عرضنا في المقال الأول جزءا من دفاع الشاعر " وردسورث " عن مذهبه في اختيار الحياة الشعبية الخشنة موضوعا لشعره ، واللغة الحقيقية التي يستعملها الناس في دأبـهم اليومي قاموساً لقصائده . و نعرض اليوم بقية هذا الدفاع حيث يتناول صاحبنا التعريف بالشعر وطبيعته ، والشاعر وخصائصه ، ويوازن بين المنظوم والمنثور من حيث اللغة وطرائق التعبير .
يحدثنا الشاعر أنه لم يحاول - إلا قليلا - تجسيد الأفكار المعنوية المجردة وتشخيصها ، فقد كان غرضه أن يقلد جهد استطاعته وأن يستعمل لغة الناس . والتجسيد ( أو التشخيص ) لا يؤلف جزءا طبيعياً أو منظما من تلك اللغة . على أنه قد سمح لنفسه أحيانا باستعمال هذه الأفكار المعنوية حيث كانت ضربا من التعبير أوحي به الانفعال الوجداني إيحاءً طبيعيا . ولكنه رفض كل الرفض أن يتخذ منها حيلة آلية من حيل الأسلوب ، أو لغة رمزية خاصة مما يظنه جماعة الناظمين وقفا عليهم . لقد حرص على أن يدع القارئ في صحبة اللحم والدم ، وأن يجعل ذلك طريقه إلي إطرافه وإمتاعه . وربما سلك الآخرون منهجا غير هذا ما هو بمجادلهم فيه ، فلكل طريقته ، ولكنه يفضل منزعه الخاص . ولن يجد القارئ في قصائده إلا قليلا مما يسمي القاموس الشعري ؛ فقد بذل شاعرنا من الجهد في تحاشيه ما يبذل الآخرون في تدبيجه . وهذه خطة عمد إليها لسببين : الأول أن يقرب ما استطاع من لغة الناس ، والثاني أن يحقق اللذة التي أخذ علي عاتقه إيصالها إلي أذهان الآخرين ؛ وهي لذة تختلف كل الاختلاف مما يظنه بعضهم الهدف المناسب للشعر .
ومن أطرف ما يسجله " وردسورث " من نتائج
التأمل الباطنى وصفه بطريقته في النظم إذ يقول : (1) كانت خطتي أن انظر طويلا إلي الشئ أريد النظم فيه ، وأن أستوحيه هزة من الأحاسيس القوية ، وأن أطيل التفكير العميق فيما علق بنفسي منه . أستعيد الذكريات التي كانت لي معه ، ثم أدع الفرصة بعد ذلك لمشاعري تنساب فيضاً اختياريا . ولذلك لن يجد القارئ في قصائدي كثيراً من زور الوصف وباطله ، وسيجد اللغة التي استعملتها مناسبة للأفكار حسب أهميتها . ولعل من بعض مزايا هذه الخطة أنها صديقة للخاصية التي لا بد من تحققها في الشعر الجيد وهي " النظر السليم " ولكنها بالضرورة قد باعدت يبني وبين جزء كبير من صور الكلام وتعابيره مما يحسب ميراثا مشتركا بين الشعراء .
ويعود " وردسورث " في مواطن اخري من كتاباته إلي الإفاضة في شرح هذه التجربة النفسية شرحاً يبني عليه تعريفه المشهور للشعر . فالشعر - عنده - هو الفيض الاختياري للأحاسيس القوية وهو ينبع من الانفعال الذي يستعيده الشاعر في هدوء (2) , إذ يطيل الروية فيما خلف عنده الموضوع من انفعال ، حتى يتجدد التأثر به في نفسه ويختفي الهدوء تدريجياً ، وينشأ في العقل انفعال مشابه للأول
أو قريب منه ، وهنا يبدأ التأليف الشعري الناجح ، ويستمر في هذا الجو مصحوباً بحالة من الغبطة العقلية . وعلى الشاعر أن يقلد الطبيعة في هذا ، وأن ينقل المشاعر إلي القارئ حية سليمة ، محوطة بهالة من اللذة والإمتاع ، وأن يجعل من الوزن والقافية عاملين جديدين يضيفان ثروة إلى النشوة العقلية ، ويخلعان على لغة الناس رواءً موسيقيا ، ويلبسان العادي المألوف ثوب الجديد الطريف .
وبعد فهل في طبيعة الأشياء أن تختلف لغة الشعر عن لغة النثر ؟ ذلك سؤال لا يتردد شاعرنا الناقد في أن يجيب عليه بالنفي القاطع ، وأن ينصح للقارئ ألا يحذو حذو أولئك النقاد الذين يظفرون بالبيت او البيتين في قصيدة ما (يتشابهان والنثر من حيث اللغة رغم انطباقهما علي القوانين العروضية الدقيقة ) فيأخذهم من نشوة الفرح ما يأخذ الباحث وفق إلي كشف جديد ، وتنفرج شفاههم عن ابتسامة السخرية بذلك الشاعر الجاهل بأصول فنه !!
إن الجزء الأعظم من لغة أي قصيدة جيدة يجب - في نظر " ورد سورث " - ألا يختلف عن لغة النتر الأدبى الجيد إلا من حيث الوزن . ليس هذا فحسب : بل أنت في الواقع واجد لغة معظم الأجزاء الطريقة من أحسن القصائد هي بعينها لغة النثر إذا كان التأليف جيداً ، ومن السهل البرهنة على صدق هذا بالرجوع إلي الآثار الشعرية المشهورة حتى شعر " ملتون " وهنا يسوق المؤلف مثلا من شعر " جراي " الذي كان معروفاً بتدقيقه في لغة الشعر , وضرورة التفرقة بينها وبين لغة النثر . ويحلل هذا المثل . ثم يلاحظ أن خير أبياته على الإطلاق ما قربت لغته من لغة المنثور ، ثم يخلص من كل ذلك إلي أنه ليس هناك - ولا ينبغي أن يكون - أي فارق جوهري بين لغة النثر ولغة التأليف المنظوم , يقول : " إننا مغرمون بتتبع أوجه الشبه بين الشعر والتصوير ، ونسميهما- لهذا- أختين .
فأنّي لنا بأنواع من الصلات الدقيقة تكيف ما بين الكتابتين النثرية والنظمية من روابط وقرابات وثيقة . إنهما تتكلمان بنفس الأجهزة وإليها ؛ إن مادتهما التي يصنع منها جسماهما واحدة ، وإن أهواءهما متقاربة ، بل تكاد تكون متحدة لا تفترق حتى في الدرجة . إن الشعر لا يذرف دموعا كدوع الملائكة ، ولكن دموعاً طبيعية إنسانية ، وإنه لا يستطيع أن يدل بعصارة أثيرية مقدسة تميز ينابيعه عن ينابيع النثر ، فإن الدم الإنساني يجري في عروقهما معا" .
ويكفي في نظر " ورد سورث " للتفرقة بين الشعر والمنطق اليومي الخشن المبتذل ان تختار لغته من بين اللغة التي يتكلمها الناس اختياراً قانماً على الذوق والإحساس ، وأن يضاف إلى هذا الاختيار طرافة الوزن (1) وطلاوته - وهذا كل ما يتطلبه العقل السليم . ولا يشك "وردسورث " في أن الشاعر إذا أحسن اختيار موضعه فإن الفرصة وحدها ، ومنطق النفس وأحوالها ، ستلهمة ضروباً من التعبير يقوم بعضها على الفن البلاغي من مجاز واستعارة قياماً طبيعيا لا تكلف فيه . ولو أن شاعراً حاول أن يضيف من عنده تعابيير وصوراً لا تثيرها الأحوال الطبيعية التي يتصدى لوصفها لحاء شعره نابياً عن الجودة فارغاً من التأثير .
ومن الضروري لفهم فكرة وردسورث أن نتنبه هنا إلي ما قاله في حاشية صغيرة من أنه يجري علي غير رغبته إذ يتبع ما جرت العادة من استعمال "شعر" مرادفة " لنظم " ومقابلة في القسمة لكلمة " نثر " وفي رأيه أن هذا الاستعمال قد أدخل في النقد الأدبي ما لا حد له من الفوضي .
وخير منه عنده ذلك الاستعمال الفلسفي الذي يجعل الشعر مقابلاً للعلم أو الكتابة التي يقصد فيها إلي تقرير الحقائق (Mattar of fact). فالكلام عنده لا ينقسم إلي
شعر ونثر ، وإنما ينبغي أن ينقسم إلي شعر وعلم ، ومن الشعر ما هو منظوم وما هو منثور ؛ وللوزن الموسيقي في النظم لذة طبيعية لا يجحدها إلا مكابر ؛ ولو وصفت العواطف والعادات والصفات وصفاً جيداً مرة في النثر ومرة في النظم لقرئ النظم مائة مرة ، حيث لا يقرأ النثر إلا مرة واحدة .
إن ما تقدم من الملاحظات لايفي بحاجة " ورد سورث "، فهو حريص على أن ينقل إلي جمهور الناس فكرة كاملة عن رأيه في الشعر ، وأن يحملهم على قبول هذه الفكرة عن عقيدة واطمئنان . وهو مقتنع أن قبول فكرتة ، وتعود الاستمتاع بالشعر الجديد ستكون لهما نتائج بعيدة المدى في النقد الأدبى تتغير بها وجهة نظر الناس في موقفهم من الشعراء قدامي ومحدثين ، وفيما يصدر عنهم من ثناء ولوم , فإن الذوق الدقيق في الشعر - بل في جميع الفنون - موهبة مكتسبة لا تنتج إلا من طول ممارسة نماذج الأدب وطول التفكير فيها ، ومن لم يبذل الكثير من وقته في مصاحبة الشعر الجيد وتذوقه ، جاءت أحكامه عليه فجة خاطئة .
لهذا طرح ناقدنا المسألة من أساسها علي بساط البحث ، وساءل نفسه : ما الذي تدل عليه كلمة شاعر ؟ وما هي خصائص الشاعر ؟ ومن يخاطب ؟ وما اللغة التي ينتظرها الناس منه ؟
الشاعر إنسان يتكلم إلى الناس ؛ إنسان قد وهب مقداراً أوفر من الحس ، والحماسة ، والحنان ، والمعرفة بالطبيعة الإنسانية ، ووهب نفساً أوسع من غيره من الناس أفقاً ؛ إنسان مغتبط بمشاعره ونزعاته وبما تضمنت روحه من أسرار الحياة ، يلذ أن يفكر فيما في الوجود من مشاعر ونزعات مشابـهة لما عنده ، وأن يخلق هذه خلقاً إذا لم يجدها. وعنده إلي جانب ذلك استعداد لأن يتأثر بالاشياء الغائبة كأنها حاضرة ، ولأن يفطر في نفسه نوازع قد
لا تشابه ما تحدثه الحوادث الحقيقية . لهذا كله كسب استعدادا وقدرة أكبر على التعبير عما يفكر ويحس ، ولا سيما عن المشاعر والأفكار التي تنبعث فيه بلا مؤثرات خارجية مباشرة .
على أنه مهما يكن نصيب الشاعر من هذه الملكة كبيراً فليس هناك من شك في أن اللغة التي توحيها إليه لا يمكن إلا أن تكون في الغالب أقل في حيويتها وصدقها من اللغة التي يتكلمها الناس في حياتهم الحقيقية تحت تأثير ضغط مشاعرهم . ومن الواضح انه ما دامت المهمة الأساسية للشاعر تقليد المشاعر ووصفها ، فان عمله هذا إلي درجة ما - آليّ إذا قيس بالأعمال والآلام الحقيقية الواقعة . لهذا يجتهد الشاعر ان يجعل أحاسيسه قريبة من أولئك الأشخاص الذين يصفهم ؟ لا بل يحاول أن يخيل إلي نفسه أن مشاعره ومشاعر أولئك شئ واحد ،
وقد يقول قائل : إذا كان من المسلم به أن الشاعر لا يستطيع أن يجيء في كل المناسبات بلغة تناسب الأحوال التي يصفها كما تناسبها اللغة الحقيقية ، فمن المستحسن- إذاً - أن يعتبر نفسه في تلك الأحوال مترجما ، والمترجم لا يتردد في أن يستبدل بما لا يستطيع نواحي أخري من الجودة يستطيعها حتى يعوض عن ناحية النقص . ولكن هذه - في نظر " وردسورث " - لغة العجز والكسل , لغة من لا يفهمون ما يقولون ، لغة من يعتبرون الشعر مجرد متعة ولدة عاجزة .
يقول أرسطو : " إن الشعر أكثر أنواع الكتابة فلسفة " ويوافقه" وردسورث" على هذا معتبرا موضوع الشعر الحقيقة - لا الحقيقة الفردية أو المحلية - ولكن الحقيقة العامة العاملة ، إن الشعر هو صورة الإنسان والطبيعة . والقيد الوحيد الذي يعمل تحته الشاعر هو ان يتيح لذة عاجلة لكائن إنساني يسمعه ، لا بصفة كونه قانونيا أو طبيبا أو بحاراً أو عالم طبيعة أو فلسفة ، ولكن
بصفة كونه إنسانا وليس هذا القيد عيبا أو مهانة في حق الشاعر بل على العكس ، وهو اعتراف بجمال الوجود ، وهو عمل غير شافي علي من ينظر إلي الدنيا بعين الحب ، وهو احترام تؤديه لخاصية الفطرة في الإنسان - وهي اللذة . فالحر مفطور علي أن تقوم حياته على أساس اللذة ، بها يعرف ويحس ويعيش ويتحرك ويشارك غيره في وجدانه ، ويتأمل الحقائق العامة .
هنا تتجه نظرية " ورد سورث " اتجاها فلسفيا سيكلوجيا قائما علي مبدأ اللذة , يصل به إلي أن شعور الشاعر ينشأ في جو من اللذة وهدفه هو عرض الحقيقة عرضا يورث اللذة - سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا . ومعرفة العالم والكيمياوي وغيرهما لذيذة . ولكن معرفة الشاعر تنفذ إلينا كجزء ضروري من وجودنا ومن ميراثنا الطبيعي الذي لا يمكن فصله عنا ، على حين أن معرفة العالم معرفة فردية شخصية تصل إلينا في بطء . فرجل العلم يطلب الحقيقة من بعيد ، ويحبها ويحرص عليها في وحدته ؛ ولكن الشاعر يغني أغنيته فيطرب ويطرب معه الناس جميعاً ، إن الشعر هو جوهر المعرفة وروحها اللطيف , وإن الشاعر هو صخرة الدفاع عن الطبيعة الإنسانية ، يحمل معه أينما سار تعاطفا وحبا وعلي الرغم من فروق الأرض والجو ، ومن فروق اللغة والعوائد ، والقوانين والتقاليد ، وعلى الرغم من الأشياء التي تبلي وتذهب من العقل في سكون ، فإن الشاعر يربط المملكة الإنسانية كلها برباط من الوجدان والمعرفة وهو يجد موضوعاته في كل مكان ويجول حيثما وجد جواً من الإحساس يطير فيه بجناحيه . وإذا كانت جهود رجال العلم ستخلق تطورا جديدا - مباشراً أو غير مباشر - في ظروفنا وفي التأثرات التي تصل إلينا فإن الشاعر سوف لا يتواني عن تتبع هذه التطورات ، وسيكون دائما مستعداً لحمل الإحساس إلي
موضوعات العلم نفسه ، فكل ما يكشفه الكيمياوي وعالم النبات وعالم المعادن ، سيكون موضوعات مناسبة لفن الشاعر .
ملخص ما قيل - إذاً - هو أن الشاعر إنما يتميز عن بقية الناس بسرعة تفكيره ، وإحساسه بلا تنبيه عاجل مباشر , وبقدرة أكبر على التعبير عن الأفكار والأحاسيس هذه الوجدانات والأفكار هي الوجدانات والأفكار العامة عند الناس ؛ وهي لاشك تتصل بعواطفنا الروحية ، وحسوسنا الحيوانية ، ومما يسببها ويثيرها . تتصل بعمليات العناصر وبمظاهر الوجود المنـظور ، بالعاصفة وشعاع الشمس ، بتطورات الفصول , بالحرارة والبرودة , يفقد الأصدقاء والأحباب ، بالأذي والعتب والرجاء والخوف والحزن والاعتراف بالجميل هذه وما شابهها هي الموضوعات والأحاسيس التي يصفها الشاعر ، وهي بعينها أحاسيس بقية الناس وما يهمهم ويعنيهم . إن الشاعر يفكر ويحس بروح الوجدانات الإنسانية ؛ فكيف تختلف لغته- إذاً - اختلافاً كبيراً عن لغة بقية الناس اللذين يحسون ويشاهدون في قوة ووضوح ! إن الشعراء لا يكتبون للشعراء فحسب ، ولكن للناس . وإن الشعر هو أول المعرفة الإنسانية ونهايتها . إنه خالد خلود قلب الإنسان .

