زرت ليلة مجلس النواب في عهد سعد العظيم . فقام نائب فخطب وأطال . فلما فرغ قام سعد ـ رحمه الله ـ فقال ما معناه : إنى أعد نفسى متوسط الذكاء ، وأزعم أنى قادر على فهم ما يدور في هذا المجلس من كلام . ولكني أؤكد لكم أني أخفقت في تتبع ما قاله حضرة النائب المحترم ) .
فموقفنا تجاه ( الشعر الجديد ) قد يشبه من بعض الوجوه موقف سعد تجاه هذا الخطيب.
فنحن أيضاً تزعم أننا وسط في الذكاء ، ونزعم أننا تتذوق الشعر ، وأننا نميز فسته من سمينه ، وخبيته من طيبه ، وأننا قرأناه في جميع عصوره ، فوجدناه كاله ـ بما لنا من سليقة تكونت على الزمن - نسجاً حيك على منوال واحد ، هو منوال العربية وحدها ، وإنما تختلف الأساليب ، وتتعدد مناهج
القول، فتقوى تارة ، وترك تارة أخري ،وتسمو حينآ حتى تبلغ الذروة من البيان
ولقد عبر الشعراء في خلال تلك الأجيال عن ممان يكاد يخطئها العد ، وعن أغراض تجل عن الحصر وتناولوا المعنوى والحسى ، والفلسفي والديني ، والعميق والضحضاح ؛ حتى التافه وما قد يدور في أخلاد الأطفال - تناولوا كل ذلك فنسجوه على هذا المنسج العتيد .
نظرنا في كل هذا وأثمنا فيه ، فلم نلمح في شيء منه عجمة ، ولم تفكر فيه رطانة .
حتى فجأنا ( الشعر الجديد ) منذ نحو ثلث قرن ـ كما أشرت في كلمتي الأولى - فإذا نحن - إذ تقرؤه - ننكر من أنفسنا ما قد عهدناه فيها من نفاذ في الفهم ومضاء في المعاني ؛ وإذا نحن نحار فيما نقرأ : أعربي هذا أم أعجمي" ؛ أم قد ارتقى هؤلاء الشعراء حتى بلغوا مستوى متخلفنا نحن وراءه ؛ لمكان ثقافتهم ، وسمة أفقهم ، وجديد تربيتهم .
ثم نعرض أسماءهم - وهي كثيرة - فلا نرى بينها اسماً باهراً ، أو اسما نابها ، أو اسماً ذا تاريخ
أحدق ولكنهم كلهم - أو جلهم أحداث أو أشباه أحداث ، بهم شرذمة من المصفقين ، والمعجبين المجدوعين ، عملوا على نشر منظوماتهم وإذاعتها . خلبت أفئدة الأغرار ببريقها . وراح طلبة المدارس ومن إليهم يقلدون هذه الفقاقيع - وما أيسر ما تقلد ! ووجدوا هم أيضاً منفذاً إلى الصحافة ، فنفذوا وظن كل أنه شاعر ، وأنه يشار إليه بالبنان !
أمامي الآن مجلة فيها منظومة من ذلك الطراز ، عنوانها ( زفرة في التيه ) إنه لعنوان خداع ، يسترعى الانتباه ، ويحفز على الاطلاع (1)
قرأنها أول مرة ، وأنا أبحث عن ( الزفرة ) وعن ( التيه ) ، وكيف كانت تلك الزفرة ؟ وما مبعثها ؟ أو ـ على الإجمال - قرأتها وأنا مشوق إلى القصة كلها . فهنا موضوع طريف في شعر جديد !
لم أحل من التلاوة الأولي بطائل (2). فأعدتها ثم أعدتها، فانجلي المثير عم اضطراب عام
ففي أوائل النظم كلام يشبه الشكوى . ثم تفلسف معقد لا غاية له ، ثم أبيات لم أنبين لها معنى ، وأبيات قد تفهم على نحو ما ، ثم تأوهات صاخبة ، ثم سخط وضجر ، ثم معان أخرى متغايرة ، متداخلة أو متنافرة
حاولت أن أربط في ذهنى هذه العناصر ، لأكون وحدة الموضوع - على حد تعبيرهم الآن فجهدت على غير جدا
دع عنك التصر والتشدق ، ففي المنظومة منه الكثير. وهناك ما شئت من ترقيم، وماشئت من علامات ، وماشئت من ضيط بالشكل.
أما الزفرة في التيه فقد تاهت ! هذا وصف مجمل المنظومة التي بين يدى . وهو وصف غير شاف كما ترى ؛ دفعني إليه أني أتوخى ألا يتم حديثي هذا على الأشخاص ، كما وعدت من قبل . ولكنه وصف يكشف عن الطابع العام للشعر الجديد . ولدينا من هذا الكشف مزيد فيما يلى من حديثنا ، إن شاء الله . (ا . ع )

