أما جلستنا هذه المرة فكانت في سفينة شراعية عند روض الفرج ، وقد بلع النيل أوجه في علوه وفخامته وشدة جريانه واحمرار لونه وبلغ القمر أوجه في جماله ونوره ، وامتزج جمال القمر بجمال النيل بجمال الجو بجمال الحديث ، فكان لنا من ذلك متعة فنية ، ومتعة عقلية ، أحببت أن أشرك القراء فيها .
كان ثلاثتنا في الليلة السابقة هم بعينهم في هذه الجلسة ، وزاد عليهم صديق رابع عاد من انجلترا حديثا بعد أن درس الاجتماع والاقتصاد والسياسة ؛ وعاد إلي مصر فتولاه نوع من الكآبة وانقباض الصدر وطول اللسان ، والنقمة على كل شئ يراه ، فلا يعجبه حياة الأسرة ، ولا نظام المجتمعات ، ولا نظام الاقتصاد ، ولا منظر الناس في الشارع ولا حجاب المرأة ولا سفورها ، ولا أي شئ يقع تحت سمعه وبصره ؛ وهو بجانب ذلك شديد اللوم لاذع النقد .
ذكرنا ونحن في الطريق المجلات العربية ، فأخذ يشنع عليها ، ويقذفها بكل نقيصة ، ويتهمها بأن أمثلها يتكلم في السماء ولا يتكلم في الأرض ، ولا ينير الشعب بما ينبغي أن يعلمه ، ولا يفهمه موقفه ، ولا يحل له مشاكله .
ولا يرسم له خطة سيره ؛ وتمر الأحداث بجانبها وكأنـها حدثت في المريخ . فإن اعتذرنا له بالحرب وملابساتــها قال ؛ وهل كانت مجلاتكم قبل الحرب خيراً منها الآن ، وأحسن تقديراً للظروف ، وأصدق معالجة للأمراض الواقعية ! وهكذا كلما عرضنا لشيء أوسعه نقداً ، حتى سارت بنا السفينة وحلت شراعها .
كان هذا المنظر يفتح الشهية للحديث كما فتحه للأكل ، ولكن لا أدري السبب في أن جميع الأصدقاء القدماء تفتحت شهيتهم للصمت دون الكلام ، إلا صاحبنا
الجديد ، فقد كان ثرثاراً لا يسمح لغيره أن يبدي رأيا أو يتحدث حديثاً ؛ وذلك انقلب الوضع من سمر نشترك فيه إلى محاضرة يلقيها علينا صاحبنا . لا أدري من حسن الحظ أو من سوئه أن أحدنا سأله رأيه في مصير العالم بعد هذه الحرب ، فقال : إن هذا سؤال لا تمكن الإجابة عنه بكلمة
ولا بنوع من التنبؤ ، ولا بالحدس والتخمين ؛ إنه لا يمكن فهم المستقبل إلا بفهم الماضي والحاضر ، ولا يمكن شرح الغاية إلا إذا عرفنا الاتجاه ، فإذا شئتم حدثتكم بشرط ألا تقاطعوني ، فأكره ما أكره في مصر أن المتحدث لا يستطيع أن يتم حديثه , ففي كل كلمة ينطق بها يقاطع ، وقبل أن يتمم فكرته يعترض عليه ، وقد يكون الآتي
شرحاً للماضى ولكن لا يمكن من ذلك ؛ وقد يطول الجدل في القشور قبل أن يصل المتحدث إلي اللباب . والحق أن المصريين يحتاجون إلي من يعلمهم فن الصمت كما يعلمون فن الكلام ؛ والحق ان الصمت فن له رسوم ومناهج يطول الحديث عنها ، فهل أحدثكم في فن الصمت أو تلتزمون الإصغاء فأحدثكم فيما سألتم ؟
وعدناه أن نلتزم الصمت ، لأنه يوافق مزاجنا في هذه الآونة ، ولأننا صائرون إلي هذه النتيجة شئنا أو أبينا فإن تدفقه لا يسمح بالكلام لغيره .
قال :-
لست أريد أن أرجع بكم في الحديث إلي الماضي البعيد فإن شأنه يطول ، ولكني أحدثكم في الحاضر مشوبا بشيء من الماضي القريب ، وأبني عليه المستقبل .
في عصر فكتوريا كان العالم المتمدن يتجه إلي السير على مبدأين هامين ؛ المبدأ الأول الحرية بأوسع معانيها ، ولست أعني الحرية السياسية وحدها ، بل أعني ان الحرية اصبحت مزاجاً عقلياً يحاول تطبيقها علي كل شئ ؟ حرية في الشؤون السياسية ، وأن ينال كل فرد نصيبه في سياسة أمته بطريق التصويت ؛ وحرية اقتصادية بالسير علي مذهب
Laissez faire- ولا أدري ماذا تسمونه باللغة العربية - أعني به حرية الفرد أن يشتري من أرخص سوق ويبيع في أغلي سوق ؛ وحرية الضمير ؛ وحرية العقل في أن ينميه كما يشاء ، ويغذيه بما شاء ، ويفك قيوده من الخرافات . والمبدأ الثاني الروح العلمي وعدم تقيده بأي قيد ، والبحث الحر الخالص ، والإعان التام بأن العلم هو الذي يجب أن يحكم الحياة ويسيرها .
وفي ظلال هذين المبدأين نمت الفردية ، أعنى احترام الفرد وحرية الفرد ، وكان كل شئ ينبئ بأن السير في هذا الطريق سيوصل حتما إلي سعادة الأمم ورفاهيتها ، وإلى السلام العام وحسن التفاهم بين الشعوب ؛ ولكن - مع الأسف - خاب الأمل ، وانتجت الحرية الاقتصادية غني
مفرطاً لقليل من الأفراد ، وفقرا مدفعاً للأغلبية ، وحرية واسعة للأغنياء وأصحاب رؤوس الأموال ، وعطالة ورقاً لكثير من العمال ، كما أنتجت صراعا حارا علي الأسواق ؛ وذلك أنتج الحواجز الجمركية ، وآل هذا كله حتما إلي الحروب الطاحنة التي شاهدناها في حرب سنة ١٩١٤ ، والتي امتدت عواملها وبواعثها إلي الحرب الحاضرة .
وانقسمت الأمم إلي معسكرين ، معسكر ظل علي مبدأ الحرية الفردية ومظهرها الديمقراطية ، مع تعديل ذلك بما تستوجبه الظروف ، وحامل علمه انجلترا وأمريكا ؛ ومعسكر كفر بالفردية وآمن بالجماعية ولم يسمح للفرد بالحرية إلا في حدود مصلحة الجماعة ، وحامل هذا العلم روسيا الشيوعية وإيطاليا الفاشية وألمانيا النازية .
وهذا المعسكر الثاني قد وضع نظامه الاقتصادي والسياسي علي هذا الأساس ، أساس الجماعة لا الفرد ، وإن اختلفت مناهج أممه ووسائلهم ؛ ففي السياسة أعطيت الهيئة التنفيذية سلطة واسعة جداً ، وحدت قوة السلطات الأخرى وضيقت المعارضة الخ ؛ ومن الناحية الاقتصادية حلت النقابات في النظام الفاشيستي محل حرية الأفراد ،
وتدخلت الحكومات في الأمور الاقتصادية ، ورسمت المناهج ، ووضعت يدها على كثير من موارد الدولة الخ . وكانت الشيوعية أكتر إمعانا في اضطهاد الفردية ونصرة
الجماعية ، ووضعت التربية في هذا المعسكر جميعه على أساس استمالة الفرد ليعد نفسه جزءاً من جسم المجموع لا شخصية مستقلة ؛ وتبع هذا تضييق حرية الفكر وحرية النقد ، بل وأحيانا حرية العلم إذا كانت النتائج العلمية لا تتفق ونظام الدولة .
ومن ناحية أخري رأينا المعسكر الأول نفسه قد شعر قادته بأن النظام الديمقراطي أيضاً في حاجة إلي تعديل ، وخطب عظماؤه في وجوب إصلاحة لمواجهة العالم الجديد ، فنظام رأس المال يسبب دائما أزمات حادة وعطالة محزنة ؛ فنادوا بأنه يجب ان تتدخل الحكومات الديمقراطية ولو
بعض الشئ لوضع حد لهذه المآسي ، وتقييد الحرية نوعا ما لمصلحة المجموع ؛ وقالوا إن النظام البرلماني بطئ في تسيير الأمور بطئاً يحتاج إلى علاج ، والمطابع والتمثيل والسينما والراديو قد جاوزت حدودها في الحرية ، ولا بد من تدخل في وضع حد لها مسترشدين بالمصلحة العامة .
وإلي هنا توسطنا النيل ، وهبت ريح فضربت الشراع فمالت السفينة ميلا شديدا ، ففزعنا وكان أفزعنا صاحبنا المحاضر فصاح ، وسكت عن الكلام المباح .
ثم جاوزنا الوسط ، وهدأت الريح ، فاعتدلت السفينة فعادت شهوته للكلام وشهوتنا للاستماع .
وسألناه : فماذا تنتظر بعد ؟
لعلكم ترون من هذا كله الصراع العنيف بين الفردية والجماعية ، واضطراب العالم بين النزعتين ، وشكواه من كبت الحرية العقلية في ظل " الجماعية : ، وقلقه من البطء والعطالة في ظل الفردية
إن العالم - فيما أري - سيتحرر من خضوعه المطلق للعوامل الاقتصادية ، وستكون المسائل المالية عاملا
من جملة عوامل ، لا العامل الوحيد ، وسيتعلم من هذه الكوارث إيمانه بنوع من الأخلاقية الأخوية ؛ وسيتبين أن النظرة الاقتصادية وحدها أدت إلي حياة جافة بائسة ، وسيعود إلي التعاليم التي أهملت من أن الإنسان أخو الإنسان ، وسيتجلي له أن التضييق على الحرية العقلية وإخضاع العلم للسياسة تدهور العقل ، وأن دعوي المصلحة العامة لا تغني ما لم يقصد إلي المصلحة العامة في صدق وإخلاص .
أما من ناحية الصراع بين الفردية والجماعية التي حدثتكم عنها ، فإني أرجح ان العالم سيهتدي إلي نوع جديد هو " الفردية في الجماعية " ، وأعني بذلك أن العقول ستبتكر نوعا من النظام يحفظ فيه للفرد شخصيته في حدود مصلحة الجماعة ، وستؤسس التربية والتعليم والنظم السياسية على تغذية العاطفتين من غير ان تتضاربا وتتعارضا ، سيكون هذا علاجا لكل مشاكل العصر الحاضر .
وهذا النظام المرجو لا يتحقق إلا إذا قبله العالم المتمدن كله ، ونفذه في صدق وإخلاص وقوة عقيدة ، وقامت على رعايته قادة الأمم ورجال السياسة ورجال العلم ورجال الدين ، وتلاشت عصبية الأمم ، وعصبية الأجناس ، وعصبية الأحزاب ، وعصبية أصحاب رؤوس الأموال ، وعصبية الطبقات ، وتولي الزعامة رجال واسعو النظر شديدو الإخلاص ، محبو الإنسانية ، جمعوا بين قوة العقل وقوة الشعور ، تسيرهم العقيدة الحقة المخلصة ، لا الرأي العام المحلى المتحزب .
وتعب الصديق من الحديث الطويل ووفائنا بشرطه ، وترْكنا إياه يحاضر من غير مقاطعة ؛ وطلب ماءً فشرب ثم سكت .
فسأله أحدنا : وهل تظن - يا دكتور - أن العالم سيصل إلي هذه الغاية بعد هذه الحرب ؟
فقال : إن هذا هو الأمل الوحيد لخلاص العالم ،
فإن لم يبلغها في هذه الحرب ، فسيظل في كوارث تتبعها كوارث ، وستزيد الويلات زيادة المتواليات الهندسية تبعاً لتقدم العلم وازدياد الحزازات ، حتى يمل الإنسان فيؤمن بالغاية التي شرحتها .
أما أنـها الغاية فلا أشك في ذلك ، وأما أنها الغاية من الحرب الحاضرة فلست أجزم به .
ومرت بجانبنا سفينة ملئت فرحاً وسروراً ، وبـها " جوقة " موسيقية تعزف وتغني ، ويأخذ أهلها الطرب فيتصايحون ويتنادرون ويضحكون .
فأخذ صديقنا يلقي محاضرة أخري في الموسيقى الشرقية وعيوبـها ، وبدأ يقارن بين الموسيقى الشرقية والغربية ، وكاد يتدفق في هذا تدفقه في ذاك .
قال أحدنا : علي رسلك -يا دكتور - !! فإن لقدرتنا على الاستماع حداً ، والمتحدث ينبغي أن يوائم بين أحاديثه ، فأين ما كنت فيه من مصير العالم من الموسيقى العربية والغربية ؟ فإن كنت خبيراً بالموسيقي فتجنب " النشاز " . وضحك الجميع ، ورست السفينة ، وإلى اللقاء .
