مات لويس الرابع عشر فماتت معه الملكية المستبدة القادرة في فرنسا، واستأسد من كان بالأمس ذئباً، فاسترد الأشراف نفوذهم، واستعاد الكتاب والشعراء حريتهم، وتأهبوا لتحطيم الإيمان الديني الذي جاهد أسلافهم لتدعيمه زلفى إلى الملك الديّن المستبد. وشاعت اللادينية في فرنسا، وكانت تعاني من حروب انقضت ظهرها، وفاقة أحرجت صدرها، وترف يهد من كيانها فتدهور نفوذ الملك، وانحل سلطان الدين، ومال المفكرون إلى تمجيد العقل، معلنين التمرد على كل قديم. وفي هذا الجو نشأ (جان جاك روسو) شريداً بائساً، حييّا مسرفاً في الحياء، لا يحسن عشرة الناس ولا يألف المجتمعات؛ يعشق الطبيعة ويجد في رحابها مسرحاً لخياله الوثاب، لم يوهب العقل الخالق الممتاز، ولكنه أوتي القدرة على التعبير المليء بالقوة والحرارة والإيمان، فنصب نفسه لمحاربة الإلحاد بالطعن في العقل والمدنية وتمجيد القلب والفطرة، بعد أن أخفق (بيركلي) في نصرة الإيمان الديني بإنكار المادة، والاقتصار على الاعتراف بوجود العقل - أو الروح - وتهيأت له فرصة الإعلان عن رأيه، حين طرحت أكاديمية (ديجون) على الكتاب مسابقة عن أثر العلوم والفنون في صلاح الأخلاق أو فسادها، فتقدم (روسو) للاشتراك فيها، وقد وطن العزم على الطعن في العلوم والفنون، وبيان ما يترتب على انتشارها من سيئ الآثار، وتوالت بعد ذلك حملاته وإلى القارئ الكريم خلاصة رأيه:
تحدث (روسو) عن الرجل البدائي الذي يعيش في أحضان الطبيعة، بسيطاً هانئاً ببساطته، جاهلاً قانعاً بجهالته، مسترسلاً على فطرته وطبيعته؛ ثم قارنه برجل المدنية الفخور بعلومه، المزهو بفنونه، الغارق في حياته المعقدة، وانتهى من هذه المقارنة بترجيح الأول على الثاني، مؤيداً رأيه بمثل استقاها من تاريخ المصريين واليونان ومن إليهم. فمصر المجيدة التي كانت مدرسة الدنيا بأسرها، ما كادت تصبح أم العلوم والفنون، حتى أغار عليها قمبيز، وأعقبه اليونان والرومان والعرب والأتراك على التوالي، فهبطت إلى الهوان على سلم صيغت درجاته من علم وفن. وكذلك يقال في غيرها من كبرى الأمم، والتاريخ شاهد
عدل على صدق ما نقول، فمتى نشأت الفلسفة تدهورت الأخلاق، وأنى ظهر العلم اختفى الشرف، وليس الرجل المفكر إلا حيواناً فاسد المزاج مناقضاً للطبيعة، فالفكر وكل ما أبدعه من ألوان المدنية والحضارة تمرد على إلهام الفطرة ووحي الطبيعة، ومن هنا نشأ شقاء بني الإنسان. فالإنسان الأول خيّر بطبيعته، طيب بفطرته، قانع ما وجد اللقمة التي يسد بها رمقه، والخرقة التي يستر بها عورته، والمرأة التي يقضي معها حاجته، ومتى انقضت حاجته، فقد انطفأت رغبته، فإذا ولدت المرأة تعهدت طفلها بالرعاية كما تفعل أنثى الحيوان التي لا تعرف إلا إلهام الطبيعة الرحيمة، فإذا شب الولد في ظل هذه الرحمة الطبيعية تكفل بحياته، شأنه شأن سائر أنواع الحيوان، وعاش متساوياً مع رفاقه يتبادلون المحبة والوئام والإخاء، لا يزهو أحد على أقرانه بعلم ولا مال، وبهذا كانوا سعداء، ثم تمردوا على إلهام الطبيعة، وخضعوا لإملاء العقل، فأدركتهم المدنية بعلومها وفنونها، وسرعان ما طاردت النعيم الذي عاشوا في رحابه، وسلبتهم باسم النظام ما كانوا يتمتعون به من ألوان الحرية، وميزت بعضهم على بعض فجعلت منهم أغنياء وفقراء، وسادة وعبيداً، فكان هذا مبعث الداء وأصل الشقاء. ولقد كانت الإنسانية تنجو من الجرائم البشعة والحروب الدامية التي ارتكبت في سالف أيامها من جراء الطمع، لو أن أول من أحاط قطعة أرض وقال: هذه ملكي - قد وجد رجلاً شهماً يتقدم إلى هذه الأرض فيحطم السياج الذي أحاط بها، أو يردم الخندق الذي التف حولها، ويصيح في قومه: أيها الناس حذار أن تصدقوا هذا الكذاب الأشر...
وما من دواء لهذا الداء إلا بالرجوع إلى أحضان الطبيعة، ورياضة القلب والاعتماد على الفطرة وإهمال العقل وما يترتب عليه من ألوان العلوم ومظاهر المدنية والحضارة
تلك صورة مصغرة للكمال الذي يحلم به (روسو) في القرن الثامن عشر. وهي على خلاف ملحوظ مع الكمال الذي يحلم به بيكون في القرن السابع عشر. ويعنينا من هذا أن (روسو) يهاجم العقل وكل ما يترتب عليه من علم ومدنية، ويرجو لو عاد الناس إلى حضن الطبيعة، وعاشوا سعداء بما هم عليه من قناعة وجهالة. أما (بيكون) فيرى الكمال ماثلاً في إنسان قد مكنته
قوى العقل وتجارب العلم من إخضاع الأرض والسماء والماء لسلطانه، فأحسن استغلالها لمصلحة المجتمع الإنساني، وتحقيق السعادة لأبنائه، ففي مدنية العقل الناجح غي إخضاع الطبيعة للإنسان، يكمن الكمال عند بيكون، فأي المذهبين أبعد عن الخطأ أو أدنى إلى الصواب؟

