الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 602الرجوع إلى "الرسالة"

2- العدل الالهى!

Share

مقدمات لإدراكه واليقين به (مهداة إلى العقاد الكبير بمناسبة  مقاله (تبارك رزاق البرايا))

6 - لقد وجدت من حسن حظ الإنسانية في هذا العصر نظم  صالحة تسمح لدعوات الحق والصلاح أن تتخذ طريقها وتزاحم  في أسواق الحياة بدون عوائق غير طبيعية، بعد إن قدست  حرية الفكر والقول وسمح لكل فرد أن يقول ما عنده بدون  سباب أو أذى.

لقد تيقظت الإنسانية لحياتها وقيمتها، عرفت قيمة الفرد  فيها، فأفسحت الأمم الراقية له المجال ليخدمها بالقول والفعل مهما  كان ما يدعو إليه جديداً غريباً؛ ومتى أخذ الناس أنفسهم أن يسمعوا  لكل قائل ثم يحاكموه إلى العقل فهم في تقدم. فعلى كل مظلوم  أن يصرخ! وعلى كل داع أن يتكلم، وعلى الجماعة أن تسمع  لهذا وهذا.

والظلم السياسي أو الاقتصادي من القوى أو للغنى للضعيف  المحروم هو الذي يجعل الإنسان يكفر أو يشك في العدل  الإلهي. . وطبيعي أن الله لا يتدخل في كل شئ بين الناس  تدخلا ظاهراً. . وهو قد أقام قوانين الطبيعة حدوداً يتحاكم  الناس إليها. . فالنار تحرق من يضع يده فيها سواء أكان صديقاً  أم عدواً. . والتردي من شاهق يهلك، والتعرض للمرض  يمرض، والماء يغرق. وهكذا كل عمل له نتائجه الحتمية لأنها  قوانين طبيعية لا تبديل لها ولا تحويل. . والله يترك لقوانين  الطبيعة العقاب الطبيعي على كافة مخالفة يرتكبها الفرد أو الأمة  نحو تلك القوانين. ذلك ظاهر واضح في مجال الطبيعة.

وأما في مجال الإنسان. فلاختيار أفسد عنده كثيرا ما كان  يجب أن يسير عليه سيرا طبيعياً، إذ قد ملا حياته بالتهاون.

فالظالم يظلم وعلى المظلوم أن يثأر لنفسه، ولو كلفه ذلك حياته. ذلك حكم الطبيعة وردها الإيجابي كما ردت بالإحراق على  من دس يده في النار. . ولكن المظلوم كثيرا ما يغفل ويهمل  الإصرار على أخذ حقه، وكثيرا ما تبطئ الجماعة أو تهمل في  رد حقه عليه.

وما دمنا نعيش في جماعة فلابد أن تتولى هي الأخذ بثأر  المظلوم في حقه، وإذا فرطت العقد الاجتماعي. . فإذا فرط  المظلوم في حقه، وإذا فرطت الجماعة في الإنصاف له كان هنا  حينئذ قانون طبيعي اجتماعي اعتدى عليه وخولف ولم يكن له من  الإنسان تصحيح ورد لقيمته. وكان وراء ذلك حتما ثلمة في  الجماعة يتطرق منها الفساد. فليس الذنب هنا ذنب العدل الإلهي  ولكن ذنب الجماعة التي برهنت حين أهملت الاقتصاص من  ظالمها أو ظالم أحد أفرادها، مع أنها أقوى من ذلك الظالم، على  أنها تستحق الحياة الرشيدة لأنها تعرف قوانين المقاومة،  وعلى أنها غثاء وقش يستحق أن تضغطه قوة أخرى أصلح منه  للسيطرة على الحياة.

أن الله يقاوم النفس بالنفس كما يقاوم أي قوة طبيعية بقوة  مضادة لها ليضمن التناسق والصلاح ودوام كل شيء كما وضعه  وجعله يسير في دوراته الأبدية.

وإن حجته الناهضة على عدله أنه لم يجعل لأحد سيطرة على  فكر أحد وشعوره القلبي. فلن تستطيع أية قوة أرضية أن  تتحكم في فكرك وشعورك، فإذا أحسست بظلم، فأمام نفسك  قوة حرة تستعين بها: هي حرية الحركة الفكرية والغضبية لرد  الظلم عنك، فلا تغفل حقك في الحياة، ولا ترضى بها غير كاملة  الحقوق، ولا ترض بحياة الضعف مهما كلفك السعي للقوة،  واستمع لهذا الصوت المتفجر من ضمير الكون يصيح بك:  (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم. قالوا فيم كنتم؟  قالوا كنا مستضعفين في الأرض. قالوا ألم تكن أرض الله واسعة  فتهاجروا فيها؟ فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً).

7 - وأول واجبات الجماعة أن تبحث عن أصلح رجالها  لتوليه حكمها. أي أن نوسد الأمر إلى أهله، وأن تقيم حدود  حياتها ولا تتهاون أن تستثني فيها، ثم تترك لحاكمها أن يحكمها  بالعدالة والقوة القاهرة الرادعة.

ذلك هو أسلوب الله في حكم العالم: قوة وإحاطة، وقهر،  ويقظة، وعدالة ومجازاة.

وإن الجماعة هي المسؤولة عن كل ظلم أو فساد يتطرق إليها.  وأن الله لا يتدخل بتغيير شيء في حياتها إلا إذا أرادت وغيرت  ما بنفوسها، أنه جعلها في الأرض صاحبة سلطان يكاد يكون  مطلقا في شئون حياتها الاجتماعية وعلى هذا فهو غير مسئول عن  توزيع الثروات توزيعا ظالما ولا عن شيوع الجهالة والآثام.

من قال إن لكل إنسان الحق في أن يملك جزءا كبيرا من  ثروة وطنه التي جمعها له كثيرون من العمال والفقراء، ثم  لا يؤدي حق الفقير والمحروم، ويترك أبنائهم يبحثون عن اللقمة  والخرقة في المزابل كما نرى! بينما هو يكاد رأسه يتحطم بعمليات  حساب أمواله المكدسة!؟

من الذي أباح للإنسان أن يملك أكثر من حاجات نفسه  وكمالياتها في متوسط عمر الإنسان؟ فإذا كفل أن يملا أن مطبخه  كل يوم بألوان مختلفة كثيرة، وداره بالفرش والرياش الفاخرة،  واصطبله بالخيول المطهمة والسيارات الفخمة، وفناء داره بالأزهار  وهكذا. . فما باله يشح على أمته فيما وراء ذلك؟!

فاذا تمتع كما يحلوله وافرط فى ذلك حتى مرض فما باله ينسب ذلك المرض الى الله ويسقط عليه؟!

فإذا قال الإنسان الغني، أو الفقير: احشد على مائدتك كل  مادة مغلظة. . أو كل لحم المريض من البهائم، أو كل ما لا تطيقه  أحشاؤك. . أو كل طعام الصيف في الشتاء وطعام الشتاء في  الصيف، أو أفرط في السهر وعربد وأطلق لأهوائك وشهواتك  العنان وسوف لا يكون من وراء ذلك شقاء ولا هم يحزنون؟!

ومن قال لك: كن قوادا لفلان. . أو ماسح حذاء فلان،  أو نماما له لترقي أو تنال درجة أو وظيفة؟

ومن قال لك: بع حريتك واجعل خدك مداسا وقل  للكلاب: يا سادتي. . في سبيل الخبز القذر المعجون بدموع الذلة! ومن قال لك: اترك ابنك قذر الجسم والثوب وعليه التراب  والذباب لان العمر بيد الله؟! ومن قال لك: لا تحافظ على الطفولة (منطقة نمو الإنسانية)  وأخرجها ضعيفة جاهلة؟! ومن قال: أن الحياة آلام ومشقات؟

من قال؟ ومن قال؟ ومن قال؟ الله قال هذا! أم الجماعة  الفاسدة هي قالت ذلك وسبته إلى الله، جعلتك تتهجم على العدل  الإلهي الذي أقام الناموس الطبيعي بموازين لا تخطئ ولا تحابي؟!

اسمع ما يقول القرآن: (ولو أن أهل القرى آمنوا اتقوا  لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض؛ ولكن كذبوا فأخذناهم  بما كانوا يكسبون). (وما كان ربك مهلك القرى بظلم  وأهلها مصلحون). (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة  فإياي فاتقون) والتقوى كلمة جامعة ينبغي أن يكون لها مدلولها  الأول: وهو العمل الوقائي للخير ولدفع الشر. (الذين تتوفاهم  الملائكة ظالمي أنفسهم) إلى آخر الآية التي مر ذكرها.

8 - قم إلى جسمك وقوه بالرياضة وحافظ عليه من عوامل  الفساد، ولا تأكل إلا ما يسمح لك به الطب، ولا تسرف في  الأكل والشرب، ونق جسمك من الأخلاط والفضلات  الضارة. . ثم انظر هل يبقى به من سقم أو كلال إلا ما تستتبعه  الحياة العادية في الأرض؟!

وقم إلى منزلك ومتعه بهبات الله من الشمس والضياء  والهواء والبعد عن العفوفات والرطوبات ثم انظر هل تجد فيه غير  بهجة الحياة؟

وقم إلى فكرك وعلمه وهذبه وسلحه بأدوات العصر وقلبه  في أعاجيب الكون، ثم انظر هل تجد بعد ذلك سخطاً في نفسك  وتشاؤماً؟! وقم إلى حواسك ومتعها بالجمال المباح ولا تحرمها  من زينة الله التي أخرج لعباده، وأذهب عنها الملل والسأم وعنت  الجد والعمل ببعض اللهو واللعب المشروع، وغن في غير فحش إن  كنت حسن الصوت، وأسمع الغناء والألحان في غير إسراف، وأرقص  رقص الرجال، رقص الفتوة وطفور القوة الذي لا تخنث فيه ولا  شهوة ولا مخاصرة، لتنفض عن كفيك أعباء الهموم في بعض  ساعات حياتك. . . واضحك من قلبك كطفل، وأفرح بالشمس  والقمر، وأسلم جسمك للنسمات. ولكن أحذر أن تحول الإحساس  بالراحة من عنت الأعمال الجدية إلى شهوة تتملكك وتسلبك  التحكم في إرادتك وتمنعك من أداء واجباتك. فإن هذه الملاهي  والراحات ما حرمت عند بعض المتزمتين إلا لأنها تطغى على النفوس  وتمنعها عن الواجبات. وكما أن الماء يحرم إذا أورث شاربه

عن المعاني والألفاظ كل على انفراد. فلن يبرز المعنى الواحد  ألا في صورة واحدة، فإذا اختلف المعنى بقدر  اختلافها. وقد يتأثر المعنى العام في ذاته، ولكن صورته في  النفس والذهن تختلف، وهي المعول عليها في الفن، إذ التعبير  للتأثير، فإذا اختلف الأثر الناشئ عنه، فالمعنى مختلف  بلا مراء!)

هذا ما كتبته يومذاك. وفيه إقرار بالفضل للمفكر الأول،  مهما يكن في عرضه للرأي من تقصير، ذلك أنه يطالب بالكمال  في ذلك الزمن البعيد

ثم يستطرد المؤلف إلى أن اللفظ قد أستبد بالأدب العربي  وأن آداب اللغة العربية جميعها آداب لفظية، وشيء كثير من  هذا صحيح. هو صحيح بالقياس إلى النثر العربي بلا جدال.  أما بالقياس إلى الشعر فالأمر قد يختلف. ذلك أن الشعر  على ما فيه من عيوب تعرضت لها في مقالين قريبين بالرسالة  واقتبس منهما الأستاذ عادل في الاستشهاد على هذا الرأي بعض  الفقرات - أقول على الرغم من ذلك فإنه لم يخل من القليل  الجيد الحي المعبر عن الحالات النفسية والخلجات الطبيعية،  التي تبرز فيه من وراء الألفاظ حتى لتتواري هذه الألفاظ،  والمجال لا يتسع هنا لضرب الأمثال، فأنا معجل عنها إلى قضية  أخرى تعرض لها الأستاذ عادل تعرضاً لم يرض الكثيرين  وذلك حين يقول:

(ولعل ما يلقي بعض الضوء على سر استبداد اللفظ بأدباء  العرب ما قاله (موم) بصدد الأسلوب الأدبي في أمريكا. فقي رأيه  أن هذا الأسلوب الذي تستمد معظم مقوماته من لغة الجمهور الحية  يعتبر - في نماذجه الجديدة - أكثر أصالة وحيوية من أسلوب  الكتاب الإنجليز. وهو يرجع علة ذلك إلى أن الكتاب  الأمريكيين نجوا من استعباد الترجمة الإنجليزية للتوراة التي  وضعت في عصر الملك جيمس) كما أنهم كانوا أقل تأثراً  (بالأساتذة) الإنجليز القدماء. والحق إن تحكم كتاب بعينه  في أدب شعب من الشعوب - ومثله تقديس كاتب أو نخبة  من الكتاب - معناه منع هذا الأدب من النمو والتطور،  الوقوف به عند حد معين لا يتعداه إلا بالثورة والثورة تصلح

ولكنها تحطم وتفسد في نفس الوقت. ومع ذلك فقد تصبح في  بعض الأحيان شراً لابد منه)

فهم بعض إخواننا من هذه الفقرات أنه يشير إلى أسلوب  (القرآن) وتحكمه في نمو الأدب العربي وغبوا لهذا الفهم  جداً. . .

وأنا أحب أن أعرض للمسألة على هذا الوجه، وأن أحكم  الحس الديني في مسألة أدبية

أن هذا الواقعة غير صحيحة في ذاتها ومن أساسها بالقياس  إلى الأدب العربي وعكسها هو الصحيح. والأمر الذي اهتديت  إليه في كتابي الذي مر ذكره، قد يبدو عجيباً لأول وهلة.

إنني أزعم أن الأدب العربي لم يستفد بعد من أسلوب  القرآن طوال هذه الأربعة عشر قرناً من الزمان! بله تحكم هذا  الأسلوب في نموه! لقد بقى القرآن مجهولاً - من مناحية الفنية -  طوال هذه القرون من العرب وغير لعرب على السواء. في الوقت  الذي نضج البحث فيه عن النواحي التشريعية والاجتماعية  والتاريخية واللغوية. . .

أن سر التعبير القرآني قد بقي مغلقاً فلم يتأثر به الأدب  العربي في صميمه مجرد تأثر. هناك اقتباسات ومحاكاة لفظية،  ولكن الطريقة والاتجاه قد بقيا سراً مغلقاً إلى الآن، ولو قدر  للأدب أن يستقي من هذا المعين لمكان اليوم غير ما كان. . . إن عيب الأدب العربي الأول - كما قلت في مقالي بالرسالة - أنه  ضئيل الحظ من الصور والضلال، وأن الذي يغلب عليه هو  المعاني الذهنية والحسية، والتعبيرات المباشرة التي لا تلقى ظلاً  ولا تشع حياة. وهو في هذا نقيض الأسلوب القرآني الذي  يجعل الصور والظلال قاعدة في التعبير، والذي يحيل المعاني  المجردة والحالات النفسية صوراً ومشاهد وظلالاً. كما يحيل كل  جامد في الطبيعة شخوصاً حية وكل مشهد من مشاهدها جديد  كأنما تراه العين أول مرة والذي يصور المعاني الذهنية كما تبدو  من خلال نفس حية. . . وهذا ما ينقص الأدب ليبلغ  مداه.

ولن أستطيع هنا ضرب الأمثلة، ولأسرد بحث قد  أستغرق مني أكثر من مائتي صفحة. ولكنني أستطيع أن  أجزم بعد الاستقراء الممكن للشعر العربي أنه لم يستق من  معين القرآن. فقد تحكمت فيه - مع الأسف - تقاليد الشعر

الجاهلي فترة طويلة بعد وجود القرآن، ثم تحكمت فيه المباحث  الفلسفية والذهنية منذ القرن الثالث بل قبل ذلك، فصار في  معظمه أدباً حسياً ثم أدباً ذهنياً، وقلت فيه الصور والظلال  لأنه أبعد عن معين الصور والظلال. فإذا آن له اليوم أن ترجع  إلى هذا المعين، فسيجد فيه الزاد الكثير!. . . إذا كان تحكم  كتاب بعينه في الأدب الإنجليزي قد عوق نموه فأننا كنا  نتمنى تحكم كتاب بعينه في الأدب العربي ليدفع به إلى الأمام.

وعلى كثرة ما أجاد الأستاذ عادل وهو يتحدث عن عيوب  الأساليب العربية في النثر، وعن الحسية والذهنية في الشعر،  وعن القصور المعيب في قواعد النقد، فقد كان اندفاعه العنيف  في هذا المجال سبباً في تجاوز القصد، ومجانية الصواب في بعض  الأحيان، إننا نتفق معه في وجوب أن تملك نحن اللغة ولا ندعها  تملكنا بأساليبها التقليدية، وكل ما ذكره في هذا الصدد بالغ  غاية الجودة، ولكنه حين يتجاوز هذه المنطقة بأخذ في الغلو.

يقول مرة: (موضوعات الشعر العربي - فيما عدا الغزل -  هي الحكم والفلسفة، ثم النقد في صورة هجاء والوعض في صورة  المديح فإذا تركنا الغزل جانباً وجدنا أن هذه الأغراض جميعاً  أجنبية عن الشعر، لا بوصفه نظماً ولكن بوصفه أداة تعتمد  على إثارة الخيال. .)

وفي هذا الكلام غلظة أساسية. فليس هناك موضوع  للشعر وموضوع للنثر. إنما العبرة بطريقة تناول الموضوع. ففي  بعض حكم المتنبي مثلاً شعر أصيل ينبعث من نفس حية ويوحي  بشتى الانفعالات، وفي هجاء أبن الرومي صور فنية بارعة مليئة  بالحياة، وفي بعض الوصف للبحتري إيحاءات وظلال شاعرية. .  وهكذا.

فمن الخير أن ننظر في الفن دائماً إلى طريقة تناول الموضوع  لا إلى ذات الموضوع. فكل موضوع قابل للفن وقابل للعلم وقابل لعلم وقابل للفلسفة على نحو من الأنحاء.

ورأي آخر في الشعر الغنائي. . فأنني أرى بيننا فتنة لا تنتهي  بالشعر القصصي والشعر الروائي. وأنا أزعم أن الأصل في الشعر  هو الغناء. الغناء الذاتي الفردي. وأنه حين يتجاوز هذه المنطقة  يكاد يتعدى خير مجالاته. وأنه إذا كان الشعر القصصي أو الروائي  قد راج في حقب من الزمان، فإنه الآن غير قابل للحياة ألا

بمعجزة، وأنه أن للشعر أن يرتد غناء، وغناء فحسب!

أن الشعر العربي لم يتخلف لأنه غناء، ولكن لأنه لم يكن  غناء حقاً! فلم يعرف كيف يغني فينطلق من قيود الحس والذهن  إلا في القليل منه، وهذا هو اخلد قسم فيه.

ونحن لا نوافق رأي أرسطو الذي يستشهد به الأستاذ  عادل: (إن على الشاعر أن يتحدث عن نفسه اقل حديث ممكن  وإلا فهو ليس بالمصور والمحاكي للأعمال الرجال كما يفترض فيه) فلأرسطو أن يقول في هذا ما يشاء. فنقول له: كلا! ان على الشاعر أن يتحدث عن نفسه اكثر حديث ممكن، وله، أولاً  يلفت مرة واحدة إلى سواه!

ولدينا مباحث كثيرة قد أثارها الأستاذ عادل عن الطبيعة  اللغة العربية وعيوبها الذاتية كلغة، والخلاف بيننا وبينه طويل  في هذه المباحث، وإن وافقناه في الكثير منها، فنحن لا نرى  النقص في صميم اللغة، ولكن في أساليبها، والأسلوب من يصنع  الأدباء وعليهم وحدهم أن يطوعوه. وعلى كل حال فنحن لا نجد  الفراغ الكافي للجدل حول هذه المباحث، لأننا نريد أن نعرض  لنقطة أخيرة.

تلك هي مسألة الأخلاق، ومسألة الكتابة عن العظماء،  وبينها نوع من الارتباط، ولا نحب أن نطيل القول في هذا  المجال فلنرجع به إلى قاعدة محدودة.

أمن الخير للإنسانية أن تنطلق من غرائزها وشهواتها - بلا  ضابط ولا قيود - أم من الخير للإنسانية أن تكون هناك  كوابح وزواجر في صورة من الصور؟

وبتعبير آخر: أمن الخير للإنسانية أن تظل خاضعة للغرائز خاضعة للشهوات. أم من الخير للإنسانية أن تتحرر من هذا  الضرورات - ولو بتسامي والتصعيد إذا كانت لم تبلغ حتى  اليوم درجة التحرر التام؟

أما نحن فلا نتردد في اختيار الوضع الأخير. وأما الأستاذ  عادل فيجعل (جماعة القلعة) في قصته يرون الخير كله في إباحة  كل محرم، وفي انطلاق من جميع القيود الأخلاقية، للوقوع  في جميع القيود الغريزية!

وهذا هو مفرق الطريق! ثم إنه ينكر على بعض كبار الأدباء عندنا، ويستشهد في

أذى كذلك تحرم هذه.

وقم إلى طفلك وأحذر أن تلقى بذرة إنسانية مسمومة بالخمر  أو بالأمراض الخبيثة حتى ينبت وهو صحيح في ظلمة الرحم ثم حافظ  عليه وهو حمل جنين فلا تجعل مؤثراً عنيفاً يؤثر فيه حتى يخرج  الطفل بريئاً من عوامل الالتواء والاعوجاج فتعهده لتنمية  حواسه وجسمه وأفتح روحه وثقفه، وكمله وهذبه.

وقم إلى روحك فأعتقد لها العقيدة الصالحة الصحيحة وتعبد  بمقتضاها حتى توقظ فيك حياة الاتصال بباري الكون وتجعلك  تحيل عليه جميع أمورك وهمومك وآمالك، وتقدم إلى وجهه  جهادك وصبرك. ثم إلى الجماعة التي تعيش فيها وأقمتها على  المنطق والمصلحة العامة واحمل الناس على الإنصاف فإنك حينئذ  ترى الفردوس المنشود.

9 - كل هذا قد لا يملكه الفرد لنفسه وذريته وحياته، ولكن  تملكه الأمة لأفرادها إن أرادت! وإرادتها حينئذ تكون من  إرادة القدر الإلهي. . بل إرادة النفس هي بدء إرادة القدر  الذي في حدود قوانين الحياة. أما القدر الذي يأتي من وراء  الحدود فذلك أمره إلى الله وحده. وهو قليل ونادر جداً.

إن محمداً رسول الله هزم هو وجيشه في يوم (أحد) ويوم  (حنين) لأن فئة من جيشه لم تأخذ بما أمرها به العقل فتركت  في أحد أماكنها في الصفوف لشهوة صغيرة، وأعجبتها كثرتها في  حنين فلم يحاب قدر الله الجميع ولو كانوا أصحاب محمد لأن القدر  لا يحابي من يخالف قوانين الحياة. وفي ذلك إرشاد بالغ للمسلم  حتى يعتمد على فكره وإرادته بعد أن يطلب التوفيق من الله.

إنني أتصور في بعض الأحيان أنني ألقيت بنفسي في النيل،  أو لم أنحرف عن طريق ترام مقبل أو سيارة شبراً واحداً، فإذا  بحياتي تضيع لأني أنكرت قوة من قوى الطبيعة لم أحسب  حساباً أو استهزأت بها. وهي ذات بأس الحديد أو صعق النار  أو غمر الماء.

إن الذي يقرا القرآن مليون مرة في مواجهة عدو مسلح  لا يجديه ذلك شيئاً كما أن ينقذ آية واحدة منه وهي:  (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة. . . الخ)! ذلك لأن اللص  لا يجديه شيئاً أن يحفظ أو يتلو قانون العقوبات، لأن هذا

القانون لم يوضع للتلاوة والاستظهار بل للتنفيذ.

فالأوامر القرآنية منزلة لتنفيذها وإقامة الحياة بها لا (لحفظها)  وإهمال تطبيقها. وتلك حقيقة كثير من المسلمين فهمها  مع الأسف.

وطبعاً ليس في هذا وعد بالجنة في الأرض بناء على تنفيذ  هذه الوصايا. . ولكن في هذا زحزحة عن النار. . عن جحيم  السخط والألم والنكران والجحود والشك في قيمة الإنسان  وفي العدل الإلهي وعن النظر إلى التدين كحياة كآبة  وضعف وحزن وضنى وألم وسخط وندم.

وبعد (فلنحاسب) الله (ولنحاكم) عدله الإلهي بعقل  سام وفكر كبير كفكره تعالى في الطبيعة كلها. . وهذا  لا يكون إلا إذا نظرنا إليه نظرة تتمثل فيها الإنسانية  كلها لا نظرة أمة أو جماعة يزعمون أنهم شعبه المختار، فهم لذلك  يعتقدون انهم أحق بكل ثروات الأرض وقوة الأرض وجنة  السماء! أو نظرة جماعة ذليلة مستبعدة فقيرة يملكون أن يموتوا  أحراراً ولكنهم لم يفعلوا ورضوا بمذلات الحياة.

فمن سوء الإصرار وقلة الإنصاف أن نظل نحاسب عدل الله  بعقول أطفال النظر يريدون أن يستأثروا بحبه تعالى لهم  وحدهم ويحاربوا من عداهم من عياله.

ومن المضحك أن كل شعب يزعم أنه الشعب المختار. .  أفراده أبناء الله وأحباؤه! ومن المؤسف أن كل فرد في كل  شعب غير مهذب يريد ثروة الحياة كلها لنفسه وحدها!

إننا نستطيع أن نقيم العدل الإلهي في الأرض وأن نحصل  على السعادة إذا تحررنا من تاريخ طفولة البشرية الذي لا يزال  يصاحبنا ويتمثل في غرائز الإنسانية تمثلاً فظيعاً يحيل حياة كل أمة  إلى شقاء. ويجعلنا كلنا نخسر التمتع اللائق بهذه الرحلة السعيدة  التي دعانا الله إليها على هذه الأرض، ويؤخر تقدمنا العلمي الذي  يفتح علينا بركات من السماء والأرض تطعمنا من جوع  وتؤمننا من خوف وتزودنا من طمأنينة اليقين بعدل الله والرضا  عن الحياة.

اشترك في نشرتنا البريدية