الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 616 الرجوع إلى "الرسالة"

Share

أرض مصر: معرض صور جان هيكمان

معرض صور جان هيكمان من المعارض القليلة الجديرة بعناية  كل مشتغل بالفن محب له. ولا أذكر أني زرت معرضاً  حافلاً بالمعاني والدروس مثل هذا المعرض، وصاحبته ولدت في  وادينا وعاشت بين ظهرانينا، وهي إن لم تكن مصرية بالدم، فهي  مصرية صميمة بالقلب والروح، ومعرضها دليل بليغ على صحة  هذا الكلام.

ومن المفرح حقاً أن توفق هذه الفنانة الكبيرة إلى إنتاج هذا  الفن المصري الصميم الذي يجمع بين الطابع المحلي البحت والروح  الإنسانية الشاملة التي يتميز بها كل فن ناضج في أي بيئة.

ويجب أن نتحدث أولاً عن القيمة الفنية الذاتية لرسوم  السيدة جان. وهذه الفنانة تجمع بين الإحساس الفني الصحيح  وهو الشعور بالقيم اللدينة للأشكال والأوضاع، ورقة العاطفة  وحيويتها، وقوة الخيال واكتماله. ومتى توفرت هذه الملكات  لفنان استطاع دون عناء أن يعثر فيما حوله من أشكال على الصور  التي يتخذ منها أداة للتعبير عن ذاته، ومع ذلك قد يظل مثل هذا  الفنان بعيداً عن روح البيئة التي أنتجته فينتج إنتاجاً خالصاً للفن  ينظر إليه المصري بنفس العين التي ينظر بها إليه الصيني مثلاً.  ولكن هذه الفنانة، مع احتفاظها بطابعها الشخصي الخالص،  استطاعت أن تعبر عن روح بيئتنا تعبيراً وفياً فذاً.

وصورها كلها تمثل مظاهر الحياة المصرية الصميمة التي  نشاهدها كل يوم: الفلاحون بملابسهم وأوانيهم، السحنة المصرية  تشرق من أساريرها الروح المصرية الصميمة، آلاتنا الموسيقية  المحلية الساذجة، الغيط والساقية والقوارب النيلية، والعامل  المصري بأعبائه الثقيلة ومسكنه المتواضع. وصورها لا تمثل   (مظاهر الحياة)  فقط، بل جوهر الحياة

المصرية وروحها، فصورة   (الأمومة)  تمثل المرأة المصرية الوادعة  المستسلمة المستغرقة في شؤون العيش، يفعم قلبها السلام والإيمان  مادامت تجد الكفاف، وتمثل صورة   (عزبة في إمبابة)  منزلا ً يكاد يحدثك عن الحياة التي تنطوي عليها جدرانه. وفي صورة    (أرض النيل: الفلاح)  تخفق روح القرية، بل تكاد وأنت  واقف تتأملها تشم رائحة التربة المصرية وتشعر بقلبها النابض،  والنسيم المتجاوب في أنحائها، وتلمس شقاء الفلاح وبؤسه وصبره  وأمله وإيمانه وتعاونه مع زوجه.

ومن مزايا هذه الفنانة شدة الإحساس بالضوء المصري الصافي  وما يضفيه على الألوان من حيوية وقوة، ويتجلى هذا جيداً في  المناظر الطبيعية التي رسمتها، وهي نماذج صادقة من الجمال العبقري  وأناقة الطبيعة المصرية، كما أنها مفعمة بالإحساس الشاعري

الرقيق - وبينما تطالعك لوحة الفلاحين مثلاً بغلطة الحياة الواقعية  وقسوتها، كأنها جلاد لا يرحم، تطالعك صورة   (المحمودية)   بجمال الطبيعة ورقتها وحدبها علينا، كأنها أم رؤوم.

ولا شك أن الفنانة التي تستطيع أن تستوعب كل هذه  الاحساسات وتعبر عنها تعبيراً موفقاً فنانة كبيرة - ولا شك أن  الفن الذي يجمع بين:   (١)  الشيء في حد ذاته، أي الشكل ذو  الدلالة المعنوية و   (٢)  التعبير عن رؤيا فنية شخصية و   (٣)  الإحساس  البيئي الاجتماعي الذي يصور الآلام والآمال المشتركة، فن جدير  بالذكر والتنويه والدرس والاعتبار. وإني لأزف إلى صديقتي  جان أخلص تهنئة على توفيقها التام في رسومها التي تفتح أعيننا  على صور الجمال التي تفيض بها   (أرض مصر) .

اشترك في نشرتنا البريدية