الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 335الرجوع إلى "الرسالة"

Share

السياسة والأخلاق

(عن   (نشرة اكسفورد في الأحوال الحاضرة ) )

منذ عرف الإنسان السياسة لم يجد سبيلاً للتوفيق بينها وبين  المثل الأخلاقية العالية. فهو أما أن يهجرها ويصد عن سبيلها  كما يفعل رجال الدين في كل العصور، أو يشتغل بها ويواجه  كل مواقف بما هو أهل له، فيرد ما لقيصر لقيصر كما يقول المثل  المعروف. والسياسة لا تعرف غير الحقائق الواقعة، فليس من  السهل أن نسألها العطف أو الرحمة أو الأناة أما إلى ذلك من  الخلال التي نعرفها في حياتنا العامة.

ولعل من أهم الأسباب التي تجعل للسياسة هذا اللون، أنها  تدين في الحياة للقوة، والقوة سلاح خطر، وإن كانت في ذاتها  شيئاً لا هو من الخير ولا هو من الشر، شيئاً لا لون له ولا صفات  فمرجعها في الحقيقة إلى الغاية التي تستخدم في سبيلها والوسائل  التي تلتمس لها.

وقد واجه الحكماء والمحكمون هذه الصعوبات منذ عرفت  السياسة. إلا أن ظروف العالم الحاضرة اليوم قد أمدتهم بشيء  من الصرامة والتأييد. ويرجع ذلك إلى سببين: السبب الأول  هو أتساع نطاق الحياة السياسية باشتباك الصوالح الدولية، فكثير  من أحوال السياسة اليوم لا يرجع أمره إلى المصالح والأغراض  الوطنية كما كان بالأمس، فللشئون الدولية أهميتها الكبرى في هذه  الأحوال، ومن هنا يصير الاعتماد على القواعد الأخلاقية أشد  صعوبة مما كان عليه في العهود السالفة.

أما السبب الثاني فهو أشد عمقاً من السبب الأول: وذلك  أن الشعوب في هذه الأيام لم تعد تهتم بالدعوة الأخلاقية في العالم  السياسي، لأنها غير واثقة من كيانها الأخلاقي نفسه.

لقد كانت الدول الأوربية منذ خمسين عاماً، بل - منذ  عشرين عاماً كذلك - يربطها وثاق متين من الأخلاق المسيحية -  ولا أقول إن الحياة في تلك العهود قد وصلت إلى مستوى

الأخلاق المسيحية السامية - ولكن هذا الباب كان مفتوحاً  على كل حال. ولكنا اليوم نرى فجوة واسعة في العلاقات الدولية  فلم يعد يصل ما بينها ذلك التعاون القديم الذي تقلصت ضلاله ولم  يحل محل شيء على الإطلاق، وقد أصبحنا نرى على الصهوة رجالاً  متعلقين بعنان القوة، وهم لا يخشون شيئاً غير الهزيمة ، ولا يخجلون من شيء غير الانحدار. فهل من الغريب مع هذا  أن تنحط القوى الأدبية والمعنوية في العلاقات بين الدول الأوربية  إلى الحضيض الذي لم تنحدر إليه في عهد من العهود؟

نحن اليوم أمام موقف يدعونا إلى بعض التأمل. ومما يدعو  إلى الأسف الشديد أن نرى الحالة السياسية والفكرية والأخلاقية  يعروها هذا الجمود.

وإذا كنا هنا بصدد الكلام عن الأخلاق، فمن الواجب  أن نقول: إن حكام ألمانيا الحاليين قد أساءوا استعمال القوة التي  في أيديهم، فزادوا إلى ويلات الإنسانية بلاء لم يعهد له مثيل؛  ومن الحق أن نحملهم وزر ما جنوا على العالم الإنساني، ونجعل  الدفاع عن الأخلاق من الواجبات العامة التي ينشدها الجميع لخير  الإنسانية العام.

إن الدول الدكتاتورية ما زالت تعتقد أن القوة هي سيطرة  الإنسان على الإنسان، لا سيطرة الإنسان على الطبيعة، وترى  في الجار عدواً يجب أن تتحين الفرص لهلاكه. فالجار والجار  عدوان على الدوام.

وتستبيح لنفسها الاعتداء على كل أمة وهبتها الطبيعة شيئاً  من خيراتها، وهذه حالة ينهار معها كيان الشرف والأخلاق.

اشترك في نشرتنا البريدية