الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 330 الرجوع إلى "الرسالة"

5 - مناقشة روسو وبيكون

Share

ينبغي أن نعترف إنصافاً لروسو بأن آراءه قد صادفت هوى  من نفوس قرائه، وأنها سعت إلى قلوب الكثيرين منهم وهيمنت  على عواطفهم، وكان لها بالغ الأثر في قيام الثورة الفرنسية بعد  ذلك، وكان من آثارها أنها حادت بالأدب عن العقل واتجهت به  نحو العاطفة، وجعلت السيدات في صالونات الأدب يسرفن  في التزام الظهور بما يدل على الشعور الرقيق والقلب الرحيم، دون  العقل الراجح والفكر المتزن، وربما كان لها أثرها في انتعاش  الشعور الديني عند القراء

ولكن آراء (روسو) مع هذا حافلة بالأخطاء - فيما يلوح -  والمثل الأعلى الذي ينشده عسير التحقيق، ولو تحقق لما أقام الناس  عليه طويلاً، ولعادوا إلى المدنية راضين أو كارهين، فإن العقل  من شأنه التفكير المتواصل، وليس في وسع قوة في الأرض أن  تقيد عقول الناس، وتحرمها نعمة التفكير دواماً، وذلك وحده  كفيل بتحقيق التطور الذي يرفع الإنسان من حالة الفطرة  إلى مستوى المدنية، وروسو يقاوم أموراً يتصل بعضها بما يترتب  على الغرائز من آثار، يطلب محو الملكية، والتزام القناعة، وعدم  التقييد باختيار امرأة بعينها، ويزعم أن الناس بطبيعتهم أخيار  أطهار، ويبني على هذا الأساس الخاطئ نظرياته التي ثبت اليوم بطلانها  - كالعقد الاجتماعي مثلاً - تلك كلها أحلام عسيرة التحقيق،  وقد نادى ببعضها أفلاطون في جمهوريته، وحسبنا أن نكشف عن  ضعف نظرته إلى علاقة الرجل بزوجته، بتجربة نرويها كما نذكرها  الآن: يقال إن تجربة أجريت على طائفة من القردة العليا  لمعرفة نظام الزواج الراهن ومدى انطباقه على الطبيعة البشرية  - كما أذكر الآن من أمر هذه التجربة - فجمعت القردة ذكوراً  وإناثاً، وأتيح لها أن تعيش في مكان واحد، فلوحظ بعد فترة  من الزمن أن كل قرد قد اختار له أنثى بعينها والتزم عشرتها،

وتولى الذود عنها إزاء كل قرد يفكر في الاعتداء عليها، وكذلك  كان موقف الإناث من ذكورها مع فوارق بسيطة، فانتهى  الحال إلى ما يشبه النظام الذي شرعته الأديان وأقرته المدنيات. وإذا صح هذا مع الحيوانات العليا فأحر به أن يكون صحيحاً  مع بني الإنسان. ومثل هذا يقال في بقية الآراء التي خلفها لنا  (روسو) وذلك - فيما يلوح - أظهر الفوارق بينه وبين  (بيكون) فإن الكمال الذي يحلم به بيكون سهل التحقيق،  وليس فيه مقاومة لغرائز الناس أو ما يترتب عليها من آثار...

ثم أي سعادة تلك التي يحتمل أن يشعر بها الرجل المتوحش  الذي يعيش على إلهام الطبيعة ووحي الفطرة؟ إن (روسو)  يتغنى بما يتمتع به الرجل من ألوان الحرية ونعيم الجهالة،  ويشفق على المتمدين من القيود التي يكبل بها باسم النظام والمدنية  ولكنه نسي أن هذا المتوحش يعيش في أسر ذليل، تستعبده  الأوهام، وتذله الخرافات، ويزعجه الخوف من كل شيء حتى  من نفسه، ثم لا يشعر بعد هذا بالسعادة التي يحلم بها (روسو)  حتى إذا عاش في غمرتها، ذلك لأن الشعور بالسعادة يتوفر  لأصحابه إذا مروا بدورين: أولهما سلبي وهو انتفاء الشعور بالشقاء،  وثانيهما إيجابي والشعور بالسعادة. أما الحالة الوسط التي يعيش  فيها الرجل المتوحش، فينتفي عندها الشعور بالشقاء والسعادة معا،  فإنها ليست من السعادة في كثير ولا قليل، ومن هنا يظهر بطلان  الدعوة التي بشر بها (روسو) وعبر عنها (المتنبي) بقوله: ذو العقل يشقى في النعيم بعقله     وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم ذلك وجه الخطأ في مهاجمة العلم وما يترتب عليه من آثار  المدنية، والدعوة إلى الطبيعة وتوهم السعادة في ظلها. وقد تردى  روسو في هذا الخطأ لأنه عاش في بيئة أنهكتها الأمراض والعلل،  بالإضافة إلى فشله في عشرة الناس، وعدم ملاءمة طبيعته  للمجتمعات، ولهذا أصاب في التمرد على أخطاء بيئته، ولكنه  أخفق في علاجها إخفاقاً بيناً. ولعل (فولتير) كان على حق  حين قال ساخراً منه: ( لو أن الناس أصاخوا لآرائه، لسرهم  أن يمشوا على أربع...! )

وقد عاش بيكون في بيئة عقلية يعوزها الاستقرار، فعرف  داءها وشخص الدواء الذي يقتضيه علاجها، وقد تجد ما تؤاخذ به

بيكون في تشخيص الدواء أو فهم الداء، ولكنك لا تملك  إلا الاعتراف بتوفيقه، وقد انقضى على موته نحو ثلاثة عشر قرناً  وثلاث عشر عاماً، وحققت الأيام الكثير من آماله، فأصاب العلم  نجاحاً في أكثر الميادين، وعرف الإنسان كيف يعالج الطبيعة،  ويتغلغل إلى فهم أسرارها ويعرف العلل الكامنة وراء ظواهرها  والطرق التي تمكنه من استغلالها على أكمل وجه والانتفاع بها  إلى أقصى حد، فقهرها على ظهر الأرض وفي أعماق البحار  وفي أجواز السماء، وكاد يحيل المكان والزمان اسماً على غير  مسمى...! إنه ينصت اليوم في مصر إلى توقيع الموسيقى  في أمريكا، ويستطيع أن يتبادل الحديث وهو جالس إلى مكتبه  مع أصدقائه أو عملائه في أقصى بقاع الأرض طرا، وتلك هي  السيادة الموفقة على الزمان والمكان...

ولكن هل حقق هذا كله شيئاً من سعادة الناس؟ لقد أسفر  نجاح العلم عن اختراع الغازات السامة والقنابل المحرقة والمدافع  المدمرة والغواصات المغرقة، وسائر وسائل التدمير والتخريب،  مما يسمع الناس صدى التهديد به في أيامنا الراهنة، فتنهد قواهم  وتنهك أعصابهم وهم بعيدون في غمرة القتال، والظاهر  أن (بيكون) لم يقدر هذه النتيجة الرهيبة، فقد جعل من مظاهر  التقدم في مجتمعه المثالي، أن يتجنب الحروب ويتقي شرورها،  وذلك بألا ينتج إلا ما يستهلكه، ولا يستهلك إلا ما ينتجه..! على أن هذه النتيجة التي انتهينا إليها من النظر في الأثر  الذي يترتب على الدعوة إلى تقدم العلم، قد رد عليها دعاته فقالوا  إن العلم الذي اخترع ما استغله البعض في غير صالح الإنسان،  هو نفسه الذي اخترع ما يقي الإنسان هذا الشر الطارئ.  اخترع الغازات السامة وقدم للناس الأقنعة الواقية. اخترع  الطائرات الحربية بقنابلها المحرقة وأعد المدافع المضادة لمقاومتها.  وكلما أظهر للمجتمع خطراً جديداً تولى وحده مقاومته ووقاية  الناس من ضرره...

ولكن أصحيح أن المجتمع الإنساني قد أمن بهذا شر المخترعات  الحديثة؟ أصحيح أن الناس الآمنين في بيوتهم لن تصيبهم  الغازات الجوية بعد اليوم بسوء؟ ذلك ما تجيب عنه وحشية

الحروب في وقتنا الحاضر؛ على أنا نقول إنصافاً للعلم وأهله  إن ما نتصوره ضاراً بالمجتمع الإنساني قد يكون كبير النفع من  جوانب أخرى، وما نراه في الحروب عدواناً وحشياً ذميماً فيه  قضاء على النفوس البريئة والأموال الطائلة وحضارة الأجيال  الماضية، قد يعتبر شراً لا بد منه تقضي به حياتنا ومثلنا العليا.  ومن المفكرين الذين درسوا المجتمع في تطوره إلى الكمال وانحداره  إلى الاضمحلال من اعتبر الحرب نعمة والسلام الدائم نكبة  على أصحابه. ثم إن عدوان القوي على الضعيف عند بعض المفكرين  حتى تبيحه القوة أو يبرره التفاوت في المدنية، وذلك بالإضافة  إلى أن القتال في أصله غريزة لم يلدها العلم وإنما اقتصر على تغذية  نارها، فإن كان أثر العلم في وحشية الحروب سيئة عند بعض  القراء فهو حسنة عند غيرهم من المفكرين، لأنه يعجل بنهاية  الحرب وينقذ الناس من شر أنبائها، بالإضافة إلى الميزات التي  يكسبها الناس من وراء الحروب...

على أن من التجني أن يحمل العلم تبعة هذه الاتهامات التي

عرضه لها بيكون يوم ربطه بصالح الإنسان، فقد ألقى العلم  عن عاتقه هذه التبعة الخطيرة يوم حرر نفسه من ذل الأغراض  - كما أبنا في مقالنا السالف -

على أن من الخير أن نقول إن السعادة - إن صح أنها  مرادف لكمال الإنسان - لا تعيش في آثار العلم والمدنية،  ولا تقيم في أحضان الطبيعة والفطرة؛ ولكنها تعيش في قلب  الإنسان يحملها معه أنى ذهب ولا يستطيع أن يفارقها أو يستدعيها  تبعاً لظروف الزمان والمكان، وهي بعيدة عنه دائماً إن كان بينها  وبينه جفاء طبيعي ولده مزاجه أو أسفر عنه خطأه في النظر  إلى الحياة، فمن الناس من وهب القدرة على أن يستمد من الشقاء  الذي يكتنفه شعوره بالسعادة، ومنهم من يتخذ من مباهج الحياة  وأفراحها أسباب اكتئابه وشقائه. فالسعادة فن يفيد تعلمه  أكثر الأشقياء الذين قد لا تنطوي حياتهم على سبب واحد  يبرر الشعور بالشقاء! وما يقال في الفرد ينسحب على الجماعات...

اشترك في نشرتنا البريدية