موضوع هذه السطور مدرسة التاريخ الحالية بمصر، من حيث إنها أداة خطيرة من أدوات التثقيف القومى ، ولها - أو يجب أن يكون لها - برنامج ومنهج ورسالة ، وعليها أن تؤدي في ذلك بياناً غير مكتوب ، بأن تشيع ما ترسم من خطي في سبيل برنامجها ، وتذيع منهجها بطريق الدعاية التعليمية الهادئة، وتعلن رسالتها بالعمل السليم المحمود ؛ وبذا يعلم المقدم على صناعة التاريخ ما لحرفته المرجوة من قواعد وتقاليد مرعبة، فضلا عما سلف بالمقالات السابقة من لوازم المؤرخ ، وما ينبغي له فوق مادته من علوم وأدوات مساعدة على البحث ، التأليف المأمون.
إنما يستحسن أولاً تنوير القارئ أن المراد بمدرسة التاريخ ليس مدرسة بالمعنى الحرفى لذاك اللفظ ، فانه لا يوجد بمصر معهد بتلك التسمية، وليس فيما كان أو سيكون من الهيئات والمجالس والمجامع الحكومية وغير الحكومية ما يصح له أن يحتكر هذا الاسم العريض أو يختص به : إنما القصود بمدرسة التاريخ في الواقع مبلغ ما أنتج الجيل الحاضر في ميدان البحث والاستقصاء ، من نشر وترجمة وتأليف ، باعتباره فيض ذلك الجيل وكلمته الدالة على مذهبه في صناعة التاريخ ؟ وهذا من غير ما تعرض للأعمال الفردية، وإلا جاء بعض الحديث مدحاً ، والمقام أبعد ما يكون من المدح أو نظمه عقوداً للمستحقين.
أما أن مدرسة التاريخ - بهذا المعنى - أداة للثقافة القومية ، فحسب العارف أن التاريخ صور القاضي غير متكررة ، وأن تلك الصور ليست مجرد الامتاع والمؤانسة المؤلفيها أو الناظرين فيها ، بل هي الوسيلة
لتعريف الأمة بأصلها وكيفها وطاقتها وماضيها ووضعها ومكانتها بين الأمم في مختلف الأزمنة ؛ والأمة - بالغة ما بلغت من حاضر القوة والمنعة - مفتقرة إلى معرفة ذلك كله جيد المعرفة ، كي تستنير به في مشكلاتها الطارئة . وليستضئ عليه أبناؤها السبيل إلى القومية الصحيحة المعتدلة، ولذا فالمسؤولية الملقاة على عواتق أجيال المدرسة التاريخية جد عظيمة ، وليرع الأمة وماضيها وحاضرها ومستقبلها كل من تناول جزءاً أو انتحي ناحية من تاريخها المشرء أو التأليف فيه ، وليعلم أنه بحكم صناعته مطالب بالبحث عن الحقيقة المجردة وعلينها، وليذكر أن واجبه تقدير السابقين تقديراً عدلاً ، ليكون منه للاحقين نموذج ومقياس حكيم، وهذا حق الأجيال المتتابعة بعضها على بعض
وأما البرنامج والمنهج والرسالة ، وما إليها من أصول وروح واجبة المراعة والاتباع في صناعة التاريخ ، فلا قبل لهذا المقال مهما طال ، ولا لكاتبه مهما تطاول وكتب ، أن يفصح عن تلك المواضيع التاسعة في أسطر قليلة أو كثيرة. إذ ليست المسألة برنامجاً تحمى أجزاؤه ومواده ، أو منهجاً تشرح مناحيه ومقاصده ، أو رسالة تبلغ أسرارها وأركانها ولو كان الأمر بتلك السهولة لا عسر على كاتب نقل المكتوب في هذه الأبواب مرجع من المراجع الأوربية مثلا، وتحصيره بحيث يصبح دستوراً لا محيد عنه المؤرخين . إنما الممكن في كل من تلك النواحي المتداخلة ، هو التنبيه إلى بعض ما يجب أن يكون هنا وهناك من أسس توجهية عامة : في البرنامج مثلا يجدو بالدرسة التاريخية أن تستهدف التاريخ القوى مجهودها الحالي، وهذا بالقيام على نشر ما ظل حتى الآن في ظلمة
المخطوطات من الكتب المعاصرة والوثائق الخاصة والعامة ، والاهتمام بتوفير أدوات البحث التي تقدمت الاشارة إليها في ذيل المقال السابق ، والعمل على إخراج المؤلفات النهائية فيما تمت مراجعه وأسانيده من الأزمنة والعهود والأحداث والأعيان وليس المقصود بذلك دعوة إلى قومية مسرفة ، أو إلى إهمال تواريخ الأمم الأخرى لقلة الصلة وضآلة العلاقة بها ، فان التواريخ الأجنبية محتاج إليها لإتقان الصناعة في التاريخ القومى من عدة وجوه ، وهى أيضاً من مقومات الثقافة العامة ومكملاتها . وإنما الغرض تركيز النشاط الكائن في الميدان الذي من معدنه ، سيما وأنه ميدان بكر وخام ، وفيه أكثر من متسع الجميع القادرين على مقارفة التاريخ ومعاناته مخلصين مؤمنين بضرورة الانصراف إلى تلك القومة الأولى للحياة الثقافية فى مصر الحديثة (1)
والتاريخ القومى فى الحق مشكلة طال عليهما الأمد ، وكل تأخير أو تسويف في معالجتها وفق خطة عملية مدرجة يزيد في حجمها وصعوباتها ومضاعفاتها ؛ إذ التاريخ ظاهرة نامية ودائمة النمو، والعمل فيه أمر لا يمكن أن ينتهي : وكفى أن معظم ما بدى فيه حتى الآن قد جاء على أبدى فضلاء المستشرقين، ونحن لا نفتاً نستورد ذلك شاكرين ، كما نستورد الأدوية وأطايب الأغذية ورقائع الحوائج، وإنه لمن المغزى حقاً وصراحة أن يسأل سائل من أحسن متن منشور أو تأليف محترم في أغلب عصور التاريخ المصرى ، فلا يجده إلا في غير اللغة العربية، ولا يجد من اهتم به و تخصص فيه وعرف خباياه إلا من غير المصريين ؛ وذلك مع العلم بأن السادة الأولية والخامة كبيرها في اللغة العربية ، ومن أصل مصرى أيضا. وهذا حال مائل ، لا يسر العدو ولا الصديق ،
وليس كمثله بين الأمم التي تجرر الأذيال في تقليدها أو التشبه بها ؛ فأحسن التواريخ الخاصة بانجلترا مثلا ، وأقرب الموارد والمراجع والمجموعات اللازمة للتاريخ الانجليزي مكتوبة بأيدى أبناء الجزر البريطانية ؛ ويقال مثل ذلك بصدد آيات التأليف وأدوات البحث في تاريخ الغالبية العظمى من أمم الشرق والغرب
والاشتغال بالتاريخ القومى فى مصر يتطلب منهجا جديدا ونحواً مخالفاً لما سار عليه المنسدرون في صناعة التاريخ : فلا يجب مثلا أن يقتصر النشر على المتون الضخمة ، كالحوليات ومعاجم السيرالثينية ، إذ لدينا عدد من المؤلفات الصغرى والتراجم الخاصة بالأفراد من السلاطين والملوك والأعيان ، ولهذه أهمية تقصر عنها كتب التاريخ الكبرى (١) وكذلك لا ينبغي أن تتصرف مجهودات المعنيين بالتأليف إلى المواضيع الواسعة فقط ، فإن كثيراً من المسائل والمشكلات المفردة في التاريخ المصرى بحاجة إلى دراسة تفصيلية واستقصاء عميق، كما يصبح التعميم في المؤلفات الكبيرة بعد ذلك مأموناً سليماً. وهناك أيضاً مسألة التقاسيم الشائعة في معظم الكتب المتداولة ، كتقسيم الأزمنة إلى سلسلة رتيبة من عهود الملوك ، مع أن الملوك ليسوا وحدات قائمة بذاتها في تجارب الأمم ، بل الأمم نفسها وعلى رأسها ملوكها وحكوماتها وقادة الرأي فيها هي التي تعين وحدات تاريخها وتقاسيمه ، وذلك بما تحدثه أو يحدث لها - من تغير وتطور طفرة أو بالتدريج. وعلى المؤرخ الناشئ أن يجعل من تلك الحقيقة الجامعة ضابطاً ومسياراً لعمله ، لتجىء كتابته تصويراً حيا ممثلا لمجموعة الأمة (Body-politic) حكاما ومحكومين ؛ كما عليه أن ينظر إلى تاريخ الأمة من زاويتها الطبيعية المحددة لها بوضعها الجغرافي : فلا يكتب في تاريخ الدولة المملوكية الأولى مثلا ، وكأنما هو يطل على القاهرة
من منظرة عالية ببغداد المغولية أو عكا زمن الصليبيين ولا يتناول الفتح العثماني لمصر وكأنما هو يشرف على الحوادث من برج بإسطنبول .
ومن أسس هذا المنهج الجديد أيضاً أن التاريخ في صميمه دراسة وتحليل للسلوك الانسانى فى مختلف مدارجه ومراقيه ، وأنه ليس " دراية ورواية " وكفى ، كما اقترح الدكتور أسد رستم بخط عريض بالصفحة الأولى من كتابه " مصطلح التاريخ " ، ليبين أوجه الشبه الظاهرة بين التاريخ والحديث النبوى : فمع أن التاريخ فرع مبارك من شجرة الحديث، وأصوله من أصوله ، وبعض علومه الوصلة من علومه ، فهو متفق مع الحديث في أنهما دراية فقط ، وتلك بديهية لا تحتاج إلى إعلان ، وشرط كفاية لجميع أنواع المعرفة والعلوم النقلية والعقلية. غير أن التاريخ مخالف للحديث في الركن الثاني من هذا التعريف الخلاب ، لأنه برغم اعتماده على روايات النصوص والمتون كمادة للصياغة والانشاء ، لا يجعل النصوص كل شيء فيه ، ولا يحتم ترديد المنون وترجيعها لفظا بلفظ حسبًما وردت فى الكتب ، ولا يطلب أن يكون عمل المشتغل به شرح الغامض من هذا وذاك على طريقة المدرسيين (Scholastics) ، كما هو الحال في طبيعة المنهج الخاص يعلم الحديث والنقد فيه. ثم إن التاريخ ، بحكم أنه من العلوم المدنية (ويقال العلوم الكونية ، والدنيوية أيضا) ينظر إلى النصوص والمتون كروايات متوافقة أو متناقضة في حوادث معينة ، ويستخرج منها ما يبدو راجحاً من حقائق والمؤرخ ههنا في حل من جميع الحدود المفروضة على المشتغل بعلم الحديث ، ولا جناح عليه ولا تثريب إذا لم يذكر من تلك الروايات سطراً ، بل الجناح والتثريب إذا ظن أن عمله مقصور على إيراد تلك الروايات واحدة بعد أخرى دون هضم وتمثيل وصوغ جديد
وأما الرسالة الواجب على المدرسة التاريخية تبليغها بطريق الإنتاج ، سواء بالنشر أو الترجمة أو التأليف ،
فهي أن التاريخ المصرى أولى من غيره من تواريخ الأمم بالمعرفة والتعلم والدراسة المتواصلة ، وأنه فضلا عن أولويته المنطقية هذه لا يقل طلاوة وقيمة عالية وأهمية مطلقة عن تاريخ أى من الأمم ذوات التاريخ المجيد. ولا حاجة للتدليل على ذلك القول بالتاريخ الفرعوني العظيم ، فتلك صفحة معروفة مخدومة ، وفضل المصريين الأقدمين على سائر الأمم واضح غير منكور أو مجهول. إنما المجهول المغمور هو التاريخ المصرى فى العصور الوسطى ، وهذا على الرغم من عظم الدول التي قامت بمصر في أواسط تلك العصور، وهى الدولة الفاطمية التى جعلت من جنوبى البحر الأبيض المتوسط وشرقيه بحراً مصرياً ، والدولة الأيوبية التي كونت بغربي آسيا ووادى النيل إمبراطورية مهيبة الجانب بين القاصي والداني من القرى الاسلامية والمسيحية ، والدولة المملوكية التي أنقذت أوربا والشرق الأدنى من خطر المغول(۱) وسيطرت على التجارة الدولية سيطرة مشابهة لما كانت تتمتع به الامبراطورية البريطانية في القرن الثامن عشر، ثم فقدت مصر مكانتها هذه بزوال دولة المماليك على يد الأتراك العثمانيين وصارت ولاية تابعة لسادة يريدونها على مصالحهم ومشيئاتهم. وقد ظلت على تلك الحال المظلمة حتى اكتنفتها مطامع الدول الأوربية أيضاً ، لوقوعها وسط الطريق البرى إلى الهند ، وكان ما كان من مشروعات حربية آخرها حملة نابليون ، ثم ظهور مؤسس البيت الملكي الحالي في مصر ، وقيام سلالة هذا البيت على شؤونها حتى عادت دولة مستقلة ذات سيادة مرة أخرى. وهذا كله معروف غير أن ما كتب فيه باللغة العربية لا يزال ناقصاً قاصراً في كثير من النواحى ، وعلى مدرسة التاريخ أن تضاعف مجهودها فيه إتماماً لرسالتها ، فأنه حلقة الختام في التاريخ القومى .
