بين الرافعي والعقاد
قرأت ما كتبه الأستاذ كامل محمود حبيب فيما رأيته من صيحة قول العقاد: فيك مني ومن الناس ومن ... كل موجود وموعود تؤام لأن كل شيء في الكون لا يخلو من حسن يسوغ إجراء بيت العقاد على عمومه، فلم يسعه إلا أن يعترف بعموم هذا الحسن ولكنه فسره بمعنى الدقة في الصنع وجمال الخلق وهو يرى أن هناك جمالين: أحدهما جمال بهذا المعنى الذي ذكره من دقة الصنع وجمال الخلق. وثانيهما جمال لم يستطع تفسيره، بل قال إنه الجمال الذي يجذب القلب، ويأسر الفؤاد، ولا يمكن أن يجده الإنسان في الدودة وفي الدبابة وغيرها مما تشمئز منه النفس، ويعافه الذوق
وإني لأقول للأستاذ الفاضل إنه لا جمال في الدنيا إلا بمعنى دقة الصنع، وجمال الخلق، وهو عام في كل ما خلق الله تعالى، وإن كان لكل نوع من ذلك جماله الذي قد يكون قبحاً في غيره ولا شيء بعد هذا في أن يقول العقاد إن معشوقته فيها من كل شيء من هذا الكون الجميل، وهذا كما تقول إن زيداً فيه جزء من كل حيوان فيصح لك هذا القول، لأن الحيوانية
العامة جزء من زيد، وهي جزء من كل حيوان بل يجب أن نقبل هذا من العقاد كما نقبل منهم تشبيه الوجه الحسن بالبدر، مع أنك إذا ذهبت تستقصي في البدر ما تستقصيه في بيت العقاد يضيع منك هذا التشبيه الجميل، ويكون لك في البدر من الجبال والكهوف وما إلى ذلك ما في بيت العقاد من الدود والذباب ونحوها
على أن الأمر لا يقف في بيت العقاد عند الصورة الحسية من معشوقته، بل يتناول مع هذا صورتها النفسية، فهي حلوه ومرة، وهي نعمة وبلاء، وهي سعادة وشقاء، وهي في مرارتها أشد من الصاب، وإن شئت قلت من الملح الإنجليزي الذي تهكم به الرافعي رحمه الله، وهي في هذا حلوة وجميلة أيضاً، ومثلها في هذا مثل ذلك الممدوح الذي قال
فيه بعض الشعراء: هو عسل إذا ياسرته ... وإن عاسرته فهو صاب ولست بعد هذا في حاجة إلى إعادة الكلام في بيت الأستاذ العقاد، وليس عندي من التعصب له أو للرافعي ما يدعوني إلى إطالة هذا الجدال

