الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 327الرجوع إلى "الثقافة"

2 - من لندن، صور للحياة والفكر المعاصر في انجلترا

Share

قفزت إلي ذاكرتي حين وصلني خطابك عبارة بلونارك عن اهالي روما التى كان الاغريق من قبله يرددونها عن اثينا ، وكنت انا احسها وربما كنا جميعها نحسها عن اكسفورد ، وهذه هي " إن كسفورد وما وراءها ظلمات "

إحساس يخيل لي اننا كنا جميعا نحسه ، إن حدود الزمان والسكان قد انتهت هنا في اكسفورد ، لأننا كلنا - المدينة بما فيها ومن فيها - وحدة لي تتفرق أو تتبدل . المصير والشكل الذي قد تتخذه حياتي أو حياتك او حياة من حولنا لم يكن من المسائل التي يستطيع أن تخصها بالتفكير أو الرؤيا في ذلك الحين

استنشقت عبير ذلك الماضي في خطابك وأحسست قوة الرابطة الحقيقية التي كانت تجمعنا كلنا فيما مضي والتي لم نكن نفكر فيها لأننا كنا نحياها . أنا وأنا هنا في لندن ، وانت في القاهرة ، وسورن وهي في الهند ، والبقية ومن سبقونا والذين سيأتون بعدنا ، تربطنا جميعا تلك الروح الكامنة خلف اكسفورد ، لأن كلا منا قبل أن يستقل القطار إلى بلده أو إلى طريق المستقبل يكون قد خلف وراءه في اكسفورد جزءا منه ويكون قد أخذ معه أيضا جزءا من اكسفورد .

وهكذا تحرك في ذلك الحنين الذي لابد أن تكويني تتذوقين مثله . وفي يوم أحد استقلت من لندن قطار الثالثة ، ولدي وصولي إلي ا كسفورد في الخامسة قصدت الحانوت اللاصق للمحطة واستأجرت دراجة لكي استكل إحساسي بالجو القديم ، وعمدت ثوا إلي زيارة الكوخ

كان الكوخ لا يزال في مكانه النائي في نهاية الطريق

الطويل المحفوف بأشجار التفاح والكمثري ، وكان الشارول لا يزال ينساب هادئا رزينا كعادته من اجيال قبل أن تخرج اكسفورد إلي الحياة . كل شئ كان هادئ ساكنا جميلا كعهدنا * ، ولكن شيئا كان ناقصا ، شيئا كان الكل في الكل . فيرا . فيرا ثم تعدقيم هناك ! هل تستطيعين ان تتصوري جو الكوح العتيق من غير فيرا ؟ وهل تستطيعين ان تتصوري صديقتنا في غير جو الكوخ تسكن مثلا حجرة عادية في بورديج هاوس بطابعها الخانق الممل ، أو تنزله اسرة متحفظة تجاري تقاليدها المرهقة في الاكل والشرب والنوم والحياة عامة ؟

وصلت أول هاول استربت وكانت ساعة كيبل كادج تدق السادسة وذكرت توا ايام كنت اقضي ساعات النهار في عمل متواصل بالاستديو ثم اسعي إلي شئ من التغيير والراحة بزيارة صديقتنا على غير موعد سابق وكان تعرج  الدراجة من محنى على الطريق الوعر ورائحة الأعشاب المبللة تفوح حولي ممزوجة برائحة الأرض الباردة ، وهتافات لاعي الهوكي البعيدة تبعث في ذاكرتي . . صرنا . عيدي . برايان دافيد  هو . سورن

دوروتي . . نعم سأجدهم كلهم هناك يتناولون الشاي علي عادتهم في أيام الاحاد . ورأيت انطونيوس جالسا معهم بوجهه الشاحب وجسمه الهزيل ، وسمعت صوته المنقطع يردد ارا ونظرياته المضطربة عن الفن والفلسفة والحياة عامة ، وذكرت ما كنا نقابله من مزيج الإعجاب والاستخفاف

ورحت استعيد ما كان بروفسور شواب يقوله عنه من ان لا شئ بنقصه سوي المران . . المران لكي يصل إلى القمة . لو كانت الحرب أبقت عليه ، من يدري ؟

لقد دخل الحرب لمجرد التجربة مدفوعا بعقيدته في ان يجرب كل شئ لينفذ بنفسه إلي المعرفة . وفي اخر رسالة له وقد ظللنا نتراسل بانتظام اثناء تدريبه في اسكتلندا وايضا بعد أن غادرها إلى الهند - قال لي : " لا يمكنني ان اصف

لك يامويا شعور الثقة والثورة الذي احسه وانا اقود طائرتي في الفضاء الفسيح تأهبا لانزال وشيك . من العبث أن اعتقد اني كنت استطيع القتال كواحد من آلاف في الجيش أو الأسطول . إن طائرتي المقاتلة تمنحني استقلال شخصيتي وتظهرني هي حقيقتي لنفسي . احس فيها باني وحدي المسئول عن فشلي أو نجاحي

لم يكن حزني عليه إلا بقدر ارتياحي إلي انه قتل مرة واحدة ولم يعش مصابا بتشويه ما ، الخاطر الوحيد الذي كان يزعجه عن الحرب ولا يطيق التفكير فيه

على أي . . قطعت الطريق المؤدي إلي الكوخ وهذه الخواطر تملأ نفسي ، ثم نزلت عن الدراجة واسندتها على الخضرة في المكان المعهود . وتنبهت للحال إلي قباب " متكا " لم تندفع نحوي فجأة تتمسح وتتلوى بين ارجي تستجدي كلمة تدليل او ربتة على فروتها السوداء ، ثم صدمت بصري خضرة قصيرة منظمة استنبتت في مكان الأعشاب البرية الطويلة حول الكوح وعلي ضفة النهر .

واين الثمر المتساقط تحت الأشجار هنا وهناك ؟ ؟

ليست هذه آثار فيرا . أدركت لساعتي ، وأ كدت لي الخبر إمرأة مجهولة رأبتها هناك : " فيرا لم تعد تقيم هنا " وكان هذا كل ما قالت لي

لا أدري هل وصل إلي علمك أني اشتغل الآن بالتدريس بعد ستة اشهر مماطلة في مكتب العمل بين الفلاحة او التدريس أو طبعا . . السجن . ولقد اكتشفت لدهشتي أن التدريس ليس كريها كما كنت تصورته ، فالاستجابة الفنية الصادقة التي أجدها من الصغار بخيالهم الواسع وصدق تعبيرهم عن نفوسهم التي لم تزحمها بعد العقد والمركبات النفسية تمنحني لذة وحماسة نحو العمل

كان يجب أن أقص عليك كيف حصلت على هذا العمل ، واليوم المشهود الذي ذهبت فيه لأقابل ناظرة المدرسة . كان أول مانيهتني اليه ان مدرستها شئ والسليد

شئ آخر ، لأن الأطفال عندها لن يرسموا الموديلات العارية والعياذ بالله ورمقتني بنظرة فاحصة فطمأنتها سترتي الداكنة المحتشمة وكنت أعددتها خاصة لذلك اللقاء فقالت لي : " لا اكتمك أني كنت أخشى أن أراك في حلة براقة او حتى بنطلون ، وان أري شعرك منسابا على كتفيك أليس هذا زيكم في السليد ؟ "

ولعلها لو كانت أطلت من النافذة لرأت في انتظاري جيرالد بشعره الأشعث ولحيته الكثة يرتدي بنطلونه الاخضر وصديريته الصفراء الفاقعة ، وكنت قداصطحبته معي ليواسيني طوال الطريق ولكي يشد من أزري .

فجيرالد رجل هذه المناسبات كما تعلمين . وأعتقد أنه سيظل هكذا دائما ، يسدي النصح ويسع صدره آلام الجميع ، ويحتفظ بآلامه ومشاكله لنفسه . رسالته عن الآلات الموسيقية في القرن السابع عشر لازالت في درج مكتبه ، وهو ينتظر مطمئنا اليوم الذي سيرغم اساتدة اكسفورد على الاعتراف بقيمتها وضمه إلي صفوفهم

أي سعادة اجدها في الكتابة لك واستعادة حياة اكسفورد التي ستظل دائما بالنسبة لنا دنيا من النبوغ ، الفطنة ، الايمان ، الشك ، الثورة والتهكم .

طبق الأصل

اشترك في نشرتنا البريدية