كذلك ظهرت النباتات الزهرية الراقية .
وفي حقب الحياة الحديثة ، بدأ ظهور الفصائل والأجناس الحالية من حيوانات ونباتات ، كما بادت بعض الأجناس كالزواحف الكبرى . والطيور ذوات الأسنان ، ومن
الحيوانات الفقارية سادت الثدييات وتفوقت على باقي أنواع الحيوانات ، وانتشرت أنواع كثيرة من النباتات المزهرة ، وفيه بدأ ظهور الإنسان . ويبلغ هذا الحقب نحو ٤ % من مجموع الزمن الجيولوجي .
وقد قسمت هذه الأحقاب إلى عصور ، لتسهيل دراستها ، ومعرفة ما كانت تتميز به ؛ فيقال العصر الفحمي والعصر الطباشيري وغيرهما .
من ذلك يتبين أن الأرض لم تكن عامرة بنفس الأنواع النباتية والحيوانية التي نراها اليوم ؛ ولكن كانت تعمرها في مبدأ أمرها كائنات أخرى انقرض منها الكثير ؛ كما يلاحظ أن هناك تدرجًا في الرقي ، مما حدا بالتطوريين أن ينادوا بآرائهم ، فجمعوا بين الكائنات الحية في سلسلة متصلة ، حاولوا جهدهم إحكام ربط حلقاتها ....
هذه بعض فصول قصة التطور ، أرجو أن أكون قد وفقت في عرضها . ولعل القارئ يرى معي أن المسألة ليست من البساطة بحيث تلوكها الألسنة في سهولة ويسر . فقد ظهرت فكرة التطور منذ أكثر من خمسة وعشرين قرنا ، حين نادى بها حكماء الإغريق ، وظهر لتفسيرها العديد من الآراء والنظريات والفروض ، وأجريت بصدد هذه وتلك آلاف التجارب على مئات الأنواع من الحيوانات والنباتات ، وكتب في ذلك ما لا يحصى من الرسائل والمجلدات . وقد تقدم العلم بسبب هذه البحوث تقدما عظيمًا جدًا ، غير عابئ بنجاح نظرية أو هدم أخرى . إنما هو يزيد في ثروتنا العلمية ، فيزيدنا معرفة بحقائق الوجود ، كما يزيدنا إيمانًا بمبدع الوجود تباركت أسماؤه .
المراجع : ١ - سكوت : الحفريات النباتية 2 - دارون : أصل الأنواع ٣ - باطسون : التطور والشكوك الحديثة 4 - لوتسي : التهجين والتطور
