هذا من جهة الصياغة واللغة في الشعر الغربي أما من جهة الهيكل والمادة فالوحدة الفنية شرط أساسي فيهما ، وهى من الأهمية بحيث تكون أول ما يحتمه الذوق الغربي في القصيدة التي يشترط فيها أن تكون وحدة فنية قائمة بذاتها، وأن يكون لكليتها أو أكبر من أثر مجموع أبياتها إذا أخذ كل على انفراد : هذا التأثير الكلى يجب أن يتوزع توزيعاً يتناسب مع طول القصيدة ، وأن يستمد من هيكلها ومادتها أكثر مما يستمد من مفردات أبياتها .
القصيدة إذا كعمل فنى لا تشبه باقة من الورد يكون جمالها إلى حد ما في مجموع جمال فرادى وردها ، بل تشبه شجرة ورد حيث الجمال في مجموعة ساقها وأغصانها وورقها ووردها ، كل هذا مصوغ فى هيئة شجرة
يصعب على أن أضرب هنا مثلا إيجابياً من الشعر العربي الأوضح به هذه النقطة ، لذا أكتف بالأمثلة السليمة الآتية :
ا - كل قصيدة عربية تبتدىء بغزل وتنتهي بمدح تتمدم بذلك وحدتها .
ب _الأبيات الآتية للمتنبي في وصف ( بحيرة طبرية ، جمالها من نوع جمال باقة الورد ، لا من نوع جمال الشجرة ، لذا فهى ليست بقصيدة ، بل هي مجموعة من الأبيات الشعرية كثير منها يروق للذوق الغربي
(1) لولاك لم أترك البحيرة وال
غور دفئ وماؤها شيم
والموج مثل القحول مزيدة
تهدر فيها وما بها قطم
(۳) والطير فوق الحباب تحسبها
فرسان بلق تخونها اللحم
كأنها والرياح تضربها
جيشا وهي هازم ومنهزم
( ٥ ) كأنها في نهارها قمر
حف به من جنانها ظلم
(6) ناعمة الجسم لا عظام لها
لها بنات ومالها رحم
( ٧ ) يبقر عنهن بطنها أبدا
وما تشكى ولا يسيل دم
( ٨ ) تغنت الطير في جوانبها
وجادت الروض حولها الديم
( ٩ ) فهي كماوية مطوقة
جرد عنها غشاءها الأدم
والدليل علي عدم وحدتها أن من الممكن أن نقرأ أبياتها بالترتيب الآتي مثلا .
٥،٧،٦،٤،٢،٣،٩،٨،١ ، أو ٦،١ ، ٠٨،٩١٥،٣٤٤،٢،٧ وغير هذا الكثير من التباديل ، ومع ذلك فالوصف مستقيم والجمال غير ناقص ، هذه العملية لا يمكن إجراؤها على قصيدة جيدة غربية من نسمة أبيات لشاعر من الدرجة الأولى من غير إتلاف هيكلها
هذا مجمل ضئيل لا مناص منه ولا من ضآلته ؛ فقد حتم ضيقه واختصاره انني اكتب في مجلة ؟ وحتم كتابته رغبتي في أن أبين القواعد التي أحكم بها على شعر التونسي
حتى يحكم القارئ لنفسه إن كانت مقدماتي تؤدي إلي نتائجي أم لا
وحتم كتابته أيضا كرهى لأن يقتصر النقد على ( ما أجمله ) و ( ما أقبحة ) وعلمى أن الزجل والعامية من ناحية ، والشعر وعربية المدارس من ناحية أخرى أصبحت في مصر أمر مقابلة بين أدباء بدملومات يكتبون في المجلات لتثقيف المتعلمين ، وبين عوام رقاق الحال ينقون الرزق بتسلية الناس ، وأنه أمر مفاضلة بين حياة أقبلنا عليها ، هي حياة الشوارع الممهدة بالأسفلت والسيارات ، والعمارات ذات المصعد الكهربائي والصالونات الوثيرة الإناث، والبدلة والفستان ؛ وبالجملة كل ما يمتاز به حي الافرنج مثلا في بورسعيد ، وبين حياة تخجل منها كشعب ، و نتحاشاها كأفراد ، هي حياة الحارات والربع وغرفة السطوح والحصيرة والطبلية وكل ما يثيره في الذهن حى العرب من صور وعادات. وأخيراً فقد أصبح الأمر فى مصر أمر عوام متواضعين لا تسع لغتهم إلا قدر ما يفكرون وقدر ما يطمعون فيه من سلع العيش، وأمر خاصة تكتب لغة إضافية تمتاز بها عن بقية الناس ، وتعتز بمعرفتها كما يعتز المتكلمون بالفرنسية أو الإنجليزية بهما.
فإذا كان هذا التقدير خطأ منى ، وإذا كان إقبال أدباء مصر على عربية المدارس أمر تذوق أدب يرونه في العربية كما يرونه في الفرنسية مثلا ، إذا كان الأدب بغيتهم فما الذى يصرفهم عن رؤية أمثال هذه الصور وتقديرها كأدب ممتاز :
وصف سلاملك و ع السلاملك كمان صبارة في برميل
وكف مريم ولبلوبة وفل جميل وشخص راجل خزوق واقف عريض وطويل يحمي الجنينه ، وقلة تحت منها ماجور
وفوقه ع الباب تشوف فى الوش فوق الراس حجاب وحدوة حصان كانت في رجله مدامس وخمسة وخميسة قال تمنع عيون الناس والباب ملوش أكره واللوح القزاز مكسور (۱) أو (أم مصرية) :
الصبح نيته لما يخرج مرامی
ترقيه ثلاث مرات بآية الكرمي
ويقوت سبع خطوات على الدقايه
وتقول يا قادر يا كريم تهديه لى
أنت اللى آخر قطعتی مديه لى
بقدرتك من ريحة أبوه خليه لى
لحد ما ياخد بأيدة عزابة (2)
أو ( داخل سوارس ) :
قصدت يوم الحسين أشرب هناك خروب
جت قعدتي بين جدع عايق وبين كركوب
وشبه فى الوش قاعدة وانها المقلوب
بينوي زى اللى راكبه ستميت عفريت
طلعت لنا شبه بص لها اللى جنى وساح
طلع كان بعد منها شيخ بلد فلاح
محمله خرجين وموهية حطهم وارتاح
قال العجوز اللى جنبى: سوق بقي يا بخيت
يا خلق له الولد نازل بكا وعياط
والوش غرقان لشوشته فى عماص ومخاط
الحلوه قالت لأمه : يختي ابنك شاط !
قالت : عايزني اشترى له ادلمدى كتاكيت (۳)
ما الذى يعرفه قراء هومر بين أدبائنا أو قراء تشومر أو (موليير) أو (شكسبير) من وصف يفوق في حسيته وقوة إيحائه ودقته وأمانته هذا الوصف ؟ أنا لم أقرأ «هومر» ولا « موليير» إلا ترجمة ، ولا أرى لى حقاً في تقدير شعر أو أدب إلا إذا قرأته فى لغته الأصلية ؟ ولكني قرأت ( تشومر ) وقرأت «شكسبير» فى الفتيهما) الأصلية ؛ وأنا لا أقارن هنا بين التونسى وبينهما ، إذ أنى. لم أقرأ للأخير غير ديوانه وقصتيه ، ولكني أقارن عبقريته بعبقريتهما ، وأرى أن خير ما فيه يقرب كثيراً مما يماثله من خير ما فيهما.
ففي شعره القصصى وهو حوالى ٢٤ قصة أو صورة إن شئت، وقد اقتبست منه هذا ما يتسع المجال له ، أرى لغة تثير في المخيلة صوراً حسية تجعلنى أجزم بأن التونسى سمع ولمس ورأى الحياة حوله بحواس مرهفة لا نهب الطبيعة مثلها إلا لشاعر ، وأنه لا يقف من هذه الحياة موقف المصلح أو الفيلسوف فيحلها أو ينكرها أو يخبرنا بشيء منها ، إنما هو يعطينا تجاربه فيها ، كما يعطى الشعراء تجاربهم في ألوان سحرية ، لا هي كل ما تراه الدين ولا هي كل ما تهبه الروح أو نحسه ، فهى مزيج على مقاديره ونسبه عبقرية الرجل وقته . وفي كل من هذه القصص أحست بوحدة حية فنية وبأثر شعورى كان يقويه في نفسى قراءة البيت تلو البيت ، حتى إذا انتهت القصة أو الصورة كمل بذلك هذا الشعور
هذه كانت تجربتي ، وهى لا تبرهن على شيء لأحد سواى ، ولكن القارئ يدرك أن النقد التفصيلي حتى الواحدة من تلك القصص مستحيل هنا ، فأنا أدعو أن يقرأها القارئ لنفسه تحت ضوء ما كتبت عن الفن الغربي ، وأن يحاول عند قراءتها أن يتناسى آراءه من العربية والعامية ، فهذا تقسم نحوى فقهى لا علاقة له
بالأدب ، وليذكر أن ألبق لغة لأدب ما هي لغة يكتب عنهم هذا الأدب ؛ فلا عربية المدارس ، ولا أي لغة من لغات الأرض ، بقادرة على وصف حياتنا كما تصفها به لغة حديثنا على لسان شاعر موهوب.
ويوجد غير هذه الصور المصرية في ديوان التونسى صور أخرى غربية لا يقل الكثير منها في روعته وشاعريته عن الأولى ، وهى صور تذكرنا بشعر أوربا الحديث ، وتشترك مع كل شعر الشاعر في خاصة الجرأة في تخير الكلمات : فالتونسی "کألیت» و «بودليير » و"جويس"، وغيرهم من المحدثين لا يهاب الكلمة الوقحة ، إذا أملى عليه الفن استعمالها.
وأبدع هذه الصور الغربية، بل ربما كانت أبدع ما بالديوان هي قصيدته (مراقص الزنج في باريس) . والحق أننى لا أذكر أني قرأت في العربية شعراً وصفياً تألفت نبضات موسيقاه وبحره، وأصوات كلماته وأتحدث مع ما يصف الشاعر كما تألفت واتحدت معاني هذه القصيدة وأصواتها وموسيقاها . وأنا أنقل هنا للقارئ الذى لا يتاح له قراءتها في ديوان الشاعر بعض أبياتها ليحكم لنفسه ، ثم أطلب ممن لديهم الديوان أن يقرءوها كما قرأت مثلى :
تحت في الظلام دا نسبخ مجمع السيدور والزنج او:
بنج من جمال أشكال بنج من نغم شغال من جمب قصار وطوال مندغم نغم شياطين أو :
طبلة العبيد السود دايرة والنفير ممدود خلت أم أجمل عود تنقتل شمال ويمين او:
تسمع الودع يشن بقلب الملايكة بجن
أو : إن عليها جادوه بالعجل تقول له ألوه يق محل تقبل يا هوه وردى يعجب المجانين
أظنه اتهاماً لتباعة القارئ بعد هذا ، ولذوقه أن أبين له كيف توحى هذه الأصوات بأصوات الصدف ، والطبل والتكسفون والنفير ، وغير ذلك من آلات جوقة الجاز، وأظن أن أغلب القراء سوف يتذكرون قصيدة شوقى التي مطلعها :
حف كأسها الحبب فهى فضة ذهب فالبحر يكاد يكون واحداً ، وهو في العربية سريع
الخطى قصيرها، عنيف الحركة لا وقار له إذا قورن بالبحر الطويل مثلا.
فاذا تذكرنا أن شوقى وصف مرقصه الملكي في وقت لم يكن يعترف فيه بالجاز ، وأن الرقص الذي رآه كان من نوع الولتز Waltz والبولكا Polka واللانصرز Lancers وغير هذا من الرقص القديم الذي يمتاز برشاقة الحركة وعذوبة الموسيقى، والانثاد والوقار ، أفلا يرى القارىء معى أن البحر المذكور هنا أليق برقص الزنج وموسيقى الجاز منه بموسيقي ورقص كلاسيكي ؟

