الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 122 الرجوع إلى "الثقافة"

2 - هينريش بارت، رحالة جرئ موفق

Share

خلاصة ما تقدم : [كان هينريش بارت شابا ألمانيا فى الثامنة والعشرين ، درس الفلسفة ، وشغف بالجفرافيا ، وولع بالأسفار ، فلم يلبث أن اختير عضوا فى بعثة انجليزية لارتياد الصحراء الأفريقية الكبرى والتوغل فيها جنوبا إلى بلاد وعرة خطرة . وقد زامله فى رحلته إلى تلك الأصداع أوربيان ، هما رئيس البعثة ريتشارد صن الانجليزى وعضوها الدكتور أوفروج الألمانى ، فخرجوا جميعا من طرابلس في سنة ١٨٠٠ ورافقهم بعض أهالى البلاد العارفين بمسالكها , وحملوا من الهدايا والبضاعة الشئ الكثير ، فأغرى بهم هذا بعض المرافقين وبعض المقرضين ، فتعرضوا فى الطريق للأخطار ولقوا الأحوال ، وانتابهم المرض كرة بعد أخرى ، وقضى بارت يومين فى الصحراء وحده بلا زاد ولا ماء ، بعد إذ انفصل عن القافلة وضل الطريق . ثم اهتدى رفاقه إليه ، واستأنفوا التوغل فى الصحراء ، وأصابهم من بعض الأهالى ضر لم يلبث أن انكشف ، وخيروا فى بعض مراحل بين الإسلام والموت ، ثم افتدوا أنفسهم بالمال . ووصلوا آخر الأمر إلى تنتلوست ثم إلى دامرجو ، ثم تواعدوا على اللقاء فى كوكا عاصمة بورنو ليدخلوها من مسالك متفرقة ]

واتجه بارت جنوبا بغرب إلى أرض " حوصا " , وزار موضعى كانسينا ، وكانوا فى " سكونو " . وإذ هو فى طريقه إلى كوكا أبلغه بعض الأهالى أن ريتشارد صن رئيس بعثته قضى - فى الطريق إلى كوكا - نحبه ، فلم يصدق الخبر بادئ الرأى ، لكنه لم يلبث أن أكده له آخرون ، فتابع المسير ، وقد نالت منه الوعناء وفجعته فى رفيقه كثيرا . ولاحت له كوكا فأكرم مثواه فيها الشيخ عمر أمير بورتو ، وبالغ فى إكرامه ، على الرغم مما بدا من رثائته ، وحقارة مظهره .

واتخذ كوكا مكانا مختارا يخرج منه الحين بعد الحين ليستطلع أحوال البلاد ، واستصحب بعض رجال الأمير فى بعض غدواته حول بحيرة تشاد بأمر الأمير , وقبل أن يقدم على ارتياد المجهول وصل زميلة (( أوفرويج )) إلى كوكا ، فقوى هذا من عزمه . وكان أحد الأهالى قد حمل إليه نبأ اقترابه من كوكا ، فخرج فى الحال إلى لقائه . خرج ممتطيا جواده عارى الرأس ، وقد غفل عن ستره

فى هذا الأوان من القيظ الصاخد ، من فرط سروره بمقدم رفيقه . وكثيرا ما تعرضت الرؤوس للأخطار فى هذه الأجواء والأصفاع .

وألفى صديقه فى ظل شجرة ، ووجده عندها مرهقا متخاذلا ، وليس كما رآه حين فارقه من أربعة أشهر مضت . وقص عليه الصديق ما يلقى ، وأنه يخشى أن يلحق قريبا بزميلهما ريتشارد صن . وقد يكون موت الرئيس قد هزه ، وقد يكون تعب الطريق وما لقيه من الضيق قد نالا منه ؛ لكنه لم يلبث أن استرد نشاطه وجعل يجوب أنحاء بحيرة تشاد ، ويجول بزورقه فى أرجائها . ثم فارقه بارت وتابع الاستطلاع وحده ؛ فقصد فى بعض (( نزهانه )) إلى (( عضماوه )) الواقعة جنوبى بورنو ، وكان الطريق إليها محفوفا بالمصاعب ، والعقبات فيه تعترض الانسان والحيوان : (( فكانت الغاية فى بعض مسالكها تزخر بآجام البوص حتى ليغطي من طوله او تطاوله الجواد وراكبه على السواء ، فيشقان لنفسيهما الطريق

بشق الأنفس . وكانت الأرض مستتقيمة ، مليئة بالحفر، تجعل المرور فى النصف الأخير من فصل الأمطار أمرا متعسرا إن لم يكن مستحيلا )) .

وكثيرا ما تهب العاصفة فتنفى الراحة التى طالما اشتيق إليها بعد هذه المتاعب ، وينهمر المطر مدرارا ، ويفيض السيل جارفا ، ويتسرب الماء إلى الخيام ، ويبلل المتاع .  لكن أمثال هذه المتاعب لم تكن لتوهن من عزيمة رجل كبارت ، تشربت روحه حب الكشف ، وانطوت نفسه على المثابرة مهما يكن من أمر . وقد كان توغل إذ ذاك فى الجنوب ، واقترب من (( بنوه )) فرع النيجر ونهيره العظيم . قال :

(( كان الصباح باهرا ، والطبيعة بأسرها ندية ، منتعشة من إعصار الليل المطير . وكان ذهنى أحضر مما هو عادة ، وحواسى يقظة متحمسة للظفر الذى أصبت ، أفأبلغ اليوم النهر الذى لبثت أفتش عنه بمختلف الوسائل والطرق ، والذى سمعت عنه الكثير واشتهيت أن أراه ؟ وغمرنى السرور ، واستغرقتنى مشاعرى ، حتى لم أفطن إلى ما كان يتبادله رفاقى من سخف القول ، وقد نالت منهم المسغبة ، وجعلوا يتشاجرون .

(( ومن أسلم نفسه مرة للتصورات الطليقة فى حلم من أحلام الشباب ، وتوخى يوما عرضا عظيما ، أدرك ما كانت تفيض به نفسى من الإحساسات حين ألقيت من ضفة النهر نظرة على مناظر النهر . فقد تولتنى غبطة صامتة ، وجعلت  أتأمل الأرض الغنية كيف جادتها الطبيعة وسخت ، ولم تبخل ، وكيف أعدتها للأجيال المقبلة لتكون مجالا لنشاطها . فقد كانت الطريق هنا مفتوحة ، والمنفذ هنا معدا لقوى جبارة مكتسحة هى قوى الشمال .

(( فى هذه الغبطة الصامتة كنت أتأمل النهر وأتأمله

طويلا . فقد كانت هذه اللحظة من أسعد ما مر بى فى حياتى . وقد ولدت على ضفاف نهر عظيم بجوبه الملاحون ، وشغفت نفسى منذ الصغر بمناظر الأنهار ؛ وعلى كثرة ما أنفقت من سنين فى دراسة العاديات والآثار لم أفقد هذا الباحث الفطرى ؛ فكنت أجمع بين السفر والدرس ، وكنت أدرس فى خلال الأسفار ، فلم يكن أندى على نفسى ، ولا اشرح لصدرى من متابعة المياه الجارية من منابعها ، والانحدار معها لأرى كيف تحول جداول وغدرانا ، ثم متابعة الجداول والجمالر لأرى كيف تحول أنهارا تجري لتغيب آخر الأمر فى المحيط .

(( فالآن أستطيع أن أقف " ببنوه " ، ذلك الفرع العظيم ، لأتحدث عن اتجاهه وطبيعته وأراه رأى العين . إن ههنا ما يبرر الأمل الثابت فى أن تنقذ تجارة أوربا ، وينفذ نفوذها إلى قلب هذه القارة على امتداد هذا الطريق الطبيعى ، وان تلقى عنه تجارة الرقيق التى تقضى على بذور الهناء فى النفس البشرية ، وتنشر الخراب واليباب من حولها . ))

وقد نفذت تجارة اوربا ، ونفذ نفوذها إلى قلب أفريقيا ، واستعمرت كل جارحة فيها ، وتولى الواقع الرد على تلك البواعث الانسانية الأولى ، وأمكن التجارب أن تشهد كم سخرت الغريزة العلم ، وكم سخرت منه !

وبلغ بارت بعد هذه الرحلة الموفقة عاصمة (( عضماوه )) وأمل بوصوله أن يلقى حفاوة تعينه على غرضه ، وأن يتابع توغله جنوبا ليتمكن على الأقل من فحص جانب من حوض النهر ، فقد سمع عن غنى هذه الجهات شيئا كثيرا ، ورجا أن يرى منها ما يمكن رؤيته .

ولقى بارت الحفاوة التى أمل ، لكنه سرعان ما انقلب القوم فى (( بولا )) عاصمة (( عضماوه )) عليه ، إذ خشوا أن يكون عينا لسلطان بورنو عليهم ، فأخرجوه من

(( بولا )) ولما يبرأ بعد من حمى أصابته عند دخولها . وبينما كان القوم يتداولون فى أمره كان الضعف قد أوهنه أيما إيهان ، ورماه الانفعال بنوية شديدة ، فساءت حاله إلى حد أن بات عاجزا من امتطاء جواده ، وتحمل حرارة الشمس ، وسقط من فرط الاعياء على الأرض ، لكنه تحامل على نفسه واعتلى جواده ، وارتمى بكل ثقله فى الركاب ، واحكم قبضتيه على السرج ، ومضى على هذه الحال من الاعياء تارة ، والاغماء تارة أخرى ، وقد حبطت كل مشروعاته الأخرى .

وعاد بارت إلى كوكا عودا أسيفا محزنا ، لكن حرارة اللقاء فى كوكا اذهبت عنه بعض الحزن ، ونشطت أعضاءه المنهوكة .

ولقى أوفروج في كوكا بعد عودته من تجوال فى الجنوب الغربى من مناطق بورنو الجبلية ، وقيامه فيها برحلة ممتعة . لكنه على الرغم من هذا كان يزداد ضعفا ويعاوده المرض كرة بعد اخرى . ولم ينفع معه مقامه على ضفاف بحيرة تشاد ، فظل يذوى حتى فاضت روحه ، وخلف بارت وحده فى تلك القارة الغريبة .

وكان المعقول والمنتظر أن يهن باررت بعد أن قضى زميلاه ورفيقاه الأوربيان ، وبات وحده فى هذه الديار ؛ لكنه من عجب أن يقدم فى تلك الحال على أجرأ جانب من مغامرته وأخطره . فقد سافر إلى (( تمبو كو )) مدينة الصحراء المحفوفة بالأسرار التى لم يعد منها أوربى قبله حيا .

وكان سفر بارت نهرا فى أغلب الأحوال ، وسر الرحالة أن يسافر فى نهر النيجر ، وهو الشغوف بتعقب مجارى الأنهار . ولم يكن على غرار هورتيمان وبوركارت اللذين بالغا فى الحيطة فتزييا بزى المسلمين ، بل كان شخصا أخر لم يرد أن يخلع رداء أوربيته أو مسيحيته فى

أية مرحلة من مراحل سفره . على أنه اضطر فى آخر مرحلة إلى تمبوكو أن يخرج عن عادته ، ويلبس لهذا الظرف لبوسه ، وإلا لما وسعه أن يدخل تلك المدينة حيا .

وفاتح بارت شيخ تمبوكو فى أمره ، وأطلعه على دخيلته ، فكان به جد حيفى ، وأكرمه وأضافه ، لكن أمره ذاع فحنقت لوجوده الدهماء ، ونار وجوه المدينة ، وطالب أمراء من الزنوج الأجانب عن تمبوكو   بنفيه من البلاد ؛ فوجد الشيخ أن ليس من المروءة أن يدفعه إلى أنياب الأسد ، وأنه لينالن من هيبته إن فعل ، فاستبقاه .

ولبث بارت فى المدينة المشبوهة ثمانية أشهر عانى فيها المرض والقلق وساورته المخاوف ، وتسرب التشاؤم إلى نفسه المسكينة ، فأوهنها بعض الشئ وجعلها تفقد الأمل لحظة . لكن كل ظرف إلى ختام ، فجاء أخيرا أوان الخلاص ؛ وصحبه شيخ تمبوكو قطعة من الطريق ، وعاد إلى كوكا ليلقى فى الطريق إليها بين (( كانوا )) وبينها الدكتور فوجل يفتش عليه بعد إذ استبطئ وخيف عليه الموت ، قال :

(( رأيت بغتة شخصا غريب المظهر يقبل على ؛ وكان شابا ، أبيض البشرة ناصعها ، لا تنم قلنسيته على أنه من أصحابها . وسرعان ما استبنت فى مرافقه الأسود الراكب إلى جانبه خادمى الذى كنت تركته فى كوكا ليشرف على منزلى فيها . وهرع فوجل إلى ، وكان لقاء حبيبا ، لم يكن فى الحساب )) .

وإذ يبلغ بارت كوكا عاوده الحنين إلى وطنه ، والرجاء فى أن يصل إليه سالما ليفضى بنتائج رحلته ، ويبرئ منها ذمته . وماطله شيخ بورنو وسلطانها ، وسوف ، وأراد ان يستبقيه عنده ما أمكن الاستبقاء ، ثم أفرج عنه آخر الأمر وزوده بتمنياته الحسنة . وانحدر بارت

إلى الشمال ، ومر ثانية بمرزوق وطرابلس ، وبلغ فى آخر المطاف مرسيليا فى سنة ١٨٥٥ بعد خمس سنوات قضاها فى الغربة الموحشة ، تتقاذفه المصائر ، مصير بعد مصير .

وكرمته انجلتره وفرنسا ، وكرمته بلاده ألمانيا رحالة موفقا . لكن حظه بعد رحلته لم يكن كله تكريما ، فسرعان ما تحول الرأى العام من تقريظه إلى نقده ، ورفعت العقائر بأنه لم يفد العلوم الطبيعية بشىء من كشوفه ، ولم يكن على أى علم بهذه العلوم .

ولم يزعم بارت بأنه بهذه العلوم عليم ، ولم ينل من ناتئج رحلته أنه كذلك ، ففسرت الضجة بعد حين بعد

إذ طقت زمنا ، وهددت باكتساح ما أداه لعلم تقويم البلدان فى سبيل ما لم يؤده للعلوم الطبيعية .

ولم يصرف بارت هذا الانتقاد عما خلق له ، ولم تتلف نفسه مرارته ، فعاد إلى أسفاره من جديد . وطاف بآسيا الصغرى ، وظل يتنقل بين إيطاليا وأسبانيا وتركيا . وحتى بعد أن عين فى سنة ١٨٦٣ أستاذا للجغرافيا بجامعة برلين كان لا يقوى على مغالبة هذه النزعة إلى السفر ، فكان يخرج كل عام . وفى سنة ١٨٦٥ ودع الحياة وهى أزهر ما تكون فى نفسه وأفقه .       ودعها فى الخامسة والأربعين .

اشترك في نشرتنا البريدية