الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 143الرجوع إلى "الرسالة"

Share

الخيال العاقل  (بقية المنشور علي صفحة 487)

رجلاً كما كان وادع النفس طفلاً. إنه يجد ويعمل، إنه يكد  ويكدح، إن الحياة تبسم له أحياناً، إن الناس من حوله يحبونه  ويقدرونه ويكبرونه ويثقون به، ويطمئنون إليه ويلتمسون به  العافية والسلم، ويحكمونه فيما شجر بينهم من خلاف، فلا يعرضه  ذلك لبطر ولا لأشر، لأن الله قد قطع الأسباب بين نفسه المصفاة  وبين ما يشوب حياة الناس من الأشر والبطر والغرور. ثم انظر  إليه وقد اختاره الله لخير ما يؤثر به عبداً من عباده، وحمله أثقل  أمانة حملها أحداً من خلقه، فإذا هو يلقي هذا العبء الثقيل جلداً  له، صبوراً عليه، ناهضاً به ماضياً فيه، لا يعرف كلالاً ولا ملالاً  ولا فتوراً، لأن الله قطع الأسباب بين نفسه المصفاة وبين ما يشوه  حياة الناس من الكلال والملال والفتور

ثم انظر إليه يذوق الثكل بعد أن ذاق اليتم، ويمتحن في  نفسه وسمعته، ويمتحن في صحبه وأوّلي نصره، ويمتحن في بنيه،  ثم يمتحن في زوجه التي جعلها الله له رحمة يسكن إليها ويعتز بها،  ثم يمتحن في دينه، ثم يمتحن في كل شيء، ثم يمتحن في كل  إنسان، فإذا هو كما هو، باسم الكهولة كما كان باسم الشباب وكما  كان باسم الصبى، لا يعرف الضعف ولا اليأس ولا هذا الاكتئاب  العقيم إليه سبيلاً، لأن الله قطع الأسباب بين نفسه المصفاة وبين  الضعف واليأس والاكتئاب العقيم

ثم انظر إليه وقد أنكر قومه وأنكره قومه، وقد ضاقت به  مكة وضاق به ما حول مكة، وقد لقي المحن التي لا تحتمل والمكروه  الذي لا يطاق، فلم يدركه نكول ولا استسلام، وإنما فتحت له أبواب  الأمل، وفرج عنه تأييد الله له ما تضايق من الأمر، فإذا هو يهاجر إلى  يثرب، أفتراه اطمأن فيها إلى الدعة ونعم فيها بالخفض واللين؟ كلا،  ما هذه الحروب التي لا تنقضي، والتي يمتحنه الله فيها بالنصر حيناً  وبغير النصر حيناً آخر. ما هذا الجهد الذي لا ينقضي؟ ما هذا  الضيق الذي يضطره أحياناً إلى الجوع؟ ما هذه الخيانات تأتيه  من المنافقين؟ ما هذه الخيانات تأتيه من حلفائه من يهود؟  ما هذا الموت يتخطف أعز أصحابه عليه وآثرهم عنده؟ أفتراه  يئس لذلك أو ضعف عن احتماله، أو اضطره شيء من ذلك إلى أن

يحيد عن طريقه المستقيمة قيد شعرة؟ كلا! لأن الله جعل نفسه  الكريمة مضاء كلها، وإباء كلهَا، وصبراً كلهَا، وثقة بالله كلها.  ثم انظر إليه وقد تقدمت به السن، ولم يبق له من بنيه وبناته  إلا فاطمة رحمها الله، وإذا الأيام تبسم له، وإذا الأمل يشرق أمامه  وإذا المبشرات ينبئه بأن الله قد رزقه غلاماً فيسميه باسم أبيه  إبراهيم، وإذا قلبه مسرور محبور، وإذا هو يشرك المسلمين معه  في سروره وحبوره فيبشرهم بما بشر به، ويجد المسلمون أن عينه  قد قرت فتقر عيونهم، وأن نفسه قد طابت فتطيب نفوسهم،  وأن قلبه الكريم يتفتح للأمل فتتفتح قلوبهم للآمال، ولكن  الله يأبى ألا أن يمتحنه شيخاً كما امتحنه صبياً وشاباً وكهلاً  وإذا إبراهيم ينزع منه ولما يتم الرضاع. افتراه جزع لذلك  أو أدركه ما يدرك الشيوخ من وهن وضعف. كلا. إن الله قد  قطع الأسباب بين نفسه المصفاة وبين الوهن والضعف. لم يتم  إبراهيم رضاعه في الدنيا فسيتمه في الجنة. وانظر إلى أبيه وإنه  ليسعى في جنازته محزوناً، ولكن حزن الكرام لا حزن اليائسين  ولا حزن القانطين، وإنه ليقوم على قبره وأنه ليعنى بتسوية القبر  وترويته وصب الماء عليه، وإنه لينصح المسلمين إذا عملوا عملا أن  يتموه وإن لم يكن لذلك غناء ظاهر، لأن من كمال العقل أن  يحسن الرجل ما يعمل. ثم انظر إليه يعلن إلى ربه أنه راض  بقضائه، مذعن لأمره مؤمن بحكمته، ويعلن إلى ابنه أنه محزون  لفقده. ثم انظر إليه إن عينيه الكريمتين لتدمعان. وما يمنعه أن  يبكي وإن البكاء ليتم مروءة الرجل أحياناً؟ ولكن انظر إليه،  أترى شيئاً من حياته قد تغير؟ أترى شيئاً من رأيه في الحياة قد  تغير؟ كلا. ما كان للأحداث في هذه الدنيا أن تغير نفساً هي  أكبر من الدنيا؟

قلت لهذا الخيال ما رأيت كاليوم خيالاً عاقلاً رشيداً. إن  في حديثك لعبرة لمن أراد أن يعتبر. قال وأي غرابة في أن يعقل  الخيال ويرشد إذا تحدث عن محمد، وإن كان من طبعه الطموح  والجموح؟. قلت لأنقلن حديثك هذا إلى صديق محزون جزع.  قال: انقله راشدا إلى صديقك والى كل محزون جزع، فما أرى  أن مسلما يتمثل حياة محمد من هذه الناحية من نواحيها ثم يعرف  اليأس أو الجزع إلى قلبه سبيلا.

اشترك في نشرتنا البريدية