الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 129الرجوع إلى "الثقافة"

2 - التأليف المسرحى، فى فرنسة (١)

Share

إذا قلت المسرح الفرنسى عنيت الباريسى ، وباريس قلب فرنسة ورأسها ، والمسرح الباريسى على أنواع ، والنوع الذى ينصرف إليه ذهنى ههنا إنما هو الوقوف على الفن الخالص أو الضارب إليه .

وهذه ثلاث سنوات يخرج على المسرح الفرنسى كسوة آخذة فى الشحوب . ومما لا شك فيه أن فى فرنسة ممثلين مهرة ، ومخرجين على دراية واسعة واثقة ، ومسارح قائمة ومفلحة . وليس فى نيتى أن أبين كيف أفلت التمثيل من القيود الاتباعية ( كمثل جمود الإلقاء ) ، وكيف اتصل الاخراج بلونى الحياة : الواقع والموهوم ، بفضل رجال مثل انطوان Antoine ، وبول فور Paul Fort  , وليغينى بو  Lugne-Poe  وكوبو Copeau , وتلاميذه ، وبفضل ارتقاء المسرح الأوربى ، ولا سيما المسرح الروسى والانجليزى والألمانى . فانما مثل هذا

التبيين يلحق بتاريخ  فن المسرح ، وحديثى عن التأليف المسرحى لهذا العهد .

إنما المسرح الفرنسى يعوزه التأليف الجارى على أسلوب منزه عن الاصطلاح والاختلاق والتقليد ، ومرفع عن مسابيرة أهواء العامة ، والتأثير القريب النور . وإن أنت سرحت نظرك فما يؤدى على خشب المسارح أصبت مسرحيات معدودة لها شأنها ، وفى طليعتها مسرحيات لبول كلوديل P. Cleodel , وموريس ميترلنك  M. Maeterlinck ، وجبربيل مارسيل G.Marcel وجان جيرودو J. Gereodoux . والغريب أن طائفة من هذه المسرحيات غير مستحسنة ، لأن أصحابها ينظرون إلى الفن من حيث إنه فن ، فيأبون أن يعدوه تسلية أو مدرجة لذيوع الصيت .

أما كلوديل فمتهم بالاستغلاق والتصوف ! وأما ميترلنك - وقد غادر المسرح منذ سنين - فمرمى بإيثار الحديث الباطن وتغليب الرضى على الإيضاح . وأما جبرييل مارسيل فالمتعارف عنه أنه مشغول بما وراء الطبيعة . وأما جيرودو فحظه عال , وأظنه أقرب المؤلفين إلى قلوب النظارة وأجلهم مكانة فى أنفسهم ؛ غير أن علو قدره يرجع إلى صفاء أدبه بقدر ما يرجع إلى ولع الفرنسيين بشخصه ، لأنه أديب الساعة أو أديب (( الموضة ))  auter a la mode  كما يقولون هنالك . ومهما يكن من أمر جيرودو فانه لا ينحرف كثيرا عن الأدب الفرنسى المشبع ، بالرغم من رمزيته وفنطاسيته fantaisie ( كما قالت  العرب بعد اليونان ) ، ذلك بأنه يغترف من الأدب الإغريقى ، ويعمد إلى المطرف ، ويستعين بالحذق الذهنى ، وينمق الأسلوب .

وهنالك غير هؤلاء المؤلفين ، أذكر منهم كوكنو

Cocleeu  ولينورمان Leoonermaen و موريس مارتان  دى جار  M. M. du Gurd وسالا كرو    Salacrou وباسور  S. Paseur , فضلا عن المؤلفين الأجانب الذين ظفروا بالنجاح فى باريس .

وإذا نحن عرضنا المسرح فى الخريف الماضى ١٩٣٨ وجدنا المسرحيات قد خرجت من جانب التأثر الدفين والإيحاء والفكر المكتوم والرؤيا  الساحرة ، إلى جانب التصوير الواقعى ووصف الأخلاق المرذولة وإبراز الحياة المضطربة فى مظهرها لا فى مخبرها ، والإشارة إلى شواغل اليوم من سياسية واجتماعية .

وأكبر دليل على أن للطريقة الواقعية الغلبة أن فرقة الممثل الروسى بيتويف   pitoeff  (1) -  وهى المنصرفة إلى المسرحيات الناهضة على ما دون الواقع من الحياة الباطنة وما وراء الواقع من الحياة المتخيلة - أخرجت مسرحية لبرناردشو  B. Shaw ، منقولة إلى الفرنسية بهذا العنوان (( المال لا رائحة له )) . وهى (( مهزلة ))  Comedie لها غاية معينة ، قائمة على اللذع ابتغاء التهذيب .

وإليك دليلا آخر ، قصته أن كوكتو - وهو المؤلف الذى طالما حير العقول بشعره وقصصه ومسرحياته ، ثم بشذوذ خلقه وتطرف عاداته واشتهر بأنه مؤلف مكعبى cobiane - وضع مسرحية  Leu parcats Teribice  تعود بنا إلى المأساة المفرطة    Melodrame , أسلوبها مباشر هزاز للأعصاب الخدرة ، أعصاب طبقة البرجوازى ( طبقة أهل الثراء )

وأما وصف الأخلاق المرذولة لأجلها لا لأجل الفحص عن الطبيعة البشرية فمبذول فى مسرحية كوكتو

هذه حيث الأم مغرمة بإبنها ؛ وفى مسرحية أخرى عنوانها (( آدم )) لمارسيل آشار حيث الرجل ينجذب عن المرأة إلى رجل آخر ؛ ومسرحية  ثالثة عنوانها (( فرلين )) لموريس روستان ، تقص قصة الشاعرين المتحابين فرلين ورامبو , وقد كان فى ظننا ان هذا اللون من التأليف ذهب بذهاب هنرى بافاى H. Bafaille ، وإن حاول أميل بروردى E. Bourdet  أن يبعثه بعد الحرب العظمى ، ولنورمان أن يشده بنتائج فرويد المتصلة بالعقل الباطن .

وأما إبراز الحياة المضطربة فى مظهرها لا فى مخبرها على طريقة الابتداعيين ( الرومانتيك ) فملموس فى المسرحية التى جرؤت الكوميدى - فرانسيز على إخراجها ، وعنوانها (( الألوان الثلاثة )) Tricodoic ( رمزا  إلى العلم الفرنسى ( من تأليف لسترنجيز   Lestringuez . ففيها ما تشاء من صراخ وخطابة ومشاهد منتفضة ونفاضة ، وأحوال مستحيلة ، على رأسها جميعا فكرة لا محصول وراءها .

وأما الاشارة إلى الشواغل السياسية والاجتماعية ( كما صنع أرسطفان قديما  فى مسرحيتيه (( السلام )) و (( الزنابير )) ) فظاهرة فى المسرحيتين اللتين أداهما الممثل دولان Ch.  Duilin  فى مسرح (( الأنبلبيه )) : الأولى (( بلوطوس )) لأرسطفان مع كثير من التصرف على يد المغنيسة الآنسة جوليفيه Jolivee  ! والثانية (( الأرض مستديرة )) لأرمان سالا كرو ، وهى تروى قصة سافونارولى  Savonarole  القس الحاكم بأمره فى مدينة فلورنسة . أما هذه فتشير إلى مساوئ الحكم المطلق ( ههنا تعريض بموسولينى وهتلر ) ، و أما تلك فتشير إلى فداحة الضرائب و لؤم الذهب وجلالة الكد ، وضرورة الفقر

(  ههنا تعريض بمشكلات الأمة الفرنسية )   (١)    أضف إلى كل ذلك أن المؤلفين ما خلا جيرودو وبرناردشو أداروا على شفاه أشخاصهم ألفاظا ساقطة مبتذلة  ( كما صنع ارسطفان قديما فى (( مجتمع النساء )) L' Assemblee des femmes ، وموليير أحيانا ) رغبة فى تقريب لغة المسرح من لغة الطريق ، بل قل رغبة فى استمالة الجمهور الخشن . وليعفن قلمى من إيراد الأمثال . وحسبك تلك اللفظة التى يجرى على ألسنة الفرنسيين ساعة بغضبون ....M  , وتلك اللفظة التى يعبر بها القوم عن الملامسة ....b ,  ثم تلك اللفظة التى تدل على ناحية من نواحى الجسم .... c , ومن المسرحيات التى كثرت فيها تلك الألفاظ حتى إنها أثارت اشمئزاز النظارة (( الأسرة الأولى )) للشاعر جول سوبرفيبل , و (( بلوطوس )) لارسطفان و (( أرون أوف فيفرشام )) المنسوبة لشكسبير ومقتبسها لنورمان .

فى أن المؤلفين - سوى الذين ذكرتهم فى مستهل هذا المقال وسوى غيرهم ممن هجر التأليف على ما يبدو ، مثل جانتليون Gantillion  صاحب مسرحية (( مايا )) المشهورة ، وروما  Romains صاحب (( كنوك او انتصار الطب )) - عاجزون عن الابتكار ، حتى إنك تلمس فى مجرى المسرحية أو فى مطوى من مطاويها أثر هذا أو ذاك .

ومن الأمثلة أن مسرحية كوكنو المتقدم ذكرها ومسرحية آشار ( ((آدم)) )  ترجعان إلى طريقة هنرى باتاى ، وأن (( الألوان الثلاثة )) تدخل فى المأساة المفرطة

الشعبية ، وأن الجزء الثانى للفصل الأول من (( الأرض مستديرة )) مسير على أسلوب شكسبير ، وأن (( هنالك )) La-Bas ( وهى مأساة بين الابتداعية والواقعية ) من تأليف مدام تتاينا  Titayana  (على مسرح يتوبف ) تذكر  بفيكتور هوجو وأسكرويلد وشعر بودلير ، وأن (( ليلة اللصوص الراقصة )) ( وهى مهزلة تهريجية  ) من تأليف أنومى Anomih ( على (( مسرح الفنون )) )  ترتد إلى موليير وسكريب  Scribe  , وأن فى (( القرصان)) لمارسيل آشار ( على مسرح لويس جوفيه  Jouve )  بعض أساليب بينردللو  Pirandello  , وأن (( اسمودية )) Asmodie من تأليف فرانسوا مورياك F. Mauriac ( على مسرح الكوميدى فرانسيز ) تجرى على طريقة تشيكوف  Tchekovv من حيث تقديم الأشخاص من الجنب لا من الوجه ، ثم تستوحى راسين Racine فى العرض النفسانى .

هذا على أن تهمل المسارح الموسومة بمسارح البولفار Théâtres de boulevard فالمؤلفون هنالك - أمثال بورديه وبرنشتين Bernsiein  وساشا جيترى  S. Guitry  لا يخرجون عن المراسم المتواضع عليها للمهزلة ، والمأساة المفرطة ، وما يسمونه (( المأساة البرجوازية )) le drame.  bourgeois .  فالحل الأول فيها جميعا للكلمات الظريفة les licelices d'auteur  وألوان العشق المريب وحيل الصناعة  les licelies da medier . فأولئك المؤلفون يخلفون دوماس الابن وساردو وباتاى ، وروبير دى فلير ، وكانابيه وفيدو ، وأضرابهم الدين استخفوا بجلال الفن المسرحى وصدقه وبعد غوره .

والدليل على ان مسرحيات اليوم ليست بشئ عظيم ، وأن الجمهور لا يروى بها ظمأه ، وإن صفق وضحك أو

انتفض وبكى ، أن طائفة من المسارح لا تنفك تؤدى كل سنة مسرحية لفحول المؤلفين من قدماء ومحدثين ، على رأسهم أرسطفان وبن جونسن ، وشكسبير ، وموليير ، وجوته ، وموسيه ، ثم إبسن أو بيرندلو أو ناجور أو كلوديل أو أحد من الروس .

أما أرسطفان وبن جونسن فعلى مسرح دولان . وأما شكسبير وموليير فتارة هنا وتارة هناك . وأما جوته فعلى مسرح باتى . وأما موسيه فعلى مسرح الكوميدى فرانسيز . وأما إيسن وتاجور فعلى مسرح بيتويف . واما بيرندالو  فبين مسرح دولان ومسرح بانى ومسرح بيتويف والكوميدى فرانسيز . وأما كلوديل فبين هذين الأخيرين .

كل ذلك فضلا عن مسرحيات الاتباعين الفرنسيين وفى مقدمتهم راسين وكورنبى . فتؤدى على أسلوبين ، أحدهما اتباعى على نحو ما تؤدى فى الأوديون ، والأخر مستحدث على ما جرى لمسرحية موليير  le misanthrope  (النافر من الناس  ) على مسرح الامباسادور  Ambassadeur . وربما أخرجت هذه المسارح مسرحيات جديدة لغير الفرنسيين : فقد أدى  مسرح ال Vieux Colombier مسرحية لمؤلف أمريكى (إيت لافيرى )  عنوانها (( الجيش الأول )) , ثم أدى (( مسرح الفصول الأربعة )) ، مسرحية لمؤلف تشيكوسلوفاكى ( كارل تشابك ) عنوانها (( أولادنا )) .

*** ومجمل القول أن التأليف المسرحى لهذا العهد فى فرنسة على جانب عظيم من الاضطراب فى جملته ، ذلك بأنه يقصر من أن ينمو نموا طريفا ، وبأنه ينزل إلى أهواء سواد الجمهور الراغب عن اللذة المعنوية المحضة . وقد قيل إن السبب فى ذلك يرجع إلى سلطان الصور

المتحركة ، وإلى غلاء تذاكر المسرح بسبب الضرائب ، وإلى رواج مسارح البولفار التى لا تعمل للفن الخالص ، وإلى طغيان الإخراج على النص ، وإلى استرخاء همم أصحاب المسارح الذين دأبوا فى إحياء فن التمثيل ثم قنعوا بالوصول ، وإلى . . . وإلى . . .

وكيفما كانت الحال فان التأليف المسرحى هنالك غير مرضى على وجه العموم . وفى الفصل الآتى  سأبسط أراء النقاد فى ذلك ، وأذكر مسمى فرق التمثيل الجديدة فى سد الخلل .

اشترك في نشرتنا البريدية