معركة التحرير:
أذاعت وزارة الداخلية فى ٣٠ أكتوبر ١٩٥١ بياناً باعتداءات الإنجليز فى الفترة من ١٦ أكتوبر إلى ٣٠ منه ويؤخذ منه أن البريطانيين قتلوا أربعة جنود مصريين كما قتلوا ١٣ رجلاً من المدنيين وامرأة وطفلاً. وبلغ عدد الجرحى من العسكريين والمدنيين ١٢٥، وبلغ عدد حوادث النهب والسلب ١٢٥ وعدد المجنى علهم فى هذه الحوادث 72 شخصاً كما بلغ عدد حوادث تعطيل المواصلات ٤٨ حادثة، وحوادث الإتلاف ثمانية، وعدد من ضربوا أو قبض عليهم ٣8شخصاً
هذا هو الإحصاء الرسمى الذى أذيع، ولكن هناك إحصاء آخر يعرفه الناس جميعاً: إن منطقة القتال بأسرها تعيش الآن وسط أتون من الضغط والإرهاب البريطانى، وليس هناك مصرى واحد فى هذه المنطقة آمن على نفسه أو على حريته. إنهم يعيشون تحت أسنة الحراب الإنجليزية، وبلادهم مسرح للعدوان البريطانى
وإنى أحب أن أسجل بكل فخار ما قام به العمال الذين كانوا يعملون فى المعسكرات البريطانية من عمل وطنى رائع، وذلك بامتناعهم عن العمل فى تلك المعسكرات، الأمر الذى أقلق الإنجليز وأضجع مضاجعهم؛ كما أخفض قلمى تحية لوطنية عمال شركة قنال السويس وذلك بامتناعهم عن تفريغ أو شحن السفن، مما يهدد بوقف الملاحة فى القناة
كذلك يطيب لى أن أحيى أولئك الوطنيين من التجار الذين امتنعوا عن توريد الأطعمة والفواكه إلى أعداء الوطن
هذا فى مصر؛ أما فى السودان فقد عقد اجتماع وطنى كبير
شهد زعماء السودان المخلصون لوطنهم, وفيه أعلنوا أن الجمعية التشريعية السودانية لا تعبر عن رأى السودانيين، كما أعلنوا عن عزم السودانيين على الكفاح لإخراج الإنجليز من وادى النيل وإقامة دولة النيل المتحدة تحت تاج الفاروق
إلى الماضى.
هذه صورة من كفاحنا الشعبى فى معركة التحرير.. فلنعد إلى الماضى لنرى صورة من كفاح الآباء.. ولنعرف كيف وقفت مصر وشعبها الأعزل فى وجه بريطانيا غداة خروجها ظافرة من الحرب العالمية الأولى.. وكيف اضطرت بريطانيا رغم جيشها وأسطوله إلى التسليم بمطالب مصر
طلب سعد ورفيقاه كما رأينا أن يسمح لهم بالسفر إلى أوربا لعرض قضية مصر على مؤتمر الصلح ولكن رفض طلبه؛ ورأينا كذلك كيف ألف سعد الوفد المصرى؛ وفى الوقت نفسه طالب حسين رشدى باشا وزميله عدلى أن يسمح لهم بالسفر لمباحثة الحكومة البريطانية فى المسألة المصرية، وقد رفض طلبهما أولاً ثم سمح لهما بالسفر؛ ولكنهما طلبا أن يصرح لرجال الوفد بالسفر أيضاً فرفض الطلب مما أدى إلى استقالتهما. وقد وقف المصريون صفاً واحداً فلم يقبل أحد منهم الوزارة، وظلت مصر بلا وزارة فى الفترة من ديسمبر ٩١٨ إلى مارس ١٩١٩
لم ييأس سعد وظل يواصل جهاده، ففى ١١ يناير ١٩١٩ أرسل إلى كليمنصور رئيس مؤتمر السلام المنعقد بباريس برقية جاء فبها (بأسم الحركة التى أنت نصيرها، وبأسم العدل المجرد عن الهوى، وبأسم الإنسانية التى تأبى أن تكره الأمم على أن تنتقل من يد كما تنتقل ملكية السلع، نناديك من وراء البحر أن لا تتخذ سكوتنا الإكراهى الذى هو نتيجة الطبيعة لحبسنا فى حدود بلادنا دليلاً على رضانا بسيادة الغير، وألا تسمح بالحكم فى مصيرنا من غير أن تسمع أقوالنا.)
وفى ١٣ يناير ١٩١٩ عقد اجتماع وطنى رائع فى منزل حمد الباسل باشا خطب سعد باشا فيه فقال:
.. ليست فكرة الاستقلال جديدة فى مصر بل هى قديمة يتأجج فى قلوب المصريين الشوق إلى تحقيقيها كلما بدت بارقة أمل.. وتخبو ناره كلما استطاعت القوة أن تخمد أنفاس الحق، ولقد كان الوقت الحاضر أنسب فرصة لتحقيق هذه الفكرة... إن الاحتلال الفعلى لا يجد فرصة أنسب من هذه الفرصة ليحقق رجاء اللورد سالسبورى الذى قال فى ٣ نوفمبر ١٨٨٦ (نحن لا نبحث إلا عن الخروج من مصر بشرف)
قلب هذا الاحتلال الذى لم يكن له حق فى البقاء إلى حماية من بادئ رأى الإنجليز ومن غير اتفاق مع مصر.. ولكنها هى أيضا أمر باطل بطلانا أصليا أمام القانون الدولى ومخالف للمبادئ الجديدة التى خرجت بها الإنسانية من هذه الحرب الهائلة.. فنحن أمام القانون الإنسانى أصبحنا أحراراً من كل حكم أجنبى.. فلا ينقصنا إلا أن يعترف مؤتمر السلام بهذا الاستقلال فتزول العوائق التى تقف بيننا وبين التمتع به بالفعل. لهذا الغرض السامى المطابق لما فى نفوس المصريين جميعا ألفت أنا وأصحابى الوفد المصرى للسعى فى الوصول إلى الاعتراف بهذا الاستقلال وتشرفنا بتوكيل الأمة إيانا...
إن إيماننا بقواعد الحق والعدل هو عدتنا وكفى به عدة، وإن إجماع أمتنا على الاستقلال حجة قائمة، وما ينقصنا إلا أن يسمع مؤتمر السلام صوت الأمة، ولكن سيصله ولو من بعيد، يصله على رغم ما يقال من أن مؤتمر السلام الذى يعقد اليوم أشبه ما يكون بما سبقه من المؤتمرات، هذا هو النحو الذى ننحوه فى قضيتنا)
ثم أعلن أن مطالب الوفد تشمل السودان (وإن من الفضلة أن تقرر بأن كل ما نقوله عن مصر ينسحب على السودان لأن مصر والسودان كل لا يقبل التجزئة، بل إن السودان كما قال المستشار المالى فى تقريره ١٩١٤ (ألزم لمصر من الإسكندرية)
ويقول الجود Elgood وهو إنجليزى معاصر فى كتابه ( the trnait of egypt ) (انتقال مصر) ما ترجمته: (وفى خلال شهرى ديسمبر ويناير كان قلق المعتمد
البريطانى يتزايد يوما بعد يوم، فقد كان يشاهد بعيون متعبة العداوة للبريطانيين تنمو يوماً بعد يوم آخر. لم يكن زغلولاً خاملاً، كان اسمه على شفتى كل مصرى وانتخب زعيماً للوفد بإجماع الآراء. لم يكن فى مصر إلا حزب واحد، وزعيم، ومنهج واحد)
وفى ٢١ يناير غادر السير ونجت الأراضى المصرية بناء على استدعاء من لندن
أستمر الوفد فى نشاطه، وعزم على عقد اجتماع عام فى بيت الأمة فى ٣١ يناير، ولكن قائد القوات البريطانية منعه
مقدمات الثورة:
فى أول مارس ١٩١٩ قبل السلطان أحمد فؤاد استقالة رشدى باشا التى ظل أمرها معلقا منذ شهر ديسمبر ١٩١٨، وطلب إليه الاستمرار فى إدارة الأعمال إلى أن يتم تأليف الوزارة الجديدة
تحرجت الحال بقبول استقالة الوزارة وأوجس الوفد خيفة من محاولة تأليف وزارة جديدة، ذلك لأن رشدى باشا كان متعاوناً مع زعماء الوفد. وقد أدى ذلك إلى هياج فى الأفكار وإلى تحمس فى النفوس، وأضطر الوفد إلى أن يلجأ إلى السلطان عاتبا عليه قبول استقالة الوزارة التى وقفت بجانب الأمة تطالب باستقلالها، وطالباً أن يكون السلطان العون الأول للبلاد على نيل استقلالها
وفى ٤ مارس أرسل الوفد إلى معتمدى الدول الأجنبية احتجاجاً قوياً على السياسة الإنجليزية التى تمنعه من عرض قضية بلاده أمام مؤتمر الصلح بباريس وأهم ما جاء فيه:
جناب المعتمد:
قضى الأمر وبلغ العسف غايته، لم ينفع مصر أن كانت مشركاً لأقدم مدنية فى العالم، ولا أنها ما زالت دائبة يوما بعد يوم من عهد محمد على الكبير إلى الآن على أن تستعيد المركز الذى لها حق الوجود فيه بين الأمم، لم ينفعها تقديمها لقضية
الحلفاء أثناء الاقتتال أفيد أنواع المعونة تأثيراً، وقيامها بذلك فى نفس الساعة التى افتتحت بريطانيا العظمى فيها الحرب بأشد ضروب التصرفات السياسية ظلماً وهو إعلانها الحماية، لم ينفعها ما لها من وحدة العنصر، ونبوغ الطبقة الراقية فيها، وما عليه أهلها من الشغف بالنظام وتعشق الحرية والتسامح العظيم، تلك الخصائص التى تجعلها جديرة بالاستقلال
إذن فكل شىء يجب أن يتوارى أمام مطامع الاستعماريين اللامتناهية! إن المصريين دون جميع الأمم التى غيرت الحرب مركزها السياسى هم وحدهم الذين بطشت بهم القوة..
ها نحن أولاء محكوم علينا بالبكم، نعلك فيه شكيمة الغيظ، وبالحزن المبرح نلبس ثيابه حدادا على حريتنا المسلوبة. إن الأدلة التى ما زالت تسومنا الخسف ما لبثت أن قررت نهائياً قطع الطريق علينا إلى المؤتمر ساخرة بوعودها..
إن الوزارة التى اندفعت بوطنيتها إلى إتنهاج ما يوافق القضية المصرية قد اضطرت إلى الاستقالة.. ونحن نعتقد أنه لا يوجد مصرى واحد جدير بأن يدعى مصرياً يستطيع أن يؤلف وزارة.. والذى نقصد الآن إنما هو أن نشهدكم على المعاملة الجائرة التى ترزأ بها مصر لكى تقولوا لحكومتكم إنه على رغم العهود التى التزمت بها إنجلترا على رؤوس الأشهاد، وعلى الرغم من المبادئ التى أقرها الحلفاء بالإجماع، لا زال فى العالم أمة تتحكم فيها القوة الغاشمة لخدمة مصالح لا اتفاق لها من دواعى المدنية، وهى أقل اتفاقاً مع دواعى العدل والإنصاف
ولم تكن السلطة العسكرية تسمح بنشر هذه النداءات فى الجرائد، فكان الوفد يقوم بطبعها وتوزيعها على الأهالى، فأحدثت هياجاً كبيراً فى نفوس المصريين وأثارت حماسة وطنية عظيمة
فضاقت بريطانيا من حملات سعد ومن تشهيره بها، ومن نداءات الوفد إلى معتمدى الدول، ومن كتبه إلى السلطان، فقر رأيها على سياسة الشدة فى قمع الحركة. وبعد ظهر يوم ٦ مارس استدعى قائد القوات البريطانية رئيس الوفد المصرى وأعضاءه
ووجه إليهم الإنذار التالى:
(علمت أنكم تضعون مسألة الحماية موضع المناقشة، وأنكم تقيمون العقبات فى سير الحكومة المصرية تحت الحماية بالسعى فى منع تشكيل وزارة جديدة، وحيث أن البلاد تحت الأحكام العسكرية، لذلك يلزمنى أن أنذركم أن أى عمل منكم يرمى إلى عرقلة سير الإدارة يجعلكم عرضة إلى المعاملة الشديدة بموجب الأحكام العرفية)
وقد أراد أعضاء الوفد التعقيب على هذا الإنذار، ولكن القائد العام رفض سماع أى كلام قائلاً (لا مناقشة) !
قويمنا للكلام بقية

