الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 560الرجوع إلى "الرسالة"

4 _ الشعر الجديد

Share

زرت ليلة مجلس النواب في عهد سعد العظيم . فقام نائب  فخطب وأطال . فلما فرغ قام سعد ـ رحمه الله ـ فقال ما معناه :  إنى أعد نفسى متوسط الذكاء ، وأزعم أنى قادر على فهم  ما يدور في هذا المجلس من كلام . ولكني أؤكد لكم أني أخفقت في تتبع ما قاله حضرة النائب المحترم ) .

فموقفنا تجاه ( الشعر الجديد ) قد يشبه من بعض الوجوه موقف سعد تجاه هذا الخطيب.

فنحن أيضاً تزعم أننا وسط في الذكاء ، ونزعم أننا تتذوق الشعر ، وأننا نميز فسته من سمينه ، وخبيته من طيبه ، وأننا قرأناه في جميع عصوره ، فوجدناه كاله ـ بما لنا من سليقة تكونت على الزمن - نسجاً حيك على منوال واحد ، هو منوال العربية وحدها ، وإنما تختلف الأساليب ، وتتعدد مناهج

القول، فتقوى تارة ، وترك تارة أخري ،وتسمو حينآ حتى تبلغ الذروة من البيان

ولقد عبر الشعراء في خلال تلك الأجيال عن ممان  يكاد يخطئها العد ، وعن أغراض تجل عن الحصر  وتناولوا المعنوى والحسى ، والفلسفي والديني ، والعميق  والضحضاح ؛ حتى التافه وما قد يدور في أخلاد الأطفال - تناولوا كل ذلك فنسجوه على هذا المنسج العتيد .

نظرنا في كل هذا وأثمنا فيه ، فلم نلمح في شيء منه عجمة ، ولم تفكر فيه رطانة .

حتى فجأنا ( الشعر الجديد ) منذ نحو ثلث قرن ـ كما أشرت  في كلمتي الأولى - فإذا نحن - إذ تقرؤه - ننكر من أنفسنا  ما قد عهدناه فيها من نفاذ في الفهم ومضاء في المعاني ؛  وإذا نحن نحار فيما نقرأ : أعربي هذا أم أعجمي" ؛ أم قد ارتقى  هؤلاء الشعراء حتى بلغوا مستوى متخلفنا نحن وراءه ؛ لمكان ثقافتهم ، وسمة أفقهم ، وجديد تربيتهم .

ثم نعرض أسماءهم - وهي كثيرة - فلا نرى بينها اسماً  باهراً ، أو اسما نابها ، أو اسماً ذا تاريخ

أحدق ولكنهم كلهم - أو جلهم أحداث أو أشباه أحداث ،  بهم شرذمة من المصفقين ، والمعجبين المجدوعين ، عملوا  على نشر منظوماتهم وإذاعتها . خلبت أفئدة الأغرار ببريقها .  وراح طلبة المدارس ومن إليهم يقلدون هذه الفقاقيع -  وما أيسر ما تقلد ! ووجدوا هم أيضاً منفذاً إلى الصحافة ، فنفذوا وظن كل أنه شاعر ، وأنه يشار إليه بالبنان !

أمامي الآن مجلة فيها منظومة من ذلك الطراز ، عنوانها  ( زفرة في التيه ) إنه لعنوان خداع ، يسترعى الانتباه ، ويحفز على الاطلاع (1)

قرأنها أول مرة ، وأنا أبحث عن ( الزفرة ) وعن ( التيه ) ،  وكيف كانت تلك الزفرة ؟ وما مبعثها ؟ أو ـ على الإجمال -  قرأتها وأنا مشوق إلى القصة كلها . فهنا موضوع طريف في شعر جديد !

لم أحل من التلاوة الأولي بطائل (2). فأعدتها ثم أعدتها، فانجلي المثير عم اضطراب عام

ففي أوائل النظم كلام يشبه الشكوى . ثم تفلسف معقد  لا غاية له ، ثم أبيات لم أنبين لها معنى ، وأبيات قد تفهم على  نحو ما ، ثم تأوهات صاخبة ، ثم سخط وضجر ، ثم معان أخرى متغايرة ، متداخلة أو متنافرة

حاولت أن أربط في ذهنى هذه العناصر ، لأكون وحدة الموضوع - على حد تعبيرهم الآن فجهدت على غير جدا

دع عنك التصر والتشدق ، ففي المنظومة منه الكثير. وهناك ما شئت من ترقيم، وماشئت من علامات ، وماشئت  من ضيط بالشكل.

أما الزفرة في التيه فقد تاهت !  هذا وصف مجمل المنظومة التي بين يدى . وهو وصف  غير شاف كما ترى ؛ دفعني إليه أني أتوخى ألا يتم حديثي هذا  على الأشخاص ، كما وعدت من قبل . ولكنه وصف يكشف  عن الطابع العام للشعر الجديد . ولدينا من هذا الكشف مزيد فيما يلى من حديثنا ، إن شاء الله .          (ا . ع )

اشترك في نشرتنا البريدية