وفى ص ١٧٩ ( التاء المفتوحة ) بمعنى المبسوطة هكذا : (ت) قلت : إنها من غريب مصطلحاتى . والحق أنها مصطلح متوارث عندنا نحن المصريين ، ورثه آباؤنا عن آبائهم ، وورثناه عنهم ، ونحن الآن نلقنه أبناءنا وتلاميذنا فى جميع مدارسنا . ولهذا المصطلح نظير آخر ، هو التاء المربوطة (ة) وهو اصطلاح من اصطلاحات علماء الرسم المتأخرين . والمتقدمون منهم يطلقون عليها اسم الهاء فقط . ولا مشاحة فى الاصطلاح ، كما يقولون .
على أن التاء المبسوطة التى ذكرت ، يعبر عنها بعض العلماء بالتاء فقط ، بدون زيادة شئ ، وبعضهم يسميها : التاء المجرورة (١) .
وفى ص ١٨٤ ( مسألة : مصدر ميمى ) قال حضرة الأب : (( والمصدر الميمى لا يختم بهاء ، على ما راجعنا كتب القوم )) ولست أدرى أى كتب القوم عنيت ؟ : فان المصادر الميمية المختومة بالهاء كثيرة ، ذكر بعضها سيبويه فى كتابه (٢٤٧:١-٢٤٨ طبع بولاق) . وسرد الإمام الرضى فى شرح الشافية (١٧٠:١-١٧٤ طبع ١٣٥٧) طائفة صالحة منها . ومن ذلك : محمدة ، ومذمة ، ومعجزة ، ومظلمة ، ومعتبة ، ومهلكة ، ومعرفة ، ومغفرة ، ومعذرة ، ومعصية . كما أن المعاجم اللغوية تكفلت بإثبات ما ورد على هذا النحو . وفى القاموس : (( سأله كذا وعن كذا
وبكذا بمعنى . سؤالا ، وسآلة ، ومسألة ، وتسآلا ، وسألة )) فذكر بينها المصدر الميمى (( مسألة )) .
وفى ص ٢٠٣ ( غشوشة ) ظنك أنها جمع ( غش ) ، وتأولك لذلك بما تأولت - فيه كثير من العسر . والأقرب أن تكون مصدرا مفردا فى وزان السهولة والليونة والصهوبة والكدورة .
وفى ص ٢٥١ جاء فى المتن : ( سجرت التنور ) ، وفى الشرح : ( سجرت التنور : أحميته وأوقدته ) قلت : الصواب (أحمته) ، ولعل سبب الإشكال أنك قرأت عبارة الشرح مطابقة لعبارة المتن ، وذلك أمر لا يلتزمه المفسر ؛ إذ أن من المذاهب الشائعة فى تفسير الكلمات أن ينسب المفسر الكلام إلى نفسه . فأنا أردت فى الشرح أن أقول ( سجرت التنور ) أعنى بتاء التكلم ، وقرأتها أنت بتاء المؤنثة ، فمن ذلك ما حدث الخلاف والشبهة . وتجد حضرتك أنى فسرت ( نقت عظامها ) فى س ٩ بقولى : (( نقى العظم نقيا : استخرج نقيه )) ولم أقل ( نقت عظامها : استخرجت نقها ) .
وفى ش ص ٢٦٩ : (( والحواء بالضم : جمع حاو . وهذا الجمع ليس قياسيا ، ولا مما ذكرته المعاجم )) فقلت إنه ( قياسى ومبتذل ) . والحق أنه ماقيس ولا ابتذل ؛ إذ أن جمع الوصف من فاعل على فعال مطرد حقا ، ولكن فى غير المنقوص . اما المنقوص منه فجمعه على فعال نادر (1) . وهذا ما عنيت بقولى أنه ليس قياسيا .
وما ذكرت من الأمثلة الكثيرة ، جمله غير منقوص فلا يحتج بكثرته . وليس فيهن من المنقوص غير ( جان ، وصاد ) فهاتان من النادر ، كما تدر أيضا غاز وغزاه ، وسار وسراه . وفى ذلك ما قال ابن مالك :
وفعل لفاعل وفاعله وصفين نحو عاذل وعاذله
ومثله الفعال فيما ذ كرا وذان فى العل لاما ندرا
٤ - أوهام فى الآراء
وفى ش ٢ من ص ٧١ قلت إن يأجوج ومأجوج ( جنس من الأسيويين ) فعقبت على ذلك بقولك : (( وهذا الخلق لا وجود له فى الدنيا كلها . والذي أعرفه ... )) الخ . وليس بين القولين أى تعارض أو أى تضارب . فموطنهم ( سقونيا ) الذى ذكره الهمدانى - هو إقليم أسيوى بلا ريب . وقد جعلهم الهمدانى أصحاب الإقليم السادس(١) . وجعل حد الإقليم السادس أرض الصين إلى نهر بلخ إلى بحر الشام الذى يلى المشرق (٢) . أفلا يتضح من هذا أن يأجوح ومأجوح ، أو السقونيين ( جنس من الأسيويين ) ؟ :
وفى صفحة ٢٠٥ و ٢٢٥ و ٢٠٠ و ٢٠١ أخذت على أنى لم أعلق على هذه المرويات بأنها خرافات ( تفقأ فى العين حصرما ) . فكأن حضرة الأب قد زعم لنفسه أنى أقر هذه الخرافات . ولا وحقك ما إن كان من دأبى تصديق خرافة ! وما يكون لرجل من غيرى ، نصب نفسه لدراسة هذا الكتاب العجب ، أن يتعثر فى تمييز ما هو خرافة ظاهره ، وأن يتبين فصل ما بين الأباطيل والحقائق . فخرافة الشوك (٢٠٥) وخرافة انسلاخ البرغوث بعوضة (٢٢٥) مصدرتان بكلمة ( زعم ) . وهذا يكفى للتنبيه على خرافيتها .
وأما مرويات كعب الأحبار فى (٢٠٠ و ٢٠١) فان القارئ الذى تحدثه نفسه بقراءة كتاب الحيوان ، ليس يفتقر إلى أعلام تنصب له فى طريقه ، كي لا تضل به السبيل حين يقع بصره على هذه المرويات ، ذات الشهرة الخاصة .
وأما كتابة (يحيى بن برمك) باسقاط الألف ، مع أن (برمك) جد يحيى ، لا أبوه - فهو المذهب الصحيح من
مذاهب علماء الرسم (١) . على أن الحجاج فى الرسم أمر لا يجدى فتيلا ؛ فمن المؤسف أن الرسم لا يمكن جمع الناس فيه على مذهب خاص دون سواه ، مهما حاول المحاولون .
وفى ص ٤٨٣ ذكر ( كنيسة القمامة ) المعروفة بكنيسة القيامة . وقد أثبتها بالميم ، اعتمادا على ما ورد فى الحيوان (٦٢:٦ سامى) وعلى ترجيح ياقوت لهذه التسمية . وقد رأيت حضرتك أنه (لا يجوز لأحد أن يحقق هذه التسمية غير النصارى) وهذه عاطفة مشكورة نجلها ونحترمها . ولكننى أعرف أن التاريخ ملك للبشر جميعا ، يتداولونه بينهم بالبحث والتفتيش ، والامتحان والتحقيق . وأنت تري أن غير المسلمين ينظرون فى تاريخ المسلمين ويحققونه ، وتقبل منهم أقوالهم وأفكارهم ما كانت مستقيمة صالحة ، ويرحب بها ترحييا خاصا . وياقوت حين عرض لتحقيق اسم الكنيسة ، ثم يشب تحقيقه غرض أو يخالطه هوى ، فهو يتحدث عن تسمية كانت معروفة متعالمة ، منذ القرن الثالث الهجرى على الأقل . ولا ريب أنها غيرت دهرا طويلا معروفة بذلك بين الناس . كما أن هذه التسمية لم تقتصر على الجو العربى فحسب ، بل هى سارت أيضا فى اللغة الفارسية عن طريق اللغة العربية . ففى معجم استينجاس الفارسى الانجليزى ص ٩٨٨ نجد هذا النص : Kaslsatu lquaims, The charch of the holy sepalchce at Jeruesslem
تفسيره : ( كنيسة القمامة : كنيسة القبر المقدس بأورشليم ) . وسواء أكان ياقوت مخطئا فى تعليل هذه التسمية أم مصيبا ، فهي تسمية شاعت حينا ، وهى التسمية التى عناها الجاحظ بلا ريب (٣). وأنا إنما أثبتها تحقيقا لنص الجاحظ ، لا تحقيقا للوضع التاريخى الذى يجب أن يكون ؛ فان مهمة كل ناشر أن يجتهد فى إثبات النص اللفظى الذي أراده المؤلف . وأنت تجدنى فى ص ٤١٥ قد
أثبت نص الجاحظ فى رواية بيت الحارث بن حلزة البشكرى ، مع يقينى بأنها رواية مخطئة فاسدة ، كما نبهت عليه .
وليس من الغريب فى الأعلام العمرانية أن يتعاور اسمان مختلفان مسمى واحدا . فالمدينة سميت بيثرب وبالمدينة ، وبكل نطق القرآن (١) . ومكة قيل فيها (بكة) أيضا ، وبكل جاء القرآن (٢). وأحيانا تمحو التسمية الجديدة نظيرتها القديمة وتعفى عليها . فلو أن صاحب الهرم بعث من مثواه ، وعرض عليه اسم الهرم او ترجمة معناه لأنكره إنكارا وغلب عليه العجب . ومن يدرى ؟ لعل اسمه بعد دهر يصيبه تغيير ! .
وفى ص ٣٣٦ ش (( الصومعة كجوهرة : بيت للنصارى سمى بذلك لدقة فى رأسه )) فقلت : الصومعة كلمة لاتينية من summa ومعناها القمة وكل شئ دقيق . ولست أدرى ثم نفر من الاشتقاق العربى ما دام مستفيضا جامعا فى مادة من المواد ؟ ؛ فالمعنى السائر فى مادة ( صمع ) العربية هو دقة الأعلى ؛ فالصمعاء : المدملك المدقق من النبات ، وكل برعومة لم تتفتح بعد . والصومعة : البرنس ، وذروة الثريد . ويقال صومع الثريدة : إذا دقق رأسها . ومنه قول الراجز(٣) .
قد دقه نارده وصومعا ثمت ألبان اليخانى جعجعا
ونحن لا نستطيع أن نحكم بتعريب كلمة قبل أن نعدم وجود أصل لها من الاشتقاق اللغوى العربى ؛ فإذا وجدنا الأصل ووجدنا معه النظائر ، كان من الظلم البين أن ننفى عن الكلمة نسبتها إلى العربية .
٥ - ما غمض تحقيقه
وفى ش ص٤٨٨ تفسير الشهاب بأنه ينقض على أثر الشيطان بالليل ويقذف به . وهذا تفسير دينى عناه الجاحظ
ويعرفه عامة المسلمين . وأنا مكلف بتفسير عبارة الجاحظ على النحو الذى عنى . فقول الجاحظ : (( كأنه شهاب قذف )) لا يحتمل غير هذا التأويل . وكان من المستحسن أن تتمهل حضرتك قليلا فيما حكمت به . فأنا قلت إثر كلامى السابق فى حواشى الصفحة : (( وفى الكتاب (١) : إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب )) . وأضيف إلى ذلك قول الله (٢): (( وجعلناها رجوما للشياطين )) . وقوله(٣) ((وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا . وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا )) . وقوله (٤) : (( لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب )) .
وأما التفسير العلمى ، الذي يعرفه طلبة الفرق الدنيا من مدارسنا الثانوية بمصر ، فإنه لا يتنافى مع هذا التفسير الدينى ولا يعارضه ، فمع وجود السبب العلمى قد توجد العلة الدينية ، ليس فى ذلك ريب .
وقد جاء فى القرآن الكريم (*) فى شأن مدينة سدوم : (( فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود )) وجاء فى سفر التكوين (٢٤:١٩-٢٥) : (( فأمطر الرب على سدوم وعمورة كبريتا ونارا من عند الرب من السماء ، وقلب تلك المدن وكل الدائرة وجميع سكان المدن ونبات الارض )) . فالعلة الدينية لتخريب سدوم هو العقاب الالهى على إجرام أهلها وشدة فجورهم . والسبب العلمى الظاهر هو زلزال وانفجار جبل للنار ، أمطر أهلها بالحمم والقذائف المهلكة ، وقلب أرضهم وديارهم . ونسبة الحجارة إلى الجحيم والسماء إشارة إلى العقوبة الالهية . وهذا مثل من أمثلة .
البقية )

