الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 118 الرجوع إلى "الثقافة"

2- الثورة الروسية

Share

ولم يكن كبرينسكى رجل الموقف . ولم تسكن اللباقة لتطفئ الحمم المتضرم . كان نفور الشعب الروسي من الحرب قد بلغ به حد مقتها . وكان فقر الزراع - وهم أكثرية الروس - قد زين لهم المطالبة بنزع الأرض من يد ملا كها الأغنياء وتوزيعها عليهم توزيعا عادلا . واتجه كبريتسكي إلي حليفتيه الغريبتين يقتصحهما في امر هذين المطلبين . فلم تربا إجابته إليهما . ولم محسنا الظن بنظام حكومته . ولم مهتما بتمضيد  وتدعيم سلطانه . ولم يقو على مقابلة إعمالهما بنظيره . ولم يجرؤ على الخروج عن طوقهما ، ومخالفة رايهما ، والتصرف وفق مصلحة بلاده ، وظل يتزلف إليهما وهما تنقران منه ، واخذ يكثر من بذل الوعود لشعبه المتململ ولكنه لم يستطع تحقيق وعد واحد منها ،

حتى شعر بكرسي الحكم يتزازل تحته . وبأن ثورة جديدة اعمق اثرا واشد تغاليا من ثورته توشك ان تقذف خارج الحكم وتحل محله .

لم يرض رعيته ولا أرضي حلفاءه . وطمع الألمان أعداؤه في ضعفه . فسددوا إليه ضربتين قاصمتين . أولاهما مكشوفة والثانية مستورة . تعاون أسطول ألمانيا وجيشها المستشري على مهاجمة ربنا . فتباريا في تدمير بلاد البلطيق الروسية وخلفاها رمادا ، وانهزم أمامهما الجيش الروسي الزاهد في الحرب وولي الادبار ، واستناث كبرينسكي بأساطيل حليفتيه فمنعتهما موالع حربية عن إغائته ، ودان البلطيق لالمانيا . وخاب آخر رجاء لروسيا في اصدقائها . هذه هي اللطمة الظاهرة التي رمت بها المانيا إلى التعجيل بنهاية كبرينسكي ، وعزل روسيا عن حلفائها والقضاء عليها . ولكن لطمنها الخفية الأخرى كانت هي القاضية

وقفت عربة مقفلة مسدلة الستائر في أرض روسية على مقربة من خط القتال . ونزل منها رجل قصير يحيل غائر الخدين عريض الجبهة تتري الطلعة يحرسه ضابطان المانيان اقتربا به من المخفر الروسي وتخليا عنه هناك ورجعا ادراجهما . وواصل هو سيره إلى المخفر متواريا في جنح الليل الحالك . فنادي الحراس بالروسية حتى يأمن عدوانهم ، وهكذا دخلت ارض روسيا بدخوله جرثومة ثورتها الحديثة العجيبة التي لم تشاكلها ثورة أخري في التاريخ .

كان لينين سجينا في ألمانيا منذ نشوب الحرب الكبرى . إذ خشيت حكومة الريح شره على بلادها ، فوارته بين جدران السجون . ثم خطر لها أن تنقل هذا

الشر إلي اعدائها الروس ، فتسلم من ناحيتين . ولم يخيب لينين ظنها . ولم يهدأ منذ عبر الحدود إلي بلاده . فألف حزبة ، وأعلن خطته ، ووعد روسيا بالسلام والرخاء وبث الدعوة الاشتراكية في جماهير الصناع والعمال العاطلين والفلول الهاربة من ميدان القتال ، وحرضهم على المطالبة بعقد مؤتمر دولي في استوكهلم . فارتفعت الأصوات بهذا المطلب من كل ناحية من روسيا . ولم يأنف كيرينسكي من الالتجاء إلي حلفائه مرة أخرى . ووصل حبل المفاوضات العقيمة ، وسؤالهم عن رايهم في هذا الاقتراح الجديد . فجاء الرد سلبا خشية تشجيع الحركة الاشتراكية ، وعجز السياسي المتردد عن الثبات في مهب الاهواء المتباينة

وأعان هذا الفشل الجديد أشباع لينين على نشر دعوتهم . فنفخوا في النار المبوبة ، وتوغلوا في القري النائية . واغروا الفلاحين الوارعين بالخروج على الحكومة القائمة . وبثوا الدعاية للحكومة القادمة وأبانوا منهاجها وأطنبوا . وبذلوا الوعود في سخاء وعرجوا على ساحة القتال وحرضوا الجيش على العصيان . وتذرعوا بشتي الذرائع لتعميم الثورة . واستمالوا إلى مذهبهم بعض ضباط الطيران . فأهمل هؤلاء قذائفهم . وملأوا طائراتهم بمنشورات ثورية تحض الجند على إلقاء سلاحهم والعودة إلى بلادهم لتنصيب حكومة شعبية . وبدل مهاجمة المعاقل الألمانية . داروا بطاراتهم إلى معاقلهم . وأمطروها وابلا

من هذه المنشورات . وأصاغ الجيش لمحرضيه . وقفلت كتائب منه عائدة إلي العاصمة والمدن الكبيرة . ولم يستطع كيرينسكي الثبات في وجه هذا الطوفان من العصاة . ولم يكن يجهل ما وراء اعتزاله الحكم من نوائب وويلات ولكن كيف المفر من الخاتمة المحتومة ؟ طأطأ للتائرين وافسح المجال للينين . وتولى الزعيم الاشتراكي السلطان في ٧ نوفمبر سنة ١٩١٧ . واحتل قصر أباطرته العظام . وتربع في ارائكهم . وسعى حتى أوم صلحا منفردا مع ألمانيا . ووقع معاهدته في ٢ مارس سنة ١٩١٨

في مدينة برست ليتوفسك

ولم تسفح دماء الأبرياء في عصر من العصور مثلما سفحت على اثر تولي السوفييت امر روسيا . ولم تعم الفوضى بلدا مثلما عمت البلاد الروسية . لم تبق الثورة على موظفين او تجار او مهندسين او اطباء او مزراعين . فأقفلت مصالح الحكومة أبوابها . وخلت المتاجر بعد نهبها ، وتعطلت الاهمال العامة ، واضطربت المواصلات ، وتعدد التصادم بين القطارات ، وانتشرت الامراض ، وتلف الزرع ، واقفرت الأرض ، وتحول الجوع إلي مجاعة مروعة قضت على الملايين من البشر ، ولم تستطع حكومة السوفييت تلافي الكارثه ، واضطرت إلى ملء . الوظائف الخالية بموظفين لا خبرة لهم بالأعمال التى دعوا إليها ، فازداد الاضطراب تأصلا ، وثار الوزراء الجدد غضبا ، فهاموا في البلاد ، واخذوا يجازون الموظفين على أخطائهم بالقتل المرتجل.

وصدر أمر لينين باعتقال القيصر وأسرته ، ونقلوا إلي موئل امين ، وحاول الامراء وسراة القوم الهجرة من وطنهم ، والنجاة من مذابحه . فاقفلت في وجوههم الحدود ، ولم يسمح لاحد باجتيازها إلا من كان خشن اليدين مما يقطع بانه من العمال ، ولكن الدم المسفوح لم يضر اكثرية الشعب الوديع الذي تعددت مظاهر عطفه على كبرائه . وامتدت أيد خفية فتحت لهم أبواب سجونهم . ومهدت لهم سبل الهرب . ولجأ اكثرهم إلي باريس .

ولم تلبث حليفتا روسيا الغربيتان أن أدركتا نوع هذه الحكومة الجديدة ومبلغ خطرها على روسيا ، بل على أوربا بأسرها ؛ ووضح لهما قدر ما ارتكبتا من خطأ , إذ خذلتا حكومة كيرينسكى المعتدلة ، بدل تاييدها وتثبيتها

وما صالح لينين المانيا ، وخان عهد حليفتي بلاده ، وتخلي عنهما وقت الشدة ، حتى ثارت ثائرتهما ، وعولتا على مقاومة حكومته بقوة السلاح ، ولجأنا ، كعادة

الحكومات ، إلى الصحافة لشرح سياستهما الجديدة للجماهير ، وتبرير مقتضيانها ، والدعاية لها . وما احدثت هذه الحملات القلمية تأثيرها ، حتى أعقبتها حملات الجيوش المغيرة .

بدأ الزحف إلى روسيا عام ١٩١٩ ، فاتجهت الحملة . الإنجليزية إلى اركنجال ، وتقدمت جيوش فرنسا ورومانيا واليونان في الجنوب . واغارت اليابان - إذ لم تشأ ان تفقد فرصة حرج عدوتها - على سيبيريا الشرقية ؛ واعلن الأميرال كوتشاك العصيان في سيبيريا ، وانشق الجنرال دينيكين في القرم ، واحتمي في كنف الأسطول الفرنسي هناك . وبالرغم من متاعب روسيا الداخلية ، ومن خورجها وتضمضها من ويلات الحرب الكبرى ، ومن خروجها منها جائعة عارية ، ومن قضاء الثورة الحمراء على ما بقى فيها من ذماء ، فقد انتصبت واقفة على قدميها لغزاتها الجدد ، واستطاعت ان تشد اعصابها ، وان تهيب بعزيمتها ، وتستعيد قوتها الخائرة .

ولم يكن أحد أشد رغبة في معرفة ما يحدث في روسيا من القيصر المعتقل . كانت حياته وحياة زوجه وولد ، وبناته الكواعب رهينة بعاقبة ما يجري في خفية عنه . وكان لا يغفل عن ذكر فرنسا وانجلترا ، ولم يكن رفاف شيئا مثل تخلى روسيا عنهما في أيام محنتهما . ومثل حكمهما القاسي عليها فيما إذا اقدمت على هذه الخيانة وخفف عنه مضض هذه الخواطر القائمة ما كان يظهره له حراسه من عطف وإجلال لقد عاد يري فيهم روح الولاء الذي كان يشيع في شعبه كلما اتصل به . وما كره الشعب الروسي يوما قيصره . وإنما كره تهاونه وكره عنف حكومته ، كان يقدر فيه خلاله السامية ، من صدق إيمان ، إلى دمائة خلق ، إلى رغبة صادقة في الخير . وما كاد السجين يطمئن إلى حراسه حتى وقعت الكارثه التى زلزلت أوربا .

نمى إلي الحراس أن فرقة من جيش الأعداء تتقدم إلي معسكرهم بقصد انقاذ القيصر من اسره . والواقع ان

فرقة معادية كانت تتقدم إليهم . ولكنها كانت ضالة في مجاهل روسيا . ولا تعلم عن معتقل القيصر شيئا . فخاف الروس ان يقع قيصرهم في يد اعدائهم . وان يسخروه في بث بذور التفرقة بين شيع شعبه ، فلم يجدوا مناصا من القضاء عليه بأيديهم . ولكنهم حرصوا علي أن يوفروا عليه فزع الخاتمة وهولها بقدر إمكانهم . فأقاموا له حفلة دينية اخذ الكهان يرتلون فيها أناشيدهم . وبينما هو سابح في تأملات علوية ، تمددت إليه وإلى اسرته فوهات البنادق من وراء ستار . واطلقت عليهم دفعة واحدة فاستراحوا من متاعب هذا العالم في ثوان معدودات .

وما هل عام ١٩٢٠ حتي قضى الجوع والصقيع على ملايين اخرى من الروس . واشتد البلاء حتى ايقن اعداء لينين ان نهايته معلقة بخيط . وان ضغطا عليه قليلا جدا ينتهي بتقويض حكومته الغاشمة فهبت بولندا وهب معها الروس البيض بقيادة الجنرال فرانجل ، واصطدموا بالجيش الاحمر ، فدحرهم تروتسكى وردهم على اعقابهم ، وفي عام ١٩٢١ تمرد بحارة الاسطول الروسي في كرونستاد . ولو أن الغرب ترك حكومة لنين وشأنها لسئم الناس ما اصابهم على يديها من يؤمن وضنك ، ولاسقطها الشعب المأخوذ بسورة الغضب على الحكومات ، ولجاءت حكومة اخري قد يكون مصيرها كمصير سابقتها . وهكذا دواليك حتي يسأم الشعب الثورة ، ويتوق إلي الهدوء ، فيسلم قياده زعيما حازما عاقلا يجد لداء بلده ناجع الدواء .

ولا شئ يعين الحكومة الثورية على تثبيت أقدامها مثل ما تبذله الدول الاجنبية من محاولات في سبيل خلعها ، فإن الشعب الثائر لا يفكر عندئذ إلا في درء الخطر الخارجي فيتحسم كل نزاع داخلي . ويسلس زمام الحكم لمغتصبيه .

وهكذا وجد الشعب الروسي في كفاحه ضد غزاة بلاده ما يشغله عن مناواة حكومة لنين . فنجحت في توطيد أركانها يا

اشترك في نشرتنا البريدية