الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 270الرجوع إلى "الرسالة"

Share

بين الرافعي والقشاشي

مضى الأستاذ محمد سعيد العريان مترجم فقيد الأدب العربي  المرحوم مصطفى صادق الرافعي في سبيله يكتب ذلك التاريخ الزاهر،  وينشره بشكل مقالات في   (مجلة الرسالة)  حتى بلغ الآن المقالة    (٣٢)  وفيها دعا من كان عنده شيء من أخبار الرافعي غير  ما ذكره هو، أن يتفضل بالكتابة إليه رأساً أو على صفحات    (الرسالة)  يحيطه علماً بذلك، وفاء بحق الأدب وأهله، ورجاء  إتمام ذلك التاريخ الذي كاد يغمره النسيان ويجني عليه الإهمال

ونحن إجابة لدعوة الأستاذ ننبهه إلى خصومة أخرى كانت قد  نشبت بين الفقيد الكريم والأستاذ مصطفى القشاشي صاحب  مجلة         (الصباح)    ، ولعلها آخر الخصومات الأدبية للرافعي؛  وقد كانت هي التي أوحت إليه بمقال     (صعاليك الصحافة)    المنشور   (بالرسالة)    (أعداد: ١٨٩ و ١٩٠ و ١٩١ و ١٩٢)  وقد  عرض فيه بالصباح تعرضاً مكشوفاً، إذ أتى في العدد ١٩١ على  جملة من عناوين مقالاتها التي كانت صدرت فيها أثناء تلك المدة،  كنماذج للموضوعات التي تطرقها تلك المجلة

وكان السبب في هذا الحملة من الرافعي على صاحب      (الصباح)      أنه حمل إليه كتابه     (وحي القلم)   ورجا منه أن يكتب تقريظاً له،  وهذا ما يؤخذ من كلام الأستاذ القشاشي؛ وبما أن القشاشي تأخر  مدة عن كتابه التقريط، وعذره أن الكتاب ضخم يتألف من  جزأين في تسعمائة صفحة ويتناول مائة موضوع وموضوع، فإن

الرافعي ظن السوء بصاحبه وقام يجلد صعاليك الصحافة، ويا لله  من غضب الرافعي فإنه يزري بغضب عنترة!

وشاءت سخرية القدر أن يبرز مقال         (الصباح)     في تقريظ      (وحي القلم)   بعد أن ينشر الرافعي ثلاثة أقسام مقاله     (صعاليك  الصحافة)   والقسم الثالث منه الذي به انكشف مراده فظهر أنه  يعني صاحب الصباح، صدر في عدد   (١٩١)  أول مارس ١٩٣٧  على حين أن تقريظ الصباح كان في عددها ٥٤٥   (الصادر)  في  خامس مارس المذكور، وقد كان تقريظاً بليغاً يرضى الرافعي  ويدخل على نفسه السرور، وحسبك منه هذه الجملة التي يقول  فيها الأستاذ القشاشي:   (أن كتاب وحي القلم ليحتاج إلى كتاب  آخر في الإشادة بذكره، فلعل ضيق المجال يعتذر لنا عند الأدب  العربي ثم عند الأستاذ الرافعي)

ولكن الأستاذ الرافعي قد عجل - وفي العجلة الندامة -  فسرعان ما انقلب مدح         (الصباح)     له قدحاً فيه، وثناؤها عليه  طعناً. وكنا نحن قد انتظرنا ذلك لما قرأنا القسم الثالث من مقال صعاليك الصحافة، فكيف وقد قرأنا أيضاً ثناء الصباح وتقريظها؟  وأخذتنا الشفقة على الأستاذ الكبير الذي طالما أشفقنا من  الخصومات التي كانت تثور بينه وبين أهل الأدب ولا سيما الإمام  العقاد. وهكذا صدق ظننا فبرز مقال الأستاذ القشاشي   (صعاليك  الأدب واستجداء المدح والثناء)  في العدد التالي من   (الصباح) .  ولا تسأل عما يحوي من قوارص الكلم وفاضح التعريض

قلنا إننا نشفق من هذه الخصومات التي تقع بين كبار الأدباء  لأنها في الغالب لا يكون باعثها النقد النزيه، فيسمج عندنا أن  ينزل مثل العقاد والرافعي من عليائهما إلى ميدان المهاترة إرضاء  لحالة الموجدة وطبيعة الغضب كما وقع في قضية الرافعي والقشاشي،  فبينما الصفاء والسلام إذ الحقد والحرب. ونحن لسنا من مقلدة  الرافعي ولا من المتعصبين للعقاد، ولكن لهما معاً عندنا مقام سام،  وفي أنفسنا لكل منهما حيز لا يشغله الآخر. عرفناها معاً من  قديم واغتبطنا بآثارهما كل الاغتباط؛ وكنا نأسف على ضياعهما  بين قومهم وعدم عرفان حقهما حتى جاءت   (الرسالة)  فعرفت  بالرافعي الذي كان أكثرهما ضياعاً وأنكرهما عند جمهور القراء في  العالم العربي. وسيكون لهما من الذكر في المستقبل الأيام ما يغطى

على غيرهما أياً كان، بل أنها سيكونان علمي عصر النهضة في تاريخ  الأدب العربي الحديث، ورمز المذهبين المدرسي والابتداعي  المتكونين في هذا الأدب كما يجب الآن.

ولسنا ندلي برأي إلى الأستاذ العريان، وحسبه من كلمتنا هذه  ما يتعلق منها بخصومه الرافعي والقشاشي، لكن القراء أيضاً  لهم حظهم فيما يقرأون، فلذلك تطرقنا ولو بهذه الإلمامة الخفيفة إلى  وجه الرأي في أدب الرافعي والعقاد، حاسبين أن ما كان بينهما من  خصومة إنما هو نتيجة الغيظ وحدة البادرة وأن ما كتبه كل  منهما في هذه الخصومة إنما من قبيل ما كتبه الرافعي والقشاش  باعثه الظن السيئ والعجلة. وللقوم وفي عمرو بن الأهتم وما كان  بينه وبين الزيرقان بن بدر من المنافسة والمشاتمة بحضرة النبي صلى  الله عليه وسلم شافع وعذر. . . (طنجة)

اشترك في نشرتنا البريدية