خلاصة المقال الأول : كان فريدريك هورنيمان قسيساً ألمانيا ابن قسيس ، ومن عائلة أربابها قسس، لكن بيئته هذه وأثرها فيه لم يفلحا في صرفه عن تحقيق أمنية جاشت في صدره ، فعكف على درس الجغرافيا ، وعنى عناية خاصة بالكشف وارتياد المجهول ، فأحس في نفسه الاستعداد لأتمام ما بدأه غيره في مجاهل أفريقيا. واتصل بالجمعية الأفريقية اللندنية ، فتوسمت فيه المقدرة على النهوض بمهمته، فزودته بالمال والخبرة . وتزود هو بما يعينه على أداء هذه المهمة، فأكب على دراسة العربية، والعادات الاسلامية ، وتلاوة القرآن، وتزيا بزى المسلمين. وأبحر إلى الإسكندرية في سنة ۱۲۹۹، وسافر منها إلى القاهرة ، وأقام فيها بضعة أشهر، ثم خرج منها وقت دخول الفرنسيين فيها بقيادة بونابرت ، فتزود بالجوازات اللازمة ، منضم إلى إحدى القوافل الذاهبة إلى لوبيا، متخذاً ترجمانا ألمانيا كان قد اعتنق الإسلام وأقام في الشرق اثنى عشر عاما، وتضلع من العربية والتركية ] .
كان ما يخشاه هورنيمان ويعمل له ألف حساب أن يعلم المسافرون أنه أوربى ، فالتزم من ثم الحيطة ، وحذر غاية الحذر أن تبدر منه بادرة تنم عليه . وكان أحيانا تغلبه نفسه المستعلمة ، فيطرح التحفظ والحذر كما فعل على مقربة من سيوه ، حيث اكتشف بعض الخرائب والآثار الشائعة التي اعتقد أنها معبد قديم لأمون . قال : ( عند ما نصبنا خيامنا في وادى سيوه كشفت غربي الطريق على بضعة أميال خرائب بناء عظيم. وكان الحذر يقتضينى أن أكتسب ثقة الأهالى قبل معاينة الآثار والمدافن النشأة فى قلب الأرض . وكان هؤلاء السكان يعتبروني وترجمانى نصرانيين ، لما بدا لهم من بياض بشرتنا وهيئتنا ولباسنا التركي. وكنت قد انتهزت فرصة الفوضى التي كانت سائدة في القاهرة وضواحيها أوان سفرى ، فانضممت إلى القافلة باعتباري مسلماً من دون أن أنفس بكلمة تركية أو عربية . لكن ما لاح لهم على من سيماء الماليك أتاح لى العذر في الصمت .
" وكنت اعتمد بعد ذلك على ترجماني الالماني الذي
حمل في الآستانة من اثنتى عشرة سنة مضت على اعتناق الاسلام ، وقد عرفته في القاهرة . وقد كان أسلم لى لو أني ضحيت بالفضول الذي دفعني إلى معاينة آثار سيوه ، في سبيل غرضى الأكبر الذى كنت أعتزم تحقيقه، وهو إطلاع معاصرى على دخيلة بلدان لم تكشف في شمال أفريقيا . أجل كان أسلم لى وأحكم لو أني فعلت هذا ، أو كنت على الأقل هذا الفضول واعتصمت بالصبر إلى الوقت المناسب . إذا لكنت وفرت على نفسى بعض المتاعب التي تعرضت لها أثناء الطر
كانت معاينة هورنيمان للعقار والخرائب ملحوظة فقوت شبهات أهالى سيوه ، حتى لقد ابتعثوا وفدا منهم في أثر القافلة ليجتمع بشيخ الحجاج وزعيمهم المداولة . وإن ما أتى به هورنيمان من وصف للظرف العصيب الذى ألم به الدليل ناطق بشجاعة لا تهن ، وجأش ربيط ، وبديهة حاضرة ط
قال : « لقد لبثت في هذا الظرف عند متاعي هادئاً لا أبرح مكاني ؛ ذلك أن ترجماني كان قد انصرف يستطلع
الخبر ؛ فلما رأيته مقبلاً تتم خطواته السريعة ونظراته القلقة عن أمر جلل ، بادرت إلى ملاقاته ، فسمعته يلعن اللحظة التى أقدم فيها على السفر، ويقول إنا نحن الاثنين من الهالكين ، بعد إذ علم أننا مسيحيون مستطلعون . قال : وقد اعتزم القوم قتلنا ؛ ثم تولى عنى مهرولا إلى متاعه حيث استبدل ببندقيته المفردة بندقيتي المزدوجة ، وتسلح مداها بغدارتين ، فأبديت له صغاره، ونصحت له بالثبات ، وذكرته بأن مسلكه هذا ليقوى ربية القوم فينا بعد إذ أقام بين المسلمين اثنى عشر عاماً ، ألم في خلالها بدينهم وعاداتهم.
قلت له إنى وحدى المرض للخطر لا هو ، وإلى آمل دفعه لو تركني فلم يتدخل للدفاع عنى إلا حين أدعوه إلى ذلك . فرد على بقوله إنك لا تريد أن تعرفنى أبداً بأن ثمة ما يتهدونا ؛ لكني أحسبك هذه المرة ستدفع ثمن استخفافك غالياً . ولما رأيت الخوف يسلبه الرشد ويُطيح بليه تركته وقصدت إلى الجمع الصاخب أعزل ثابت الجنان. ودخلت على القوم فحييتهم بتحية الاسلام ، فلم يردها أحد من السيويين، بل إن بعضهم صاح على الأثر يقول : إنك نصرانى جديد من القاهرة ، جئت البناء عيناً علينا.
قال : ( ولو علمت إذ ذاك تعصب المسلمين وطباع العرب كما عرفتهما بعد ذاك لالتمست الخلاص من نفس الاتهام ، ولزعمت أننى إنما جئت إليهم هرباً من كفار القاهرة. لكنى حاولت أن أخفى ارتباكي ما أمكن ، فلم أرد على اتهام القوم ، بل اقتعدت الأرض ، والتفت إلى سرى من سراتهم كنت أعلم نفوذه العظيم ، وكان كثيراً ما يغشى خيمتى ؟ فقلت له : قل لى يا أخى أرأيت في حياتك ثلاثمائة رجل مسلح يسافرون ثلاثة أيام ليطاردوا رجلين اثنين قضيا بينكم عشرة أيام صديقين ، آكلين شاربين ، مفتوحة خيمتهما للجميع ؟ لقد رأيتنا أنت بعينيك كيف كنا نصلى ، وسمعت بأذنيك كيف كنا نتلو القرآن : أفتهمنا بعد ذلك بأنا من كفرة القاهرة نحن الذين
تتجنبهم ؟ ألا تعلمون أنها جريمة لا تغفر أن تصموا مؤمناً بانه كافر ؟ منك أنت أنتظر الادراك والفهم وخشية الله .
قال : وكنت ألقي كلامى فى جنان ثابت وجد كثير ، فلم ألبث أن استبنت أن الكثيرين قد عادوا إلى حسن الظن بي . ورد على الرجل السرى قائلاً : إنه يعرف جيداً أننا لسنا كفاراً، وأنه لم يحمل أحداً على مطاردتنا ، وأنه لو كان الأمر بيده لعاد من فوره إلى سيوه ، والتفت إلى رجل شرير كان يكيل لى الهم فقلت : صه أيها الرجل ! فوالله لو أنى أجيد العربية لأعجزتك ومئات من أمثالك ولأثبت لكم أني في الإسلام أمكن منكم ! فقال شيخ من القوم : حقاً أنه لأصغر من هذا ، وأثبت مع ذلك جناناً .
وطولب هورنیمان بابراز أوراق أثارت من قبل شبهتهم. وكان ترجمانه قد عاد بعد أن استبطأه ، فما كان أشد دهشته حين ألقى القوم هادئين وهو الذى قد كان أثارهم قبلاً بأقواله المضطربة الخرقاء
وعاد هورنيمان بأوراقه وأسلمها إلى كبير من السيويين ، فأدارها على القوم عل فيهم من يفهم فحواها وابتسم هورنيمان على الرغم منه ابتسامة مكبوتة ، ثم قال : لقد أعطينا هذه الأوراق على أن تخرج بها من القاهرة أحراراً ؛ أما فحواها فعلمه عند الله وصاح الترجمان عندئذ وقد تناول القرآن من يد هوريمان : أما هذا فنفهمه ! فطلب إليهما أن يقرآه ليثبت حقاً أنهما مسلمان . ولم يكن علمهما بكتاب الله مقصوراً لحسن حظهما على التلاوة ! فقد كان الترجمان يحفظه كله ، وكان هورنيمان يحسن الكتابة والقراءة بالعربية ، وهو ما يعتبره قوم كهؤلاء فضلاً وعلماً ، وجعلا يتلوان القرآن ، فما إن فعلا حتى انضم إليهما رؤوس القافلة مناصرين ، وكانوا إلى ذلك الحين يلازمون الصمت
وتحول الكثيرون من السيوبين إلى جانبهما وانتهت التجربة لمصلحتهما ، والسواد الأعظم في هذا متذمر مع ذلك إذ جاءت التجربة على نقيض ما توقع ، وإذ
تغلت فريسة كان يحسبها باردة .
وبلغ هورنیمان مرزوق عاصمة فزان ، ولم تكن غايته من السفر، بل كان يريد أن ينفذ منها إلى داخلية البلاد، لكنه بقي فيها عدة أشهر رجاء إنشاء ما أمل من علاقات، على الرغم من أن مناخها لا يلائم الأوربيين ؛ وقد أصيب هورتيان ورفيقه فيها بالحى ، وذهب الترجان ضحيتها.
وأراد هورنيمان أن ينتظر وصول قافلة قادمة من بورنو ليسافر معها إلى السودان، فأبطأ مقدمها ، واستحنته الجمعية الأفريقية اللندنية أن يوافيها بنتائج كشفه ، فتوجه إلى طرابلس ، سالخا شهرين في الطريق. وكان يقصد أن يصنف فيها كتاباً بمشاهداته واكتشافاته ، فلما بلغها ألقى هذه الهمة تنذر عليه فى الخان التركي الذي نزل فيه ، ووسط ضجيج العرب والأتراك وعجيجهم ، على أنه استطاع مع ذلك أن يدون مذكراته ، وإن كان قد دونها لمحا ، وعلى جناح السرعة، خشية أن يكتشفه أحد . وقد وصلت هذه المذكرات إلى انجلتره ، ولقيت فيها تقدير الجغرافيين وتكملاتهم .
و غادر هورنیمان طرابلس في ديسمبر سنة ١٧٩٩ بعد أن قضى فيها قرابة أربعة أشهر ، وكان التاجر التركي الذى عرفه فى باريس في طرابلس إنذاك ، فتزود منه بكتاب توصية ؛ ثم عاد إلى فزان ليدرك القافلة القادمة من بورنو. وكان معه جملان يحملان الكثير من الزاد والماء والبضاعة على اختلاف أنواعها ، إذ كان يسافر بوصفه تاجراً . وقد أضاف إلى بضاعته مختلف السلاح والأدوات ، ولم ينس أن يتزود بخير سلاح وهو كتاب الله وقرآنه الكريم.
وبعث هورنيمان إلى الجمعية الأفريقية اللندنية بكتابين من مرزوق ، أوضح فيهما خططه المستقبلة ، وقال في أحدهما :
في هذه المدينة الآن شريف من بورنو ، وهو رجل عاقل ، مقرب إلى سلطان تلك البلاد ، عرفت أن أفوز بصداقته . وسأسافر إلى بورنو برفقته في ١٥ مارس .
ومن هناك آمل أن أصل في أغسطس أو سبتمبر إلى قشنه التي تبعد من بورنو مسيرة خمسة عشر يوماً».
وقال في الآخر : « تتأهب قافلتنا للسفر ، وسأتوجه إليها هذا المساء. ولما كنت في حالة صحية جيدة ، وبات يموائمنى مناخ تلك الجهات ، وبت أتكلم العربية وقليلا من البورنية ، ولما كنت تام السلاح، لا تنقصي الشجاعة، وأحتمى فوق ذلك بحمى شريفين، على أن آمل بحق أن تتحقق مشروعاتى
وإذ كنت أول أوربي يقوم برحلة واسعة في هذا الجانب من الدنيا فسأسعى إلى الانتفاع بوقتى على خير وجه ، فلا أقيم في بورنو إلا إلى شهر سبتمبر حيث التحق بالقافلة الكبرى التي تغادر هذه الجهة إلى السودان حوالى هذا الوقت بانتظام.
ولست أعلم علم اليقين ما أنا مقدم عليه بعد وصولى إلى السودان أو إلى فشنه ، لكني أؤكد لكم أنه سيكون رائدى دائماً الفوز يرضى الجمعية ؛ فاعتبروا هذا الكتاب آخر كتاب من هذه السنة أو آخر كتاب يصل إليكم منى قبل بلوغى مرفأ ما من مرافئ الساحل الأفريقى».
هكذا أمل هورنيمان ، فشاء القدر غير ما أمل ، فلم يكن كتابه آخر ما كتب قبل بلوغ المرفأ الذي رجا أن يبلغ ، بل آخر نبأ منه على الاطلاق . ذلك أن أحداً لم يسمع عنه بعد ذلك خبراً ، ولا بد أن يكون قد بذل حياته ثمناً لشغفه بالبحث والكشف . وقد جاد بهذه الحياة دون أن يعلم أحد إلى اليوم كيف كان جوده بالحياة، ويقول البعض إنه ذهب فريسة الحمى ، وتستفيض الاشاعة بأنه عرف بعد إدراك غايته وقبيل عودته خلق فى ذلك حتفه . وقد مات فتى عقد العلم به رجاءه ، ففقد العلم بمونه خادما أمينا - وليس كل إنسان بقادر على أن يجمع مع الموهبة العلمية الروح العملى ، والاقدام ، والهمة ، والقدرة على معاشرة الناس .

