غنى فقير...!
قد يكون مع بعض الفقر عزاء ورجاء وسكينة؛ ولكن فقر هذا الغنى البائس الذى سأقص عليك نبأه ألمٌ لا يهاون، وهمٌّ لا يهادن، وحمَّى لا تُقلع سأسوق إليك خبر هذا المسكين بقلمى لا بقلمه، فإن الرسالة التى كتبها إليّ كلماتٌ كحسرات النادم لا تتصل، ومقاطع كأنّات المحتضَر لا تبين. على أننى سأحاول ترجمتها لك ترجمة الشعور للشعور، لا ترجمة اللفظ للفظ، لترى كيف يشقى المرء بخطأ نفسه، أكثر مما يشقى بخطأ غيره قال بعد أن سلم وعظم وشكر: (قرأت وأنا فى وحدتى السامة وعلتى القاتلة ما كتبتَ من مآسى الحياة فى الرسالة، فراعنى أن يبلغ البؤس ببعض النفوس إلى هذا الحد، وفى أرض الله رزق لا ينضب، وفى يد الناس مال لا ينفد! ولا أكذِبُ الله لم أفطن إلى معنى الحرمان والإحسان إلا بعد أن نيفت على الستين وأقعدنى الكُساح، وسلبنى حريتى وثروتى وغبطتى من جعلت حياتى له، ووضعت أملى فيه أنا أملك ربع مليون من حر المال وخالص الذهب. وكان يخيل إلى قبل أن ينكشف الغطاء عن العين أنى أسبح فى بحر أحمر لا أدرى أكانت حمرته من الذهب أو من الدم أو من الدموع،
فإنى كنت مصمت القلب لا يختلج فيه شعور ولا ترف عليه عاطفة. فلما بلغت الشاطئ لأستجم وجدتنى على ساحل الحياة، هنا الموت الراصد، وهنا المرض المثْبِت(1)، وهنا الضمير المعذب، وهنا الوارث الحاقد الذى دفننى وأنا أشعر، وورثنى وأنا أنظر، وحرمنى وأنا أريد. فإذا كان فى بؤس الفقراء ما يستدرُّ ماء العيون، فإن فى ذل الأغنياء ما يذيب شِغاف الأفئدة! أتدرى كيف جمعت هذا المال يا سيدى؟ جمعته بالسعى الدائب، والتدبير المعجز، والربا الفاحش، والشح الدنىء، والتقتير المهلك؛ ثم أمات الله فى نفسى نوازع الأبوة والقرابة والإنسانية فلم تبضّ يدى فى سبيل شىء من ذلك، فنما المال واتسع وامتد حتى صرفنى عن الناس وشغلنى عن العالم. ثم حسبتنى بهذا الثراء الضخم أستطيع أن أشترى السعادة والسيادة والإيمان والجنة، فإذا بى وا حسرتاه أملك مفاتيح قارون ولا أملك عصا موسى!
كان رأسمالى جنيهات معدودات ادخرتها من نفقاتى وأنا طالب بالأزهر، فلما عدت إلى بلدى استثمرتها فى الربا والتجارة، فكنت أقرض الزراع المأزومين والعمال المعوزين والتواجر والأرامل بربا خمسة قروش فى الشهر للجنيه الواحد. ثم اتخذت من فناء بيتى قُنا للدواجن، ومن سطحه مزرعة للبقول؛ فكنت أبيع الدجاج والأرانب من تحته، والفجل والكراث من فوقه؛ وألححت على نفسي بكبت الشهوة وقتل الرغبة إذا اعتدنا على المال، حتى كنت أرى الفاكهة عند الفاكهانى فأتقزز، وأبصر اللحم عند القصاب فأهوع(2)، ولكنى إذا لمحتهما فى يد إنسان تبعتهما نفسى وتحلَّب عليهما فمى. ثم اقتنيت العقار والضياع؛ أكثرها بغلق(3) الرهان وأقلها بالشراء؛ وقمت عليها أحسن القيام بالرعاية والجباية والتوفير حتى غدت غلتها سيلاً لا ينقطع عن الأهراء(4) والخزائن. ثم فرضت نفقة أسرتى من الطعام والإدام على مستأجرى المزارع والدكاكين يؤدونها فوق الأجرة يوماً بيوم؛ واقتصرت فى غذائى على الأبيضين: الماء والثريد، وفى كسوتى على جلابيب من القطن للبيت والغيط، وبذلة من الصوف للاحتفال والسفر. ثم وقع فى نفسى أن حماية هذه الثروة العريضة لا بد لها من لقب (بك) فاشتريته أيام كانوا
يبيعون الألقاب، بقبضة من الذهب؛ ثم شيدت قصراً وبنيت دوراً وجعلت في رأسه دائرة، فاتسع النفوذ وامتد السلطان، وصرت آمر ولا أرجو، وأغتصب ولا أختلس. ورأيت الناس يلقوننى بالإجلال والهيبة لفخامة اللقب وضخامة الثروة، فازدادت نفسى شراهة ويدى كزازة؛ وأفرط على الغنى فغطى على بصيرتى وبصرى، فلم أعرف أن لى ديناً له حرمة، وزوجة لها حق، وأولاداً لهم رعاية؛ وعشت لنفسى بل لمالى، أقضى النهار له، وأسهر الليل عليه، حتى كرهتنى أسرتى، وحقرتنى عشيرتى، وسئمتنى حياتى، وأصبت بمرض عقام برى عظام ساقى وفخذى فلم أستطع المشى ولا النهوض؛ واستولى ولدى البكر على مفاتح الكنوز وأضفى على نفسه وزوجه وأمه وأخواته الذهب والحرير والنعيم والأبهة، وتركونى سطيحة فى حجرة منعزلة لا يدخلها على إلا الخادم بالماء والثريد والقهوة. ولا أدرى لماذا استعرت فى نفسى اليوم شهوة الأكل ورغبة المتاع؛ فأنا أشتهى كل شىء، وأبتغى كل معنى؛ ثم أنظر فى يدى الجماعة الكسوب فإذا هى معروقة كيد المسلول، فارغة كراحة السائل؛ وأدور بعينى فى الحجرة الموحشة فأرى أطياف الذين فجعتهم فى أموالهم وآمالهم تخفق على الجدران ساهمة حزينة، فأتذكر كم مدين أغرقت، وكم بيت أغلقت، وكم قلب سحقت، فتنهل مدامعى أنهال القطر على خدى الغائر الشاحب؛ وأتمنى لو تعود قدرتى على ثروتى فأمحص خطاياى بإنفاقها كلها فى سبيل الله؛ ولكن هيهات هيهات لما أرجو! لم يبق لى منها إلا حريق القلب فى الدنيا، وحريق الجسم فى الآخرة! حتى الدواء لا أناله؛ وحتى الكفن لا أرجوه! وكأنما أمات الله نصفى الساعى وأبقى على نصفى الشاعر لأدرك بعينى وفكرى وخيالى مضَّ الألم الذى يحسه المظلوم يُغتصب ولا يستطيع أن يدفع، والمحروم يتشهى ولا يستطيع أن يجد، والمهموم يتلظى ولا يملك أن يموت.) ثم يلى ذلك شكوى ضارعة من زوجه الفارك وابنه القاسى وصهره المتعجرف لا تتسع لها الصفحة!
سيدي البك! إن حالك لا تغني فيها دمعة تذرف ولا كلمة تقال. أدع الله معى أن يتغمد خطاياك بالعفو، ويقطع بلاياك بالموت. وإن كنت فى حياتك للضعيف شقاء وللأهل حسرة، فإنك فى موتك للفقير عزاء وللغنى عبرة!

