الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 270الرجوع إلى "الرسالة"

Share

بين القديم والجديد

سيدي الأستاذ الكبير صاحب الرسالة تحية: وبعد فقد حسب الأستاذ محمد احمد الغمراوي في آخر  مقال حول أدب الرافعي   (بين القديم والجديد) ، أنه انتهى من    (تزييف)  كلام الأستاذ سيد قطب إلى المبلغ الذي كان يريد

وأكثر؛ وأنه وضع العقاد موضعه والرافعي موضعه، وإن كان  هذان الموضعان ليسا إلا أن الرافعي أنصع لفظاً من العقاد، وأنه  رجل يهتدي بنور الدين، والعقاد لا يهتدي بأي نور!

كذلك حسب الأستاذ الغمراوي أنه فصل بين الحق والباطل في  هذا الأمر واستراح إلى نتيجة تلك، ولم أكن أود أن أنفس عليه هذه  الراحة لولا أنه شاء أن يعرض لكلمة سابقة لي في هذا المضمار،  ورأى أن يرميني بالفزع من ذكر الدين فزع   (الملسوع)  بالنار فقال: (لكن أصحابنا المجددين أنصار ما يسمونه الأدب الحديث  يفرقون من ذكر الدين كأنما تلسعهم من اسمه النار، كذلك  فزع أحدهم بالعراق، وكذلك يفزع هذا الآخر. . .)

وأنا المقصود ولا ريب بالفازع الأول. والقارئ يذكر أن  فزعي المزعوم هذا لم يكن من الدين، فما فيه ما يفرع أو يلسع،  وإنما كنت اعترضت على إقحام الدين - بدون داع ولا مبرر ولا  فائدة - في نقد أدبي قاله الأستاذ سيد قطب حول بيت من أبيات  الرافعي، وجاء الأستاذ الطنطاوي يحوره ويتجه به نحو الدين كما يفعل  الأستاذ الغمراوي الآن، وكما فعل المرحوم الرافعي في كل نقد أدبي  له، وكما يفعل كل من يؤوده أن يكسر من شوكة هذا الذي يسمونه  تجديداً أو كفراً من سادتنا الرافعيين! فما الذي يقصده الأستاذ  الغمراوي بالفزع؟ وما شأن الدين بكل شيء يتصل بالأدب الحديث  الذي يسعى إلى التجديد والنهوض وتوسع أفق الحياة الأدبية  وإخراجها من عصر الاجترار والتخلف، إلى عصر التمثيل والحيوية؟

وإذا كان الأستاذ الغمراوي يقول في مقالة الآنف الذكر: (إن الفطرة كلها ينشئها واحد هو الله سبحانه وتعالى،  والعلم والدين كلاهما قد اجتمعا على استحالة التناقض في الفطرة،  فإذا كانت هذه الفنون من روح الفطرة كما يزعم أهلها وجب ألا  تخالف أو تناقض دين الفطرة دين الإسلام في شيء. . .)

وهو بذلك يريد أن يحد من مفهوم الأدب، فما نصنع إذن بالأدب  الذي أقره العالم واعترف به أدباً سامياً ولم يكن مصدره الدين  الإسلامي، والذي لم يخلفه أدباء مسلمون ولم يأتلف مع قواعد الدين  الإسلامي في شيء؟ أقول ماذا بأدب طاغور، وملتون، ودانتي،  وتورجنيف، وإيبانيز، وابسن، وموباسان، وغوركي، وهاردي،  وجيتي؟. . . بل ماذا نصنع بأدب بودلير، وفرلين، ولورنس،  وجويس، وهينسكي، ولوتي؟ هل نرمي بهم في البحر أن نعترف

بأدبهم؟ وهل يتفق أدبهم مع الفطرة؟ وهل هو خير أم أدب الرافعي؟ وحضرة الأستاذ يذكر أدب الإيمان فهل يرى أن الشك  لا أدب له؟ وما يقصده من التعرض بالإيمان، والشك؟ والحوم  حوالي الدين في كل مناسبة عرض لها في نقده وبحثه أدب العقاد  والرافعي؟ هل يريد أن نفهم من أقواله تلك  أن العقاد ومن يرى رأيه ملحدون لا إيمان ولا  نور لهم يهتدون به؟ وكيف يتسنى له أن يحكم  هكذا بدون تدليل؟

سيدي الأستاذ: إن الأستاذ الغمراوي - وقبله الأستاذ الطنطاوي - يريد أن يضع ما اسمه   (الأدب)   على الرف ويريد أن يدخله في بوتقة الدين بوجه  عام، والدين الإسلامي بوجه خاص، وفي هذا  من الجناية على الأدب مقدار ما فيه من التجني  على الدين وأكثر. ولا أظن الأستاذ يخالفني  في أن موضوع الدين موضوع شائك جداً لم  يتعرض له متعرض سلم من تهمة المروق! فليفسر  موقفنا كيف شاء، وليسمه فزعاً وهلعاً، فالحق  أن الدين الإسلامي لم يدخله التأويل والخلاف من  كل باب إلا بعد أن أقحم في غير مجالاته! وهو  بعد مقحم إقحاماً في موضوع الجدل هذا

وما دام الأستاذ الغمراوي يرى أنه فصل  أدبياً في أمر العقاد ومكانه من الأدب الحديث،  فلماذا يريد أن يخرجه من دينه فيقول عنه معرضاً:    (إن الرافعي عنده نور يهتدي به ليس عند العقاد؟)

وبعد فليكن الرافعي عند الأستاذ الغمراوي  ما يشاء له أن يكون، فان ذلك لا يمنع العقاد أن  يكون هو الآخر حيث يشاء له الأدب والحق أن  يكون. ولسنا نعجب به لشخصه، بل لأنه يؤدي  الرسالة عنا؛ فما يقال فيه فينا نحن أنصاره  والمعجبين به؛ ولذا أود أم أكرر ما سبق أن قلته

وهو أن من الواجب اعتبار الدفاع عن العقاد دفاعاً عن مذهبه في  الأدب وفي الحياة لا دفاعاً عن شخصه، فلسنا نملك حق الدفاع عنه وتقبلوا تحيات المعجب بكم (بغداد)

اشترك في نشرتنا البريدية