حاول المستر جود في محاضرتيه الأوليين أن يشخص المرض الذي أصاب مدنيتنا فأوصلها إلى حالها التي هي عليها الآن ، وقال إن الداء الذي أصيبت به كامن في الثغرة التي تفصل قوتنا عن حكمتنا . ذلك أن العلم قد وضع في أيدينا مفاتيح الحياة الطبية الراضية ، ولكننا لم نعرف بعد كيف نفتح بها أبواب هذه الحياة ، وأن لدينا وسائل الحياة الطبية ولكننا نجهل أغراضها . ومن أجل ذلك كانت مدنيتنا مدنية عرجاء . ولا تصلح هذه الحال إلا بأزالة ما بين قدرتنا وحكمتنا من فوارق ، وسد الثغرة القائمة بين وسائل الحياة وغايتها وقد عرض المحاضر لثلاثة من أنواع العلاج المقترحة لهذا الداء
فأما الأول فهو منع هذه الزيادة المطردة في قوة الانسان التي يستخدمها في الشر والدمار ؛ ويقول أصحاب هذا الرأي : إن العلم قد بدل بيئة الإنسان في المائة والخمسين عاما الأخيرة تبديلا تاما سريعا ، عجز الانسان في خلالها عن هضم ما أدخله على هذه البيئة من تغيرات أساسية ؛ وذلك لأن الخلائق التى حدثت هذه التغيرات حولها لم تتبدل هي الأخرى إلا قليلا ، فنحن لا نملك الآن إلا تلك الطائفة المحدودة من الغرائز التي كان آباؤنا الأقدمون يعيشون بها في بيئة لاصلة بينها وبين
بيئتنا الحاضرة ؛ فعادات الإنسان الاجتماعية قد تطورت كثيرا ، ولكن المادة الإنسانية التي تصدر عنها تلك العادات قد بقيت على حالها لا تكاد تختلف عما كانت عليه في العصر الحجري ، ولهذا اصبحت غرائز الانسان لا تتفق مطلقا مع الحياة التي يحياها في هذه الأيام .
ويعاني الانسان من جراء ذلك آلاف الاضطرابات العصبية التي يدعي اصحاب التحليل النفساني أنهم
يستطيعون تشخيصها ولكنهم لا يفلحون في علاجها .
وهذه الاضطرابات قد تصيب الشعوب كما تصيب الأفراد ؛ فعقل الانسان أشبه بقطعة من المطاط إذا شددتها أكثر مما تطيق أفلت طرفها من يدك وعادت أقصر مما كانت . وهذا سبب من أسباب الحركات التي تقوم من آن إلى آن ضد المدنية الحاضرة ، والتي منها حركات النازيين والفاشيين ؛ ذلك أن ما ألفنا أن نسميه رقيا يلقى على العقل البشري عبئا ثقيلا ، هو عبء
تكييف نفسه تكييفا مستمرا حسب ظروف الحياة الجديدة وأساليبها . وقد يسير هذا الرقي بخطى أسرع مما تستطيع أن تجاريه قدرتنا على هذا التكييف ؛ وعند ذلك لا بد أن يحدث هذا رجعة واعتراضا ومقاومة من أولئك الذين يتحينون الفرص لسلب هذا الرقي من الذين يستطيعون أن يحسنوا الانتفاع به كالعباقرة والعلماء والكتاب والفنانين وأمثالهم . وإذ كان الناس لا يقدرون على فهم هذا الرقي كله ، وليس في وسعهم أن يتابعوا ما يفهمونه منه فليس أمامهم إلا أن يقفوا تياره إذا استطاعوا إلى ذلك سبيلا .
هذا هو ما يدور في ذهن أولئك الذين يرون أن العالم يتقدم بسرعة لا تستطيع طبيعة الانسان أن تجاريها وهذه الحقيقة هي الأساس الذي قامت عليه طائفة من الآراء والعقائد الاجتماعية والسياسية ، كالدعوة إلى المحافظة على التقاليد الصالحة القديمة ، والرجوع إلى أساليب الحياة البسيطة ، والحرص على بقاء الجنس ، وتطهير البلاد من الفساد السياسي ومساويء الحكم الديمقراطي
ونحوها من العقائد " فليوقف تقدم العلوم إلى حين ، حتى يستطيع الانسان أن يساير التغيرات التي يؤدي إليها هذا التقدم مادام الانسان عاجزا عن تكييف نفسه حسب البيئة التي يعيش فيها ، لأن هذه البيئة تتبدل باستمرار " .
ومن الوسائل المقترحة للوصول إلى هذا الغرض أن عدم نشر نتائج الأبحاث العلمية الطبيعية والكيميائية وأن توجه بعض الجهود التي تصرف في هذه الابحاث إلى النظر في طبيعة الجماعات البشرية وجهودها ، لنعلم هل تستطيع تلك الجماعات أن تهضم التغيرات التي يأتي بها العلم وتستعد لتلقي المخترعات الجديدة . وليس من قبيل المصادقات أن تكون الطبيعة والكيمياء أكثر العلوم
تقدما ، في حين أن علم الاجتماع وعلم النفس لم يكد كلاهما يتخطى من حالة المشاهدات ويصبح علما ذا قواعد وأصول . لقد كان تقدم العلوم الطبيعية والكيميائية أمراً لابد منه ، لأننا صرفنا جهودنا ووقتنا في دراسة طبيعة المادة ، فلم يبق لدينا من الوقت ولا من الجهد ما نصرفه في
دراسة طبيعة الانسان ؛ ولذلك يجب أن نحد من عدد المخترعات والا كتشافات ، وأن نحاول في الوقت نفسه أن نزيد علمنا بطبيعة الانسان ، وأن نعرف بنوع خاص إلى أي حد يمكنه أن يتحمل العبء الناشئ من تكييفه حسب بيئته دون أن ينتكس ويرتد .
ذلك اقتراح خلاب جميل الظاهر ، ولكنه مستحيل التنفيذ ، وتقوم في سبيله اعتراضات ثلاثة : أولها من هم المحكمون الذين سيعهد إليهم السيطرة على المخترعات الجديدة ليجيزوا منها ما يشاءون ويمنعوا ما يشاءون ؟ لن يكون هؤلاء هم العلماء بطبيعة الحال ، لأن العلماء ينكرون على الناس هذا الحق ، ويرفضون أن تكون
لهم يد في منع المخترعات والمكتشفات ؛ فهم يعملون لغرض واحد ، وهو أن يزيدوا علم الانسان ، ولا يبالون بما يفعله المجتمع بهذا العلم ، فليستخدمه في خيره أو في شره إذا شاء ، وليس عليهم إلا أن يكتشفوا وأن يخترعوا ، وليكن بعد ذلك ما يكون ؟ هذا هو واجبهم او مايريدون أن تعتقد أنه واجبهم .
والاعتراض الثاني أن كل رأي يرمي إلى تحريم
البحث العلمي الحر أو إلى تحريم نشر نتائج هذا البحث ينطوي على خطر عظيم ، لأنه يؤدي إلى الاستبداد ويعود بنا إلى حالة شبيهة بحالة العصور الوسطي من الضغط على الحريات وانتشار الخرافات والتحكم في الآراء والاعتقادات
والاعتراض الثالث أنه ما من أمة في العالم ترضى أن تخطو وحدها هذه الخطوة الجريئة فتقبل باختيارها أن تصبح في العلم وراء غيرها من الأمم ، وأن يسبقها غيرها في صنع الآلات الجديدة والاستحواذ على القوى الجديدة ، لأن معنى هذا القبول أنها ترضى بأن يسبقها غيرها في السيطرة على قوتي التعمير والتدمير في هذا العالم .
وقصارى القول أن هذا الاقتراح لا يمكن العمل به في ظروف العالم الحاضرة ونظامه السياسي الحاضر ، ولا يمكن تنفيذه إلا بأشراف هيئة عالمية ، وإنشاء هذه الهيئة معناه أن في وسع أمم العالم أن تتعاون في التفكير والعمل لخير العالم كله ومنع الناس من أن يسيئوا استخدام نتائج الأبحاث العلمية ؛ وإذا كان في وسعها أن تجتمع فلتجتمع لإصلاح حال العالم دون أن تحتاج إلى وقف رقي العلم والاختراع
وهذا يؤدي بنا إلى الاقتراح الثالث وهو تأليف حكومة دولية تشرف على شئون العالم ؛ ويتردد هذا الاقتراح الآن على ألسنة الساسة ، وقد أشار إليه ميثاق المحيط الأطلنطي . وهناك عدة أشكال مقترحة لهذه الحكومة أيسرها إنشاء حكومة عالمية اتحادية على مثال حكومة الولايات المتحدة الأمريكية ، ويقول أصحاب
هذا الرأي إن العلم قد ربط اجزاء العالم برباط قوي وألف منها وحدة متصلة يتأثر كل منها بما يحدث في الجزء الآخر ؛ فإذا أضرب عمال صناعة ما في أمريكا مثلا تأثر بذلك عدد كبير ممن يملكون أسهما في هذه الصناعة من أهل القارات الأخرى ؛ وأهم عامل في هذا الارتباط هو تقصير المسافات أو محوها . غير أن أحوال العالم
السياسية لم تجار هذا الارتباط بين أجزائه ، فظل مقسما إلى دول منفصلة تقوم بينها حدود اصطناعية ؛ فالعالم الذي أصبح وحدة متصلة من الناحية الاقتصادية ظل أقساما منفصلة من الناحية السياسية . وعلاج هذا الحال هو العمل على إزالة الحدود المصطنعة بين هذه الأقسام وتأليف دولة اتحادية أيا كان شكل هذا الاتحاد
سيقال بطبيعة الحال إن الدول حاولت أن تفعل ذلك حين أنشأت عصبة الأمم ولكنها لم تفلح والجواب أن الدول لم تحاوله لان العصبة لم تكن حكومة واحدة بل كانت مؤلفة من عدة حكومات لكل منها الحرية الكاملة في أن تضرب بقرارات الأمم الأخرى عرض الحائط إذا وافق ذلك هواها أو هوى الحاكم الذي يسيطر
على شئونها ؛ وكان مثلها كمثل جمعية من الأفراد يسيطر عليها قانون عام ولكن لكل عضو من أعضائها أن يتجاهل هذا القانون ولا يعمل به إذا بدا له ذلك ؛ ومن أجل هذا يدعو أنصار الحركة الاتحادية الجديدة إلى إقامة حكومة عامة واحدة من ورائها قوة تؤيدها ؛ وللوصول إلى هذا الغرض تقسم شئون الدول الداخلة في الاتحاد إلى قسمين ، يشمل القسم الأول منها ما يهم أفراد كل أمة
وحدهم ، كشئون التعليم والتشريع الجنائي والميزانية وإقامة المستشفيات وإنشاء الطرق ونحوها ، وهذه الأمور تبقى كما هي الآن تحت سيطرة الحكومات المحلية ، أما القسم الثاني فيشمل الأمور التي تهم الناس عامة ، كالشئون الخارجية والتسليح والنقد والتجارة الخارجية والنقل ، وهذه الأمور يجب أن تنتزع من الدول وتوضع تحت إشراف حكومة الاتحاد التي تختارها الشعوب صاحبة الشأن لتصرف أمورها .
فإذا تحقق هذا الأمل نجا العالم من كثير من الأهوال التي يتردى فيها من آن إلى آن ، وإذا لم يتحقق ظل يتردى في حرب بعد حرب حتى تفوض أركان حضارته . ونحن
رغم إيماننا بأن إنشاء حكومة من هذا النوع ضروري لسلامة الحضارة ومنعها من الانهيار ، لا نعتقد أنه يكفي لمنع هذا الانهيار إلى الأبد ، وهو لا يعدو أن يكون جسرا يمد فوق الثغرة التي أشرنا إليها من قبل أي الثغرة القائمة بين قوانا العقلية وحكمتنا السياسية ؛ أما دعائم هذا الجسر فستبقى قائمة على غير اساس متين في أرض رخوة
غير مستقرة ، تجعله مزعزعا لا ثبات له . وهذه الأرض الرخوة هي قلب إنسان هذه الأيام وروحه ؛ ذلك بأن المجتمع الانساني ليس إلا صورة من النساء والرجال الذين يؤلفونه ، وليس في وسعك أن تحصل على مجتمع صالح من نساء غير صالحات ورجال غير صالحين ، وذلك فإن العلاج الأخير للحال التي يشكو منها العالم الآن يجب أن يتجه إلى قلوب الناس وأرواحهم وذلك هو موضوع محاضرة جود الرابعة وموضوع مقالنا الآتي إن شاء الله
