طلعت حرب ورسالته الأدبية لمناسبة الذكرى الأولى لوفاته للأستاذ مصطفى كامل الفلكي أشاد الكتاب بالناحية العامة من حياة فقيد الوطن (طلعت حرب) وهي الناحية المتصلة بالرسالة العظمى التي أداها لبلاده، رسالة الاقتصاد وتدبير المال وانتشال مصر من وهدة الخراب التي عمل الأجانب على سوقها إليها بإقبالهم على استثمار مرافقها جميعاً بحيث لم يدعوا لأبناء البلاد سبيلاً وتلك هي الناحية العظمى في حياة الرجل الفذ، ولو أننا أنصفنا لحددنا هذه الناحية بأنها هي الغالبة عليه عند الناس لظهورها وبروزها والواقع أن طلعت حرب كان ذا رسالة أدبية خاصة، فإن الأديب لا بد أن يكون ملماً بجميع أحوال أمته وأطوارها وعاداتها وتقاليدها مستخلصاً لنفسه فكرة عن إصلاح المعوج من أمورها، وذلك هو (طلعت حرب) في جميع أدوار حياته، فهو صاحب فكرة في الإصلاح القومي العام، ظل يدعو إليها من بدء حياته حتى وفاته فقد عرفه الناس لأول مرة وفي صدر شبابه مؤلفاً تخرج له المطابع ثمرات ناضجة من تفكيره وشجونه، وتحتشد أنهار الصحف برائع مقالاته ودراساته، وله من الكتب كثير، منها: المرأة والحجاب وفصل الخطاب في المرأة والحجاب وقناة السويس وعلاج مصر الاقتصادي وإنشاء بنك للمصريين وله رسالة في الإسلام، ورسالة أخرى باللغة الفرنسية في الرد على مسيو هانوتو الوزير الفرنسي المعروف حين هاجم المسلمين والإسلام. هذا وغيره من إنتاج طلعت حرب نعرف نضوج الرأي والغيرة على ملته وقوميته، وتلمس فيه قوة الروح وشدة العارضة في إيراد الحجج والاعتماد على المنطق وحكم العقل ودراسات العلماء، فهو لا يرسل القول إرسالاً دون بيان، ولا يعتمد على الرجم بالظن، وإنما قوله كله تحقيق وتدقيق، وتأليفه توفيق في توفيق. وفضلاً عن هذا فإن خطبه الضافية العظيمة تعتبر مرجعاً من أهم المراجع للباحثين في الاقتصاد وفي أحوال المجتمع المصري، فكلها حافلة بالمعلومات، مليئة بالأفكار الناضجة والتعاليم الوطنية الرائعة، تشف عن قلب مفعم بحب بلاده، وعقل حاشد بأهم ما ينبغي لرجل العمل أن يعرفه وأن يلم به. على أنك حين تطالع هذه الكتب وتلك المقالات والخطب والأحاديث والرسائل تخرج منها بنتيجة في غاية العجب، إذ ما من رجل أشتهر بعلم أو شغل بعمل استطاع أن يجمع إلى علمه أو عمله قوة في البيان أو بلاغة في الأداء ولكن طلعت حرب استطاع أن يفعل هذه الأعجوبة ويحقق ذلك المقصد البعيد المنال فأنت حين تقرأ له لا تشعر أنك تقرأ لعالم كل همه إيراد علمه، وإنما تعتقد أن أدبياً كبيراً أو منشأ بليغاً يسوق إليك هذه المعلومات والبيانات ويعرض عليك ألواناً من المعرفة، وأشتاتاً من الثقافات ولو أننا جمعنا الكتب والمقالات التي أنشأها طلعت حرب لكانت أسفاراً عديدة، فإذا أضفنا إليها الأحاديث الصحفية التي أدلى بها في شتى المناسبات، وما كتب من خطابات، لكان منذ ذلك مكتبة من أرقى وأضخم المكتبات، وهذا كله شيء معترف به، ليس في حاجة إلى إثباته، لأن الجميع يعرفونه ولا ينكرونه، فإعادته والإشارة إليه تكرار ليس ما يدعوا إليه والآن وقد مر العام على وفاة طلعت حرب الأديب فماذا فعل الأدباء لتخليد ذكراه وقد كان نصير الكتاب والأدباء والصحفيين؟ لقد وعد الدكتور زكي مبارك أن يكتب أو أن يؤلف عن طلعت حرب الأديب فأين وعده؟ يا شباب مصر اذكروا طلعت تذكروا مجدكم، وتفخروا بما فعله لتمجيدكم. مصطفى كامل الفلكي الفن ليس من خصائص الإنسان أن يعرف الجمال الطبيعي ويحبه فحسب، بل خلق مزوداً بالقدرة على إنتاجه أيضاً. فحين يرى جمالاً طبيعياً، سواء أكان جمالاً فيزيقيا أم خلقيا، فإنه يحسه ويعجب به ويتأثر به، فينجذب نحوه، وتتملكه عاطفة الجمال وتسيطر عليه. فإذا كانت تلك العاطفة فعالة مثيرة ونشيطة، فإننا نميل إلى رؤية ما سبب لنا تلك اللذة وإلى إحساسه ثانية، ونرغب في تحقيقه وإحيائه، لا كما هو عليه في الخارج، بل كما تصوره لنا مخيلتنا، حتى تظهر فيه ذاتية خاصة، وهذا هو الفن فالفن إذن إنتاج حر للجمال، يصدر عن قوة كامنة في الإنسان هي ما نسميه العبقرية ويلزم لذلك الإنتاج الحر للجمال قُوى، هي نفس القوى اللازمة لمعرفته وإحساسه. فالعبقرية هي الذوق السامي، مضافاً إليه عنصر آخر هو القدرة على الإبداع. والذوق ملكة مركبة يدخل فيها ثلاث قوى، هي المخيلة والعاطفة والعقل. هذه القوى الثلاث لازمة بالضرورة للعبقرية، ولكنها ليست كافية، فإن الذي يميز العبقرية عن الذوق، إنما هو القدرة الخالقة، أو القدرة على الابتداع والابتكار. فالذوق يحس ويحكم ويناقش ويحلل ولكنه لا يبتكر، والعبقرية مبدعة وخالقة قبل كل شيء. والعبقري إنما يكون عبقرياً بواسطة رغبة مشبوبة لا يمكن مقاومتها للتعبير عما يحس به من عواطف وانفعالات وصور وأفكار تضطرم في صدره. وقد قيل: إنه لا يوجد رجل عظيم بدون بذرة من الحماقة فيه، هذه الحماقة هي الجزء الإلهي من العقل، وهذه القوة الخفية سَّماها (سقراط) : (شيطانة) ؛ وأسماها (فولتير) : (بالشيطان في الجسد) ، وهي التي تلهم العبقرية وتثيرها حتى تبوح بما أضناها. وعلى ذلك، فهناك شيئان يميزان العبقرية: حيوية الرغبة في الإنتاج، ثم القدرة على الإنتاج، لأن الرغبة بدون القدرة ليست إلا مرضاً. فالعبقرية بالضرورة هي على العمل والإبداع والخلق، بينما يختص الذوق بالملاحظة والإعجاب. والعبقرية الزائفة - أعني المخيلة المشبوبة العاجزة معاً - تضني في الأحلام المجدبة، وتفنى دون أن تنتج شيئاً ذا أهمية، وقد لا تنتج شيئاً على الإطلاق؛ ولكن العبقرية هي التي يمكنها أن تحول تصوراتها إلى خلق وإبداع جديدين وإذا كانت العبقرية تخلق، فإنها إذن لا تقلد، ولذا قد يظن أنها أعلى من الطبيعة ما دامت لا تقلدها، والطبيعة من صنع الله، فالإنسان بذلك منافس لله؛ ولكن ليس ذلك بصحيح فإن الطبيعة تفسر الأشياء وتنتجها حسب طبيعتها الخاصة، كذلك العبقرية الإنسانية تنتجها حسب طبيعتها هي. . . ولنقف لحظة أمام تلك المسألة التي أثيرت مراراً، وهي: هل الفن ليس شيئاً آخر إلا تقليد الطبيعة؟ الفن من جهته تقليد بدون شك، لأن الخلق المطلق لا يمكن أن يعزى لغير الله، والعبقرية لا تأتي بالعناصر التي تعمل عليها إلا من الطبيعة. . . ولكن، هل تقتصر العبقرية على إخراجها مثلما صنعتها الطبيعة؟ وهل هي ليست إلا مجرد نسخ ونقل للواقع؟ إذا كانت العبقرية كذلك، فإن ميزتها الوحيدة تكون هي الأمانة في النسخ والنقل، وإذا كان الأمر كذلك كان الفن عاجزاً، مثله مثل طالب كسول بليد، لا يفعل شيئاً إلا أن يقلد كل ما يفعله جاره، وينقله منه بكل أمانة والفنان الحق يحس ويعجب بالطبيعة إحساساً وإعجاباً عميقين ولكن ليس كل ما في الطبيعة باهراً ومدهشاً بدرجة واحدة. وفي الطبيعة شيء ما تتخطى به الفن إلا مالا نهاية، أعنى الحياة؛ ولكن الفن يتخطى الطبيعة ويفوقها حين لا يقلدها تقليداً دقيقاً. وكل ما هو طبيعي لا بد أن يكون معيباً من ناحية ما مهما كانت درجة جماله. وكل ما هو واقعي لا بد أن يكون ناقصاً. وعلى ذلك نجد الشناعة والقبح مختلطين بالسمو والجلالة من ناحية، ونجد الظروف والرشاقة بعيدين عن العظمة والقوة من ناحية أخرى، وهكذا. وخطوط الجمال منفصلة بعضها عن بعض؛ فإذا اتحدت اتفاقاً وبدون قاعدة ينظم بمقتضاها هذا الاتحاد أخرجت لنا المسوخ. ولكن السماح بوجود قاعدة للنظام يعني السماح بوجود مثال يخالف جميع الأفراد. هذا المثال هو ما يؤلفه الفنان حين يدرس الطبيعة والواقع فيحكم عليهما وينازلهما به والمثال موضوع تأمل عاطفي للفنان. فالتأمل الدائم الهادئ العميق الذي تحييه العاطفة يوقظ العبقرية ويثير فيها تلك الرغبة الملحة لرؤية ما يرغب فيه متحققاً وحياً؛ ولذلك تأخذ العبقرية من الطبيعة كل المواد التي يمكن أن تساعدها، وتضفي عليها يدها القوية مثلما فعل ميكلانج مثلاً بإزميله على الرخام الخام. فتخرج منها أعمالاً ليس لها نماذج في الطبيعة؛ أعمالاً لا تحاكي شيئاً آخر إلا المثال المتصورَّ؛ أعمالاً هي من ناحية خلق آخر أقل من الأول بالفردية والحياة، ولكنها من جهة أخرى أعلى منه بالجمال العقلي والخلقي والجمال الخلقي أساس لكل جمال حقيقي، وهذا الأساس مغطى محجوب قليلاً في الطبيعة والفن يطلقه ويظهره. وغاية الفن هي التعبير عن الجمال الخلقي بمساعدة الجمال الفيزيقي، فهذا الأخير ليس إلا رمزاً لذاك، وهو مظلم غير واضح في الطبيعة، والفن حين يوضحه يصل إلى أعمال لا تنتجها الطبيعة دائماً. نعم إن الطبيعة قد تسبب سروراً وانشراحاً أكثر لأنها تحوز الحياة وتملكها، ولكن الفن يثير أكثر لأنه في تعبيره عن الجمال - وبخاصة عن الجمال الخلقي - يصل مباشرة إلى منبع الانفعالات العميقة. فالفن بذلك قد يكون ابعد تأثيراً من الطبيعة، والتأثير هو علامة الجمال ومقياسه وطالب الفن ودارسه يجب عليه أن يعرف - في بدء دراسته - الواقع والمثال ويدرسهما معاً لا أحدهما أولاً. والطبيعة نفسها لا تقدم الجزئي بدون الكلي ولا الكلي بدون الجزئي، فالواقع والمثال شرطان من شروط الفن، والعبقري يعرف كيف يوحد بين المثال والواقع، بين الصورة والفكرة. وهذا الاتحاد هو كمال الفن. والأعمال الفنية الكبرى تقتضي هذا الثمن، ولكن يجب التفرقة والتميز بينهما ووضع كل منهما في مكانه الصحيح، فإنه لا يوجد مثال حقيقي بدون صورة معينة، ولا توجد وحدة بدون اختلاف، ولا نوع بدون أفراد؛ ولكن أساس الجمال هو الفكرة ' والذي ينتج الفن هو تحقيق تلك الفكرة لا تقليد الصورة الجزئية. في بدء القرن التاسع عشر، عقد المجمع الفرنسي مسابقة عن أسباب كمال فن النحت القديم، وعن عوامل انحطاط ذلك الفن. وكان الفائز في هذه المسابقة إمري دافيد الذي قرر أن دراسة الجمال الطبيعي هي التي قادت وحدها الفن القديم نحو الكمال، وبالتالي تقليد الطبيعة هو الطريق الوحيد للوصول إلى الكمال. ولكن كاترمير دكانسي هاجم نظرية دافيد ودافع عن الجمال المثالي، وبين أن الفن عند الإغريق لم يعتمد على تقليد الطبيعة ولا على نموذج واقعي لأن النموذج ناقص مهما كان جميلاً، بل كان يعتمد في الحقيقة على الجمال المثالي الذي لا يوجد في الطبيعة. وكان دافيد قد ادعى أن كلمة (الجمال المثالي) تعني عند اليونان - بفرض أنهم كانوا يعرفها - (الجمال المرئي) ، لأن (المثال يأتي من اليونانية وهذه تعني - في رأيه - (الصورة المرئية - ولكن دكانسي أتى بأثرين رد بهما على دافيد: أحدهما من طميادس حيث بين أفلاطون بوضوح كيف يكون الفنان الحق أعلى من الفنان العادي، والآخر من (الخطيب) حيث يشرح شيشرون كيفية عمل الفنانين العظام ممثلاً لذلك بعمل فيدياس أعظم أستاذ في أكمل عصر فني. فهو حين كان يصنع تمثالاً ما لم يضع تحت ناظريه نموذجاً معيناً يعكف على تقليده، ولكن كان يوجد في نفسه صورة أو مثالاً تام الجمال. وطريقة فيدياس هذه هي نفس طريقة رفائيل التي وصفها في خطابه إلى بقوله: (لما كان ينقصني نماذج جميلة استخدمت مثالاً معيناً صنعته بنفسي) هناك نظرية تجعل من الوهم غاية للفن، وهي نظرية ترجع الفن إلى التقليد بطريق غير مباشر. فالجمال المثالي للنفس مثلاً هو وهم العين وخداعها، ومنتهى الفن في قطعة مسرحية هو أن تقنعك أنك أمام الواقع. وكل ما في هذا الرأي من حقيقة هو أن العمل الفني لا يكون إلا إذا كان حيا. ففي الدرامة مثلاً يجب ألا تأتي بأشباح الماضي الشاحبة، بل بشخصيات مستعارة من المخيلة أو من التاريخ، ولكنها شخصيات حية وعاطفية، تتكلم وتعمل كما يعمل الناس لا كما تعمل الأشباح. ولكننا لا يمكن أن نجعل الغاية من الفن هي الخداع والإيهام؛ فإننا لو جعلنا ممثل دور بروتس نسخة منه وألبسناه ملابسه وأعطيناه نفس الخنجر الذي طعن به بروتس قيصر، لما مس ذلك الخبراء الحقيقيين إلا مسا رفيقاً. والمغالاة في الخداع تجعل عاطفة الفن تختفي لتظهر مكانها عاطفة طبيعية صرفه، فإن كنت أتوهم أن أفيجينيا على وشك أن يذبحها أبوها على بعد عشرين خطوة مني، فإنني قد أخرج من صالة المسرح مرتعداً من الخوف وقد يقال رداً على ذلك إن غاية الشاعر هي إثارة الشفقة والخوف مثلاً. هذا صحيح، ولكن إلى حد، وبعد ذلك يخلط بذلك عاطفة أخرى تعدَّل منهما أو تمحوهما وتكون لها غاية أخرى. فإن كان الغرض من الدرامة هو إثارة الشفقة والخوف والحزن فقط بدرجة كبيرة، فإن الفن يكون بذلك غريماً عاجزاً للطبيعة، وأي مستشفى أكبر امتلاء بالشفقة والرعب والحزن من كل مسارح العالم. ونحن حين نعجب بمنظر عاصفة أو حادثة غرق، فإن إعجابنا ليس ما يثيره هذا المنظر من شفقة أو رعب؛ بل هناك سبب آخر هو استيقاظ عاطفة الجمال والسمو التي هاجتها عظمة المنظر وامتداد البحر واصطخاب الأمواج المزبدة وقصف الرعود المدوية، ولكننا لا نفكر لحظة في أن هناك بؤساء يقاسون ويألمون وقد يموتون وإلا صار المنظر فظيعاً لا يمكن احتماله وهناك نظرية أخرى تخلط عاطفة الجمال بالعاطفة الخلقية، والعاطفة الدينية، وتضع الفن في خدمة الدين والأخلاق، وتحيل غايته أن يرفعنا نحو الله ويهذب من أخلاقنا. وهنا يجب أن نذكر تفرقة ضرورية: إذا كان كل جمال يحوي جمالاً خلقياً، وإذا كان المثال يرقى دائماً نحو اللانهاية، فإن الفن المعبرَّ عن الجمال المثالي يطهر الروح ويرفعها نحو اللامتناهي أي نحو الله. فالفن يؤدي إذن إلى كمال الروح بطريق غير مباشر. والفيلسوف الذي يبحث عن المعلولات والعلل يعرف المبدأ الأخير للجمال ومعلولاته الحقيقية والبعيدة، ولكن الفنان فنان قبل كل شيء، وما يحييه هو عاطفة الجمال، وما يريد إيصاله إلى القلوب هو نفس العاطفة التي تملأ قلبه هو. هذه العاطفة هي رباطٌ بين العاطفة الخلقية والعاطفة الدينية، توقظهما وتحفظهما، ولكنها متميزة عنهما. والفن المؤسس على تلك العاطفة هو استطاعة غير حرة، فهو يشارك بطبعه في كل ما يعظم الروح في الأخلاق والدين، ولكنه لا يرقى إلا بنفسه. وحين يسترد الفن حريته وكرامته وغايته الذاتية، فإنه لا يمكن فصله عن الدين والأخلاق والوطن، لأن الفن يقتبس إلهاماته من هذه المنابع العميقة، كما يقتبسها من الطبيعة. والفن والوطن والدين قوى لكل منها عالمه الخاص، وبينهما اتحاد متبادل، فإذا ابتعد أحدها عن الآخرين ضل السبيل. ولكن ذلك لا يجعل الفن خاضعاً لقوانين الدين والوطن وإلا فقد سحره وجماله بفقدانه حريته واتحاد الفن والدين والوطن لا يضر باستقلال كل منها، ونتأدى من ذلك إلى أن الفن نوع من الدين. فالله يتضح لنا بواسطة فكرة الحق وفكرة الخير وفكرة الجمال، وهي ثلاث فكرات متساوية فيما بينهما، تؤدي كل واحدة منهما إلى الله لأنها تأتي منه. والجمال الحقيقي هو الجمال المثالي، وهذا الأخير انعكاس اللامتناهي، وعليه فالفن يعبر في أعماله عن الجمال الأبدي. وكل عمل فني، إذا كان جميلاً سامياً، تمثالاً كان أو أغنية، أو غير ذلك، يلقى بالروح في حلم عظيم يحملها نحو اللامتناهي. واللامتناهي هو الحد المشترك الذي تتوق إليه الروح على أجنحة الخيال والعقل بواسطة الجمال والحق والخير أحمد أبو زيد كلية الآداب ٣٩ - المصريون المحدثون شمائلهم وعاداتهم في النصف الأول من القرن التاسع عشر تأليف المستشرق الإنجليزي ادورد وليم لين للأستاذ عدلي طاهر نور تابع الفصل الثاني عشر - السحر والتنجيم والكيمياء تحدث الساحر إليّ وسألني إذا كنت أرغب في أن يرى الصبي شخصاً ما غائباً أو متوفى. فذكرت اللورد نلسون؛ ومن الواضح أن الصبي لم يسمع عنه أبداً لأنه نطق اسمه بصعوبة كبيرة بعد محاولات. وأمر الساحر الصبي أن يقول للسلطان: (إن سيدي يحيك ويطلب منك إحضار اللورد نلسون. أحضره أمام عيني حتى يمكنني رؤيته سريعاً) فقال الصبي ذلك وأضاف في الحال: لقد ذهب رسول وعاد وأحضر رجلاً يلبس ملابس أوربية سوداء والرجل فقد ذراعه اليسرى. ثم وقف لحظة وقال وهو ينعم النظر عن قرب في الحبر: لا، إنه لم يفقد ذراعه اليسرى وإنما وضعها على صدره. وقد جعل هذا الاستدراك بيان الصبي أكثر تأثيراً مما لو كان بدونه، لأن اللورد نلسون كان يعلق كمه الخالي إلى صدر سترته، ولكنه فقد ذراعه اليمنى لا اليسرى. فسألت الساحر دون أن أبين أنني أتهم الصبي بالخطأ، إذا كانت الأشياء تبدو في الحبر كما لو كانت أمام العين فعلاً أو كما لو كانت تنعكس في المرآة التي تظهر اليمين يساراً. فأجابني إنها تبدو كما في المرآة. فجعل هذا وصف الصبي صحيحاً. وكان ثاني من دعوتهم مصرياً أقام في إنجلترا بضع سنوات فاتخذ الملابس الأوربية. وكان المرض قد ألزمه الفراش طويلاً قبل إبحاري لمصر، فرأيت أن أسمه وهو شائع في مصر، قد يحمل الصبي على الخطأ في وصفه؛ مع أنه حدث في زيارتي السابقة للساحر أن وصف صبي آخر هذا الرجل ذاته بأنه يلبس ملبساً أوربياً مثل ذلك الذي رايته به آخر مرة. أما الآن فقد قال الصبي لها هو ذا رجل لف في ملاءة وجيء به على نعش. ويدل هذا الوصف على أن الشخص المذكور لا يزال ملازماً فراشه أو أنه مات. وقال الصبي إن وجهه مغطى، فقال له الساحر أن يأمر برفع الغطاء. ففعل ثم قال (إن وجهه شاحب، وله شاربان ولا لحية له) وهذا صحيح. وقد استدعيت عدة أشخاص آخرين على التوالي ولكن أوصاف الولد لهم كانت ناقصة وإن لم تكن جميعها غير صحيحة. فكان كل وصف يبدو أقل وضوحاً عن السابق كما لو كان بصره يغشى شيئاً فشيئاً. فكان يلبث برهة أو أكثر قبل أن يستطيع أن يصف من يراهم. فقال الساحر إن من العبث إجراء التجربة معه؛ فجئ بصبي آخر ورسم المربع السحري على يده إلا أنه لم يستطيع رؤية شيء؛ فقال الساحر إنه فوق السن المناسبة. أدهشتني هذه الأعمال تماماً، غير أنها خيبت ظني قليلاً لفشلها مرات في حضور بعض أصدقائي ومواطني. وقد سخر منها في إحدى هذه المناسبات إنجليزي من الحاضرين وقال: لا شيء يقنعه غير وصف صحيح لهيئة أبيه إذ كان على يقين من أن أحداً من الجالسين لا يعرف عنه شيئاً. فدعا الصبي والد الإنجليزي باسمه، ثم بين أنه يلبس الملابس الإفرنجية ويضع يده على رأسه، ويلبس منظاراً ويقف على قدم واحدة ويقيم الأخرى وراءه على نحو ما يفعل النازل من المقعد وكان الوصف دقيقاً من كل الوجوه. فقد كان وضع اليد على الرأس ناشئاً من صداع دائم، ووضع القدم من تصلب الركبة لسقوط الرجل عن ظهر حصانه أثناء الصيد. وقد أكد لي الحاضرون في هذه الجلسة أن الصبي أحكم الوصف في كل دعوة. ووصف الصبي مرة شكسبير شخصه وملبسه وصفاً دقيقاً. ويمكنني أن أضيف إلى ذلك عدة أحوال أخرى أثار فيها الساحر ذاته دهشة معارفي الرزناء من الإنجليز. وفي يوم آخر جهز الساحر، بعد أن قام بالتجربة بواسطة الصبي كالعادة، المرآة السحرية في يد إنجليزية شابة، فلم تكد تنظر فيها لحظة حتى قالت إنها ترى مكنسة تكنس الأرض دون أن يمسكها أحد. وتملكها الفزع فرفضت استئناف النظر قررت هذه الوقائع بعضها من تجاربي الذاتية والبعض الآخر مما وصل إلى علمي عن قوم محترمين. وقد يظن القارئ أن الصبي كان يرى في كل مرة صوراً تنعكس في الحبر، أو أنه كان متفقاً مع الساحر، أو أنه يرشد بطريق الأسئلة. كل ذلك لم يكن. أما أنه لم يكن هناك اتفاق فقد تحققت من ذلك تحققاً مرضياً باختيار الصبي الذي قام بالعمل من بين المارين بالشارع، علاوة على رفضه رشوة عرضتها عليه فيما بعد لحثه على الاعتراف بأنه لم ير حقاً ما كان يقرر رؤيته. وقد امتحنت صدق صبي آخر في مناسبة لاحقة وبالطريقة نفسها، فكانت النتيجة واحدة. وكثيراً ما تخيب التجربة تماماً، ولكن عندما يصيب الصبي القائم بالعمل مرة يستمر في النجاح على العموم، وعندما يخطئ بادئ الأمر يصرفه الساحر تواً قائلاً إنه كبير السن. وقد يفترض البعض أن البخور أو الخيال المتأثر أو الخوف يؤثر في نظر الصبي؛ ولكن لو كان الأمر كذلك لما أبصر تماماً ما كان يطلب من أمور لا يمكن أن يكونّ عنها معلومات خاصة سابقة. ولم استطع أنا ولا غيري اكتشاف طريق ما ينفذ بنا إلى السر. ورجائي من القارئ إذا كان مثلنا عاجزاً عن إيجاد الحل ألا يدع البيان السابق يثير في ذهنه ريبة فيما يتعلق بأجزاء الكتاب الأخرى. الفصل الثالث عشر الأخلاق إن طباع المصريين المحدثين تتأثر إلى درجة كبيرة بالدين والشرع والحكومة، كما تتأثر بالمناخ وأسباب أخرى. ومن ثم يصعب جداً أن نكون رأياً صحيحاً عنها. غير أنه يمكننا أن نقرر بثقة أن المصريين يمتازون أكثر من الشعوب الأخرى ببعض الصفات الذهنية العظيمة، وبخاصة سرعة الإدراك وحضور الذهن وقوة الحافظة. وهم في حداثتهم موهوبون على العموم بهذه الصفات وبقوى عقلية أخرى. غير أن العلل السابقة الذكر تحط منها تدريجاً وليس في أخلاق المصريين الأصلية ما يستحق الاعتبار مثل الكبرياء الدينية. فهم يعتبرون كل من خالفهم في الدين هالكين. وقد ذكر القرآن في سورة المائدة في الآية الحادية والخمسين: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فإنه منهم) ومن بواعث الأدب أو الصالح الذاتي أن يتحدث المسلم أحياناً إلى المسيحي، وخاصة الأوربي، بلهجة كريمة، وقد يصرح بصداقته وهو يضمر الازدراء له. ولما كان المصريون المسلمون يحكمون على الفرنج بمقتضى ما يظهر من الذين يسكنون مدنهم، وأكثرهم من شذاذ الآفاق ونفاية البلاد، فمن الصعب لومهم على ازدرائهم. ويعامل أهل مصر المسيحيين مع ذلك بلطف فالمسلمون قد عرفوا بالتسامح كما اشتهروا باحتقار الكفار. ويعتقد المسلم أن التقي يرفع صاحبه، إلا أن رغبة الظهور بالتقوى تفضي بالكثيرين إلى الرياء. وكثيراً ما يلهج المسلم ببعض الأدعية إذا لم يكن مشغولاً بعمل أو تسلية أو حديث، وإذا أقلقته فكرة أثيمة أو ذكرى شر أرتكبه يصيح متنهداً (استغفر الله العظيم) . وكثيراً ما يشغل التاجر نفسه في حانوته بتلاوة القرآن أو بالتسبيح إذا فرغ من مساومة حرفائه أو من تدخين شبكه (يتبع) عدلي طاهر نور الساقية الجافة للأديب محمود عماد برغميَ أيتها الساقية ... وقوفكِ صامتة صاديه وبالأمس كنت تروَّين تلك ... الحقول بأمواهك الجاريه فتجرى النضارة في زرعها ... وفي أهلها البِشْرُ والعافيه وكم قد أغارت عصافيرَها ... أهازيجكِ العذبة الصافيه فأين تحوَّل عنكِ الغديرٌ، ... وأين الهراوةُ والماشيه؟ وأضراسُكِ الصامداتُ الشَّدادُ ... هي اليوم من سوسها ما هيه؟ وصفصافك الغض كيف استحال ... عِصيَّا منكّسةً جافيه؟ يمرّ النسيم بها لا تميل، ... وكانت تراقصه حانيه! وتَلقى العناكبُ منها سَدىً ... متيناً لِلُحْمتِها الواهيه كأنكِ في نسجها جثة ... تردّت بأكفانها الباليه وأنَّ طنين الذباب ترا ... تيل تزُجَى إلى روحكِ النائيه فنحن أمام وفاةٍ. . . أجل ... وفاة تعِزّ على الناحيه وإنَّ حياةً اليوم ماتت ... بموتكِ أيتها الساقيه أليس دليلَ الحياةِ الكلامُ، ... فكم قد خطبت على الرابيه؟ وهل بعد موتٍ سوى وحشةٍ ... أرى وحشةً لكِ تغُرَى بيه ألا أيها السالكانِ إلى الحيّ ... أقصَى الطريق، أَصيخاَ ليه وقولا لزوَّارِ مقبرةِ الحيّ ... للحيّ مقبرة ثانية تثير الشجون بإيحاشِها ... وأطيافِ أيامها الخاليه فحيُّوا ثراها بِحَفْنِة ماء ... زلال وريحانةٍ ناديه محمود عماد ذكريات. . . للأديب مصطفى على عبد الرحمن أَشرقي في نفسِيَ الحيرى مُنىً تُذْهِبُ ما بِي من أسى دهري وما ألقاهُ من مُرَّ العذابِ ودعيني أملأ العينين من نورِ الشَّبابِ. . . فنِداء الحبَّ يدعو خافِقَيْناَ ... أَيْنَ ماضٍ من حُمياهُ انْتَشَيْنَا؟ قد مَلأْناهُ غَراما ... ورشفناهُ مُداما وسعتْ في نورِهِ ... الدُّنيا إلينا ذَاع أَمْري. . . آهِ من أمري ويا لي ... من هوى قلبي ومن كيد الليالي! طالت الشكوى ولكن من يبُالي ... بشكاتي وعذَابي، من بُبالي؟ يا عزاء النفْسِ إن جلَّ العزاء هلْ لنا من حُرْقَةِ الوجدِ ارتواءُ؟ أَيْنَ وَلى الأمس والدنيا هناءُ؟ ونعيمُ العمرِ نُعْمَى ولقِاءُ. . . ورجاءُ شاعَ في ظلَّ الوصالِ ... وصفاء ذَاع في كلَّ مجالِ (ذكرياتٌ) كلمات مرت ببالي ... هام قلبي بين شكي وضلالي. . . يا ليالي. . . أَيْنَ أياميَ أينا. . .؟ أنا أَشْقى فإلاما ... لا ترى عيني الْمَنَامَا ونداءُ الحبَّ يدعو خافقينا ... والمنى والسحر مِلْكٌ لِيديْناَ! وشبابي لم يزل يَنْدَي بأنداءِ الشبابِ وشِراعي يتغنَّى بأمانينا العِذابِ فتعالىْ. . . كأْسُناَ نَشْوى وملأَى بالشرابِ مصطفى علي عبد الرحمن البريد الأدبي السويبة هي الصوبة أو الصوببة سأل حضرة الأستاذ الفاضل عبد الرحمن أفندي أحمد سعد عن أصل (السويبة) في العربية، وعن دلالتها على معنى يقارب معنى المطمورة التي على وجه الأرض فنقول - قبل الجواب - هذه الكلمة: زارني أحد أدباء البغداديين، بعد أن وقف على كلمة (المطمورة) المدرجة في العدد ٤٦٤ من الرسالة فقال: (بأي لغة كتبت يا سيدي مقالتك على (المطمورة) ؟) قلنا له: باللغة المالطية، وسبب هذا الجواب أني لاحظت في طبعها أغلاط طبع كثيرة، حتى كان يصعب علي معرفة ما كتبتُ. ولولا عناية خاصة من الله لما تمكنت من فهم ما جاء فيها. ولم أبعث بتصحيح ما جاء فيها من الأوهام، لبعد المسافة بين بغداد ومصر، ولكثرة ما كان فيها من الأوهام. ولهذا اكتفيت بأن خططت خطاً أزرق تحت كل زلةٍ وردت فيها، تنبيهاً للقارئ لا غير، وذلك في نسختين فقط. وبعد أن نبهت هذا التنبيه العام أقول: ورد في سؤال الأستاذ الأبيض الوارد في ٦٣٢: ١٠ (ثم يسيفونها) والصواب (ثم يسيعونها) وقوله (ويصمدونها) والصواب (ويصومعونها) . والآن نجاوب على سؤاله فنقول: إن (السويبة) من أفصح كلام العرب وأحسنه بعد إزالة التصحيف عنه. والصواب أن يقال (الصويبة) مصغرة، أو (الصوبة) مكبرة. وبكلا اللفظيين ينطق بعض أعراب العراقيين. قال الشارح: (والصوبة، يالضم: كل مجتمع. عن كرابح، أو الصوبة: الجماعة من الطعام. والصوبة: الكدسة من الحنطة والتمر وغيرهما. والصوبة: الكبشة من التراب، أو غيره. عن ابن السكيت: الصوبة: الجرين، أي موضع التمر، وحكى اللحياني عن أبي الدينار الأعرابي دخلت على فلان، فإذا الدنانير صوبة بين يديه، أي كدس مهيلة. ومن رواه فإذا الدينار، ذهب بالدينار إلى معنى الجنس، لأن الدينار الواحد لا يكون صوبة. هكذا في لسان العرب؛ غير أني رأيت في الأساس قولهم: والدنانير صوبة بين يديه، مهانة. فلينظر انتهى. قلنا: قوله (مهانة) من خطأ الطبع. والصواب (مَهيلة) من هال التراب أو نحوه: إذا صَّبهُ فأنت ترى من هذا أن أهل السودان متفقون وأهل العراق على اتخاذ هذه الكلمة، إلا أن أبناء الرافدين يستعملونها مكبرة ومصغرة على السواء من غير تفضيل صيغة على صيغة، إنما يأتون بها بحسب ما يمر بخواطرهم، ويفعلون مثل ذلك بكثير من الحروف ثم إن نقل الصاد إلى السين كما في (الصُوَيْبة) و (السويبة) لغة قديمة معروفة عند العرب، فمنهم من كان يرقق الصاد فيجعلها سيناً، ومنهم من كان يفخم السين فيجعلها صاداً. والشواهد لا تحصى. والأمور جارية هذا المجرى إلى عهدنا هذا. ونحن نذكر بعض الشواهد من كلام الأقدمين فقد قالوا: (الخِرس كالخِرص. والخربسيس والخربصيص. والسويق والصويق. قال ابنُ دُريد في الجمهرة: وبالصاد، أحسبها لغة لبني نميم، وهي لغة ابن الغبر خاصة) (كذا في تاج العروس. وهو خطأ أيضاً والصواب: (وهي لغة بني العنبر، إذ لا وجود لابن الغبر) والتاج كثير أغلاط الطبع، ويجب أن يطالعه القارئ بكل تحفظ وتحرز وقد صححت فيه أوهاماً لا تحصى، ولو طبعت لجاءت في مجلد كبير، وكذلك يقال في لسان العرب، فإن مطبوعان مصر القديمة كانت تجئ بأقبح حلة وأسوأ حالة. وأنتهز هذه الفرصة لأقول: إني لم آت على ذكر جميع مترادفات المطمورة أو ما يجالس معناها من الألفاظ المستعملة في العراق. فقد نسيت مثلاً الصوبة والصويبة. والمنثر، وزان المِنبر وهي مستعملة في ديار المنتفق وأرجائها، وهو مخزن الطعام في الصحراء ويسمى صاحبه الجَّبان بجيم مفتوحة، يليها باء موحدة تحتية مشدَّدة، فألف، فنون والمنثر، غير واردة في معاجم اللغة، وقد وردت في (كتاب عمدة الطالب، في أنساب آل أبي طالب) ، وصاحبه من أنباء المائة التاسعة للهجرة هذا ما تيسر لنا جمعه. وهو الهادي إلى الصواب (بغداد) الأب أنستاس ماري الكرملي من أعضاء مجمع فؤاد الأول للغة العربية كم ذا يرى الأستاذ الظريفي في العدد (٤٧٥) من الرسالة الغراء أن الموضوع لم ينته بالردود التي قرأها في الأعداد السالفة، ثم بغُفل بيت أبي الطيب ويتناول بيت حافظ رحمه الله بالنقد القاسي تارة وبالتجريح تارة أخرى. ولنا أن نتناول كلمته بالنقد الهادئ تقريراً للحق ودفاعاً عن شاعر النيل. وإنا لنوجز البحث فنقول: ذهب الأستاذ إلى أن (كم) في بيت حافظ استفهامية ومميزها محذوف تقديره (كثيراً) أو ما هو في معناه؛ ثم أورد بيتاً لا ندرك تماماً صلته بالموضوع وهو قول أحد الشعراء: إلى كم ذا التملق والتواني ... وما هذا التمادي في التمادي فأما كون المميز (كثيراً أو نحوه) فلا نفهمه، والوَجْه أن يكون المميز (شدةً أو شوقاً مبرحاً) أو لفظاً مجروراً بمن مناسباً للمقام؛ وإذا فقول حافظ: كم ذا يكابد عاشق ويلاقي ... في حب مصر كثيرة العشاق يحمل على الصورة التالية (كم شدةً أو كم من الشدائد والأشواق المبرحة يكابد عاشق ويلاقي في حب مصر) ؛ أما أن يكون المعنى (كم كثيراً يكابد عاشق مصر هذا الألم) فلا نكاد نسيغه. وظاهر أن (ذا) في البيت الذي أورده الأستاذ اسم إشارة وليس بها رائحة الاستفهام بقرينة الاستفهام في الشطر الثاني. ثم يرى الأستاذ الظريفي أن (ذا) مفعول مقدم ليكابد؛ وقد يكون في هذا تعسف لا داعي إليه؛ وقد بدا اثر ذلك فيما أورده من تأويل. ويرى أن كلمة (يلاقي) حشو أريدَ به تكملة الوزن والقافية، ومثل هذا القول يفهم في مثل هذا القول يفهم في مثل قول الشاعر (وألقى قولها كذباً وميْنا) أما فرضه على قول حافظ فقسوة بالغة، فإن لكلمة (يلاقي) معنىً يزيد البيت قوة والمعنى روعة؛ فالشاعر يكابد في حب بلاده ما يكابد، ويلاقي كل يوم شوقاً وعنتاً جديداً في سبيل ذلك الحب. والقول بأن في البيت غلطة نحوية لا يقل عن سابقه قسوة. نعم إن إضافة (كثيرة) لا تكسبها تعريفاً فلا تصلح وصفاً لكلمة (مصر) وهي معرفة، ولكن من المكن قراءتها منصوبةً على الحالية من (مصر) لا من (يكابد) كما جاء في كلام الأستاذ. وقديماً قالوا: إن الحال وصفٌ لصاحبها قيدٌ في عاملها (فكثيرة العشاق) وصف لمصر قيد في المكابدة والملاقاة؛ كما يمكن حملها على أنها منصوبة بعامل مقدر مناسب للمقام، وقد يقع مثل ذلك للمدح (كما هنا) وللدم أو الترحم أحياناً. وإذا فلا موجب لتصويب البيت بالصورة التي رآها الأستاذ الظريفي بعد ما استقر في النفوس وتنقلت روعته في قلوب الأدباء جيلاً بعد جيل وبعد، فقد أغفل الأستاذ بيت أبي الطيب (وكم ذا بمصر من المضحكات. . .) وقد أصبح شطراً ذا خطر في موضوع البحث، ولا أدري أهو مُسلَّم به، وإذاً ففيم قوله: إن الردود لم تنه الموضوع؟ أم هو لا يزال منه في ريب وإذا فما رأيه؟ على أني أعود فأقول: إن أبا الطيب جارٍ في بيته على عرف أهل الكوفة الذين أجازوا زيادة الأسماء ومنها (ذا) وجوزوا وقوع أسماء الإشارة أسماء موصولة ومنها موضوع النزاع. وفيم العجب والرجل واسع الثقافة متأثر بآراء مدرسة الكوفة، ثم هو بعد من دعائم الشعر ومفاخر العروبة؟! غفر الله لك يا أبا الطيب؛ طالما عَنَّيْتَ حُسَّادك وأنصارك! وكأني بروحك اليوم تطل على هذا الخلاف، ثم تبتسم وتومئ إلى قولك الخالد: أنام ملء جفوني عن شواردها ... وتسهر الخلق جرَّاها وتختصم (المنصورة) محمود البشبيشي حول الردف والسناد ردّاً على كلمة الأديب الفاضل أحمد يونس محمد أقول: إن علماء العروض نصوا حقيقةً على أن الردف هو حرف مدٍّ قبل الروي؛ وعليه فتكون الياء في مثل: سريرتي والخميلة، ليست من قبيل الردف، لعدم وقوعها قبل حرف الروي مباشرة. . . ولكني أضيف إلى هذا أن الشعراء قد أجمعوا من قديم على التزام مثل هذه الياء - إذا وردت - في سائر الأبيات، حتى لتوهموها من الردف وأضافوها إليه؛ هم محقون في ذلك، لأنها لا تستساغ في الواقع إلا ملتزمة مع سائر الأبيات. . . وقد بلغ من إجماعهم على اعتبارها ردفاً، واحترازهم من الوقوع في (سناد الردف) بإهمال التزامها، أن نص ابن رشيق على هذه الشبهة في كتابه (لعمدة) ؛ فقال في باب القوافي (ص ١٠٦ من الجزء الأول): (وقد يلتبس بالمردف ما ليس بمردف، فيجتنبه الشعراء مثل (فيهم) مع (منهم) وهو جائز، لأن الهاء ليست رويَّا فتكون الياء ردفاً، وإنما الروي الميم): أي أن ياء (فيهم) لم تقع قبل حرف الروي (الميم) مباشرة، بل فصلت بينهما الهاء؛ فالياء هنا ليست ردفاً بسبب ذلك الفصل. . . ونحن لم نضف هذه الياء إلى باب الردف إلا أخذاً بإجماع الشعراء، وهم إدراكاً لدقائق العروض من (العروضيين) أنفسهم. ولئن كان ابن رشيق شاعراً أيضاً، إلا أنه اصدر حكمه هذا وهو لا بس ثوب (العروضيين) ومتحدث بمنطقهم؛ وما نظن أنه أتى في شعره بمثل الذي أجازه هنا. . . ثم إننا نحاسب الأستاذ محمود حسن إسماعيل باعتباره شاعراً مرهف الإحساس. . . لا نظَّاماً ولا عروضيَّاً على أن قصيدته إن خلت من الردف ومن سنادِه، وفقاً للقاعدة العروضية فهي لم تخل من التأسيس - في بعض أبياتها دون بعض - كما أشرنا إلى هذا في كلمتنا السابقة؛ وعليه فيكون السناد الذي تطوق إليها، وهو سناد التأسيس دون غيره من (أنواع السناد الخمسة) التي يتساءل عنها الأديب صاحب الكلمة (جرجا) محمود عزت عرفه في كتاب (الإمتاع والمؤانسة) . . . أُصحح للأب الفاصل أنستاس ماري الكرملي خطأ وقع فيه وهو قوله إن (هيردوس أتيقوس) روماني لا يوناني؛ فهذا ابعد في الخطأ من استنكاره أن يعتبر (تيودسيوس) يونانياً، وذلك لأن (أتيقوس) هذا أي (الآتيكي) نسبة إلى (آتيكا) مقاطعة آتينا (معلم خطابة) ، أو على الأصح (معلن بلاغة) يوناني صميم ولد في ماراتون سنة ١٠١ بعد الميلاد وكان أبوه (آتينا) صميماً تولى القنصلية أيام (نرفا) ، ولقد مات (أتيقوس) سنة ١٧٧م، ونحن نعرف عنه أنه أنفق شبابه في (آتينا) ، وأنه درس بها الفلسفة آخذاً بمذهب (أفلاطون)، أنه أتى إلى (روما) ليشرف على تربية الإمبراطور الفيلسوف مارك أوريل وأخيه في التبني (نرفوس) وأنه بعد أن صار قنصلاً، وبعد أن جمع ثروة ضخمة، عاد إلى (آتينا) ، حيث بنى عدة مبان هامة، لا يزال قائماً منها إلى اليوم (أوديون أتيقوس) الشهير بسفح (الأكروبول) وإذا، (فأتيقوس) يوناني، ولغته هي اليونانية وإذا ذكرنا أن (كومودوس) هو ابن (مارك أوريل) وأن (أتيقوس) قد أشرف أيضاً على تربيته، كما اشرف على تربية أبيه، وإذا كان من الممكن أن يكون (قومودس) إمبراطور روما كتب إلى (أتيقوس) باللغة اليونانية يطلب إليه كتباً وأشعاراً، وأن العرب قد علموا بذلك - مترجماً عن اليونانية - ترجمة لا نعلم مبلغ دقتها فأي غرابة في أن يكونوا قد جعلوا من (أتيقوس) شاعراً يونانياً، ومن (قومودوس) ملكاً لليونان، ما دام مصدرهم كان يونانياً وما دام (التوحيدي) يورده علي سبيل الرواية؟ وهل العرب كانوا يعرفون شيئاً دقيقاً عن الشعراء اليونان ومعلمي البلاغة عندهم، حتى نستبعد أن يخلطوا بين الشاعر ومعلم البلاغة، أو أن يستنتجوا من يونانية النص أنه تبودل بين يونانيين؟ وأما قصة (الكراكي) ، فقصة لا اثر لها فيما عثرت به من كتب اليونان، فهي خرافة لا نعلم عن نسبتها إلى قومودوس وأتيقوس شيئا، وإن يكن هناك احتمال في أن تكون من بين الأساطير الكثيرة التي راجت عن وفاة الشاعر اليوناني الكبير لوسيان المعاصر لقومودوس وأتيقوس وهكذا يتضح أن القراءة التي نظمها أقرب ما تكون إلى الصحة، هي قومودوس وأتيقوس اللهم إلا أن تكون عند الأستاذ كرواس معرفة خاصة بأبقوس الشاعر اليوناني، وذلك ما ننتظره منه إن تفضل فجاد بعلمه الغزير ولعل في هذه القراءة ما يطمئن إليه - ولو مؤقتاً - الأب الفاضل إلى أن يقترح غيرنا قراءة أصح محمد مندور مدرس بكلية الآداب
حكمت محكمة دمنهور العسكرية بجلسة ٢٤ - ٦ - ١٩٤٢ في القضية رقم ١١٠٤ سنة ٩٤٢ ضد محمد الشناوى تاجر بأم حكيم مركز شبراخيت بالحبس شهرين مع الشغل وغرامة ٢٠ جنيه وغلق المحل أسبوعا والنشر على مصاريفه لامتناعه عن بيع السكر مع وجوده لديه
حكمت محكمة دمنهور العسكرية بجلسة ١ - ٧ - ١٩٤٢ في القضية رقم ١٢١٢ سنة ١٩٤٢ ضد محمد محمد الفيومي بقال برشيد بالحبس شهرا مع الشغل وغلق محله ثلاثة أيام والنشر على مصاريفه لبيعة أرزا بسعر أزيد من المحدد بالتسعيرة
حكمت محكمة دمنهور العسكرية بجلسة ١ – ٧ – ١٩٤٢ في القضية - رقم ١٣٠٦ سنة ١٩٤٢ ضد الصاوى أحمد الغنام صاحب مخبز برشيد بتغريمه عشرين جنيها وغلق المحل لمدة يومين والنشر على مصاريفه ليمه خبرا بسعر أزيد من المحدد بالتسعيرة
