تحرر العلم من تبعة الويلات التي قد تترتب على بعض مبتكراته ومخترعاته، وإن لم ينج من النقد الحر الذي ترتفع به صيحات الناس إبان الحروب وبعد أن تخمد نارها، فإن الحرب إذا اندلع لهيبها قصر العلم غايته على تقديم الوقود لها، وخص بلاده بكل جهوده، وتحول العلماء بين جدران معاملهم إلى جنود بواسل، يبذلون الجهد صادقين في إنقاذ الوطن، أو يفرغون الوسع جاهدين لتحطيم أعدائه، ولهذا انصبت اللعنات على العلم دون حساب، وأحس أهله - في فترة مضت - بحرج مركزهم؛ فأخذوا يلتمسون لأنفسهم الأعذار. وتذرع المجمع البريطاني بحجة أعلنها سنة 1899، ثم كرر إعلانها سنة 1925 فقال: إن الجندي يسعى لحفظ حياة الأفراد، أما العالم فإنه يجاهد لحفظ حياة النوع بالعمل على إيقاف الحرب بما يخترع من آلات التخريب وأدوات التدمير، والظفر في الحرب يكسب السلم الذي يصون الحرية الفكرية ويستأصل الشر الذي يجور على محبة الأمم ويبشر بالحق والمحبة في بقاع الأرض طراً. . .! وهذا العذر يكاد لا يفترق عن الحجة التي تذرع بها نابليون يوم طمع في إخضاع العالم وتوحيد حكمه. وقد ردد الحلفاء صداها في الحرب الماضية، وتثار اليوم في الحرب الراهنة التي ترمي إلى القضاء على الهتلرية التي أنهكت أعصاب العالم وهدت قواه، بما تظهره من امتهان الوعود والحنث بالعهود. فكأن رجال العلم حين التمسوا لأنفسهم الأعذار عن تسخير علمهم لغرض قومي عملي، قد تحولوا إلى رجال سياسة! وقد كان في وسعهم أن يقولوا إن الحروب إذا اندلع لهيبها، انقلبت الأوضاع واضطربت الغايات، وأصبح من واجب العلم أن يلبي نداء الأوطان. إن المواطن في أعرق البلاد نزوعاً للحرية والديمقراطية، يكاد أن يستحيل آلة في يد الوطن إذا حاق به خطر، فلماذا ننكر على العلم خروجه عن حريته، ومرضاته بخدمة غرض قومي متى دعا الداعي ونادى الوطن؟
ورغم أن العلم قد تحرر من ذل الأغراض فما زال مثاراً لاتهامات تنصب عليه في أيام السلم كذلك، وحجة المتهمين أن مخترعاته قد ترتب على بعضها ما يراه البعض شراً وأذى، وقد يطالبونه بتحقيق ألوان من السعادة الموهومة ويحاسبونه على عجزه عن تحقيقها! قال الرئيس ولسون: إن العلم قد أخفق في تحقيق الإصلاح العاجل وتوفير الفردوس الأرضي للناس. إنه أفادنا في عالم المادة وحررنا من خوف الخرافة والمرض، ولكنه فشل في تغيير الطبيعة البشرية وتخليصها من أدران الأحقاد والضغائن، وبذلك ظل الناس عبيداً لأنفسهم. فرد عليه المجمع البريطاني قائلاً: لماذا نلقي على عاتق العلم تبعة الفشل الذي انتهت إليه آمال لم يعد العلم بتحقيقها؟ إن العلم لا يدعي إصلاح الطبيعة البشرية، وقد يكون في مقدوره أن يغير البيئة ويزيد في منفعة الإنسان، ويوسع من رحاب مداركه، ولكنه غير مسئول إذا أساء المرء استعمال آثاره. فعلم الطب قد يطيل حياة الناس، ويكفل لهم الصحة والعافية، ولكنه غير مسئول عن تُقْضى الحياة التي نجح في إطالتها. وقد يكفل للأشرار القوة كما يكفلها للأخيار ولكن ذلك لا يبرر المطالبة بإغلاق المستشفيات حتى لا يفيد منها دعاة الشر والإجرام ترى مما أسلفنا أن العلم وإن كان قد بدأ في العصور الحديثة
موصول الرابطة بصالح الإنسان، إلا أنه مضى في تطوره حتى أزاح عن كاهله خدمة المجتمع واسترد حريته وسيادته، وأضحى عند أهله بحثاً موضوعياً يعينهم على التملي بجمال الطبيعة واستشعار اللذة العقلية عند فهم ظواهرها. أما المنفعة المادية فتجيء عرضاً من تطبيق نتائج العلم لصالح المجتمع، واعتبر المحدثون توجيه العلم للنفع المادي استعباداً للعقل وامتهاناً لقداسته، بالإضافة إلى ما ينشأ عن تقييد حريته من انحطاط فكري شهد به تاريخ الفكر منذ أقدم العصور. وما دام العلم في عهده الأخير لا يتصل بالكمال الإنساني اتصالاً مباشراً، وهو زاهد في ثناء الناس على ما قدم من خدمات، غير مستعد لاحتمال التبعات التي يلقيها على عاتقه خصومه، فليس من حقنا أن نتولاه باللوم كلما تطايرت إلينا أنباء الحروب وفظائعها. وإن كان لابد من الحديث عن موقف العلم من الكمال الإنساني لمعرفة ما حققه من خير وما جره من ويلات - وجب أن نتحدث عن العلم في أول مراحله كما صوره فرنسيس بيكون أداة لخدمة الإنسان. والكلام على بيكون وتبشيره برسالة العلم والمدنية، يذكرنا بجان جاك روسو ورسالته القائمة على الدعوة إلى الطبيعة والعيش على مقتضى الإلهام والفطرة البسيطة؛ وذلك ما نخصص لمناقشته مقالنا القادم
