إذا قلت المسرح الفرنسى عنيت الباريسى ، وباريس قلب فرنسة ورأسها ، والمسرح الباريسى على أنواع ، والنوع الذى ينصرف إليه ذهنى ههنا إنما هو الوقوف على الفن الخالص أو الضارب إليه .
وهذه ثلاث سنوات يخرج على المسرح الفرنسى كسوة آخذة فى الشحوب . ومما لا شك فيه أن فى فرنسة ممثلين مهرة ، ومخرجين على دراية واسعة واثقة ، ومسارح قائمة ومفلحة . وليس فى نيتى أن أبين كيف أفلت التمثيل من القيود الاتباعية ( كمثل جمود الإلقاء ) ، وكيف اتصل الاخراج بلونى الحياة : الواقع والموهوم ، بفضل رجال مثل انطوان Antoine ، وبول فور Paul Fort , وليغينى بو Lugne-Poe وكوبو Copeau , وتلاميذه ، وبفضل ارتقاء المسرح الأوربى ، ولا سيما المسرح الروسى والانجليزى والألمانى . فانما مثل هذا
التبيين يلحق بتاريخ فن المسرح ، وحديثى عن التأليف المسرحى لهذا العهد .
إنما المسرح الفرنسى يعوزه التأليف الجارى على أسلوب منزه عن الاصطلاح والاختلاق والتقليد ، ومرفع عن مسابيرة أهواء العامة ، والتأثير القريب النور . وإن أنت سرحت نظرك فما يؤدى على خشب المسارح أصبت مسرحيات معدودة لها شأنها ، وفى طليعتها مسرحيات لبول كلوديل P. Cleodel , وموريس ميترلنك M. Maeterlinck ، وجبربيل مارسيل G.Marcel وجان جيرودو J. Gereodoux . والغريب أن طائفة من هذه المسرحيات غير مستحسنة ، لأن أصحابها ينظرون إلى الفن من حيث إنه فن ، فيأبون أن يعدوه تسلية أو مدرجة لذيوع الصيت .
أما كلوديل فمتهم بالاستغلاق والتصوف ! وأما ميترلنك - وقد غادر المسرح منذ سنين - فمرمى بإيثار الحديث الباطن وتغليب الرضى على الإيضاح . وأما جبرييل مارسيل فالمتعارف عنه أنه مشغول بما وراء الطبيعة . وأما جيرودو فحظه عال , وأظنه أقرب المؤلفين إلى قلوب النظارة وأجلهم مكانة فى أنفسهم ؛ غير أن علو قدره يرجع إلى صفاء أدبه بقدر ما يرجع إلى ولع الفرنسيين بشخصه ، لأنه أديب الساعة أو أديب (( الموضة )) auter a la mode كما يقولون هنالك . ومهما يكن من أمر جيرودو فانه لا ينحرف كثيرا عن الأدب الفرنسى المشبع ، بالرغم من رمزيته وفنطاسيته fantaisie ( كما قالت العرب بعد اليونان ) ، ذلك بأنه يغترف من الأدب الإغريقى ، ويعمد إلى المطرف ، ويستعين بالحذق الذهنى ، وينمق الأسلوب .
وهنالك غير هؤلاء المؤلفين ، أذكر منهم كوكنو
Cocleeu ولينورمان Leoonermaen و موريس مارتان دى جار M. M. du Gurd وسالا كرو Salacrou وباسور S. Paseur , فضلا عن المؤلفين الأجانب الذين ظفروا بالنجاح فى باريس .
وإذا نحن عرضنا المسرح فى الخريف الماضى ١٩٣٨ وجدنا المسرحيات قد خرجت من جانب التأثر الدفين والإيحاء والفكر المكتوم والرؤيا الساحرة ، إلى جانب التصوير الواقعى ووصف الأخلاق المرذولة وإبراز الحياة المضطربة فى مظهرها لا فى مخبرها ، والإشارة إلى شواغل اليوم من سياسية واجتماعية .
وأكبر دليل على أن للطريقة الواقعية الغلبة أن فرقة الممثل الروسى بيتويف pitoeff (1) - وهى المنصرفة إلى المسرحيات الناهضة على ما دون الواقع من الحياة الباطنة وما وراء الواقع من الحياة المتخيلة - أخرجت مسرحية لبرناردشو B. Shaw ، منقولة إلى الفرنسية بهذا العنوان (( المال لا رائحة له )) . وهى (( مهزلة )) Comedie لها غاية معينة ، قائمة على اللذع ابتغاء التهذيب .
وإليك دليلا آخر ، قصته أن كوكتو - وهو المؤلف الذى طالما حير العقول بشعره وقصصه ومسرحياته ، ثم بشذوذ خلقه وتطرف عاداته واشتهر بأنه مؤلف مكعبى cobiane - وضع مسرحية Leu parcats Teribice تعود بنا إلى المأساة المفرطة Melodrame , أسلوبها مباشر هزاز للأعصاب الخدرة ، أعصاب طبقة البرجوازى ( طبقة أهل الثراء )
وأما وصف الأخلاق المرذولة لأجلها لا لأجل الفحص عن الطبيعة البشرية فمبذول فى مسرحية كوكتو
هذه حيث الأم مغرمة بإبنها ؛ وفى مسرحية أخرى عنوانها (( آدم )) لمارسيل آشار حيث الرجل ينجذب عن المرأة إلى رجل آخر ؛ ومسرحية ثالثة عنوانها (( فرلين )) لموريس روستان ، تقص قصة الشاعرين المتحابين فرلين ورامبو , وقد كان فى ظننا ان هذا اللون من التأليف ذهب بذهاب هنرى بافاى H. Bafaille ، وإن حاول أميل بروردى E. Bourdet أن يبعثه بعد الحرب العظمى ، ولنورمان أن يشده بنتائج فرويد المتصلة بالعقل الباطن .
وأما إبراز الحياة المضطربة فى مظهرها لا فى مخبرها على طريقة الابتداعيين ( الرومانتيك ) فملموس فى المسرحية التى جرؤت الكوميدى - فرانسيز على إخراجها ، وعنوانها (( الألوان الثلاثة )) Tricodoic ( رمزا إلى العلم الفرنسى ( من تأليف لسترنجيز Lestringuez . ففيها ما تشاء من صراخ وخطابة ومشاهد منتفضة ونفاضة ، وأحوال مستحيلة ، على رأسها جميعا فكرة لا محصول وراءها .
وأما الاشارة إلى الشواغل السياسية والاجتماعية ( كما صنع أرسطفان قديما فى مسرحيتيه (( السلام )) و (( الزنابير )) ) فظاهرة فى المسرحيتين اللتين أداهما الممثل دولان Ch. Duilin فى مسرح (( الأنبلبيه )) : الأولى (( بلوطوس )) لأرسطفان مع كثير من التصرف على يد المغنيسة الآنسة جوليفيه Jolivee ! والثانية (( الأرض مستديرة )) لأرمان سالا كرو ، وهى تروى قصة سافونارولى Savonarole القس الحاكم بأمره فى مدينة فلورنسة . أما هذه فتشير إلى مساوئ الحكم المطلق ( ههنا تعريض بموسولينى وهتلر ) ، و أما تلك فتشير إلى فداحة الضرائب و لؤم الذهب وجلالة الكد ، وضرورة الفقر
( ههنا تعريض بمشكلات الأمة الفرنسية ) (١) أضف إلى كل ذلك أن المؤلفين ما خلا جيرودو وبرناردشو أداروا على شفاه أشخاصهم ألفاظا ساقطة مبتذلة ( كما صنع ارسطفان قديما فى (( مجتمع النساء )) L' Assemblee des femmes ، وموليير أحيانا ) رغبة فى تقريب لغة المسرح من لغة الطريق ، بل قل رغبة فى استمالة الجمهور الخشن . وليعفن قلمى من إيراد الأمثال . وحسبك تلك اللفظة التى يجرى على ألسنة الفرنسيين ساعة بغضبون ....M , وتلك اللفظة التى يعبر بها القوم عن الملامسة ....b , ثم تلك اللفظة التى تدل على ناحية من نواحى الجسم .... c , ومن المسرحيات التى كثرت فيها تلك الألفاظ حتى إنها أثارت اشمئزاز النظارة (( الأسرة الأولى )) للشاعر جول سوبرفيبل , و (( بلوطوس )) لارسطفان و (( أرون أوف فيفرشام )) المنسوبة لشكسبير ومقتبسها لنورمان .
فى أن المؤلفين - سوى الذين ذكرتهم فى مستهل هذا المقال وسوى غيرهم ممن هجر التأليف على ما يبدو ، مثل جانتليون Gantillion صاحب مسرحية (( مايا )) المشهورة ، وروما Romains صاحب (( كنوك او انتصار الطب )) - عاجزون عن الابتكار ، حتى إنك تلمس فى مجرى المسرحية أو فى مطوى من مطاويها أثر هذا أو ذاك .
ومن الأمثلة أن مسرحية كوكنو المتقدم ذكرها ومسرحية آشار ( ((آدم)) ) ترجعان إلى طريقة هنرى باتاى ، وأن (( الألوان الثلاثة )) تدخل فى المأساة المفرطة
الشعبية ، وأن الجزء الثانى للفصل الأول من (( الأرض مستديرة )) مسير على أسلوب شكسبير ، وأن (( هنالك )) La-Bas ( وهى مأساة بين الابتداعية والواقعية ) من تأليف مدام تتاينا Titayana (على مسرح يتوبف ) تذكر بفيكتور هوجو وأسكرويلد وشعر بودلير ، وأن (( ليلة اللصوص الراقصة )) ( وهى مهزلة تهريجية ) من تأليف أنومى Anomih ( على (( مسرح الفنون )) ) ترتد إلى موليير وسكريب Scribe , وأن فى (( القرصان)) لمارسيل آشار ( على مسرح لويس جوفيه Jouve ) بعض أساليب بينردللو Pirandello , وأن (( اسمودية )) Asmodie من تأليف فرانسوا مورياك F. Mauriac ( على مسرح الكوميدى فرانسيز ) تجرى على طريقة تشيكوف Tchekovv من حيث تقديم الأشخاص من الجنب لا من الوجه ، ثم تستوحى راسين Racine فى العرض النفسانى .
هذا على أن تهمل المسارح الموسومة بمسارح البولفار Théâtres de boulevard فالمؤلفون هنالك - أمثال بورديه وبرنشتين Bernsiein وساشا جيترى S. Guitry لا يخرجون عن المراسم المتواضع عليها للمهزلة ، والمأساة المفرطة ، وما يسمونه (( المأساة البرجوازية )) le drame. bourgeois . فالحل الأول فيها جميعا للكلمات الظريفة les licelices d'auteur وألوان العشق المريب وحيل الصناعة les licelies da medier . فأولئك المؤلفون يخلفون دوماس الابن وساردو وباتاى ، وروبير دى فلير ، وكانابيه وفيدو ، وأضرابهم الدين استخفوا بجلال الفن المسرحى وصدقه وبعد غوره .
والدليل على ان مسرحيات اليوم ليست بشئ عظيم ، وأن الجمهور لا يروى بها ظمأه ، وإن صفق وضحك أو
انتفض وبكى ، أن طائفة من المسارح لا تنفك تؤدى كل سنة مسرحية لفحول المؤلفين من قدماء ومحدثين ، على رأسهم أرسطفان وبن جونسن ، وشكسبير ، وموليير ، وجوته ، وموسيه ، ثم إبسن أو بيرندلو أو ناجور أو كلوديل أو أحد من الروس .
أما أرسطفان وبن جونسن فعلى مسرح دولان . وأما شكسبير وموليير فتارة هنا وتارة هناك . وأما جوته فعلى مسرح باتى . وأما موسيه فعلى مسرح الكوميدى فرانسيز . وأما إيسن وتاجور فعلى مسرح بيتويف . واما بيرندالو فبين مسرح دولان ومسرح بانى ومسرح بيتويف والكوميدى فرانسيز . وأما كلوديل فبين هذين الأخيرين .
كل ذلك فضلا عن مسرحيات الاتباعين الفرنسيين وفى مقدمتهم راسين وكورنبى . فتؤدى على أسلوبين ، أحدهما اتباعى على نحو ما تؤدى فى الأوديون ، والأخر مستحدث على ما جرى لمسرحية موليير le misanthrope (النافر من الناس ) على مسرح الامباسادور Ambassadeur . وربما أخرجت هذه المسارح مسرحيات جديدة لغير الفرنسيين : فقد أدى مسرح ال Vieux Colombier مسرحية لمؤلف أمريكى (إيت لافيرى ) عنوانها (( الجيش الأول )) , ثم أدى (( مسرح الفصول الأربعة )) ، مسرحية لمؤلف تشيكوسلوفاكى ( كارل تشابك ) عنوانها (( أولادنا )) .
*** ومجمل القول أن التأليف المسرحى لهذا العهد فى فرنسة على جانب عظيم من الاضطراب فى جملته ، ذلك بأنه يقصر من أن ينمو نموا طريفا ، وبأنه ينزل إلى أهواء سواد الجمهور الراغب عن اللذة المعنوية المحضة . وقد قيل إن السبب فى ذلك يرجع إلى سلطان الصور
المتحركة ، وإلى غلاء تذاكر المسرح بسبب الضرائب ، وإلى رواج مسارح البولفار التى لا تعمل للفن الخالص ، وإلى طغيان الإخراج على النص ، وإلى استرخاء همم أصحاب المسارح الذين دأبوا فى إحياء فن التمثيل ثم قنعوا بالوصول ، وإلى . . . وإلى . . .
وكيفما كانت الحال فان التأليف المسرحى هنالك غير مرضى على وجه العموم . وفى الفصل الآتى سأبسط أراء النقاد فى ذلك ، وأذكر مسمى فرق التمثيل الجديدة فى سد الخلل .

