الصعب من الأمور ، ولكنه لا يضطر يوماً من الأيام إلى إهمال من أناه التي يتفاضل بها المميزون في الإبانة والجلاء والتأثير
ولقد تحدث أولئك البلغاء المصريون عن بلاغتهم العصرية ، فإذا بهم كالذى يتحدث عن السيارة فيعيب على الناس أن ينتقلوا في مركبة غير مركبة الحجر أو مركبة التراب ، لأن الغرض المفيد من صنع المركبات هو الانتقال السريع ، فا لهم إذذ لا يجتزنون من النماذج الفاخرة بهذه النماذج المبذولة ، وهى أقل في الثمن وأيسر في التكاليف ؟
لو كان هذا الكلام معقولا لكان تعرف الإنسان كله می تاريخة القديم وتاريخه الحديث غير معقول ، لأنه لا يكتفى بالفائدة في مطلب من المطالب ولا في عمل من الأعمال ، ولا يزال ينسى الفائدة في سبيل الجمال
وأغلب الظن أن تعريفات هؤلاء البلغاء المصريين للبلاغة لا تنتهى في حقيقتها إلا إلى تعريف واحد يصدق عليهم وعلى ما يلفقون من ذلك اللغط الرخيص ، وهو أن البلاغة في ما يستطيعونه ولا يعجزون عنه ، فما استطاعوه من كلام ، فهو بلیغ مقبول ، وما عجزوا عنه فهو من البلاغة السلفية ولو دارت الفاظه وعباراته على أحدث الآراء
وستمضى العصور وراء العصور ، وتنتقل الكتابة أسلوب إلى أسلوب ، ومن موضوع إلى موضوع ، ولكن العصور كلها عصر واحد في هذه الحقائق التي لا تقبل الشك ولا تأذن بالتبديل
وهى ( أولا ، أن الكلام الجميل مطلوب كما يطلب الجمال في كل غرض من أعراض الإنسان
وهي ثانياً ، أن البشر لن يستغنوا في زمن من الأزمان عن لغتين إحداهما تحتاج إلى درس وتعليم ، والأخرى تكتسب بالتلقين من الأفواه ، وإحداهما تصلح للتعبير عن معانى العلوم ولطائف الذهن وبدائع الخيال ، والأخرى لا تصلح لغير البيت والسوق
وهي ( ثالثاً » أن التراث الأدبى تراث باق يتجاوز عمر الجيل والجيلين والثلاثة الأجيال ، وما كان كذلك لا يكتب باللهجة التي تتبدل كل جيل وتختلف من بلد إلى بلد ، وتستخدم
بغير قاعدة ولا أصل تتفق عليه
ومتي كانت هذه الحقائق من وراء الشك والجدل ، فالدنيا لن تخلو من لغة خاصة ولغة عامة ، أو من لغة المفكرين وأصحاب القرائح والأذواق ، ولغة الجهلاء الذين لا يخلقون الصور الذهنية ولا يحسنون فهمها إذا خلقها لهم الآخرون
وإنه لأرحم بالناس وأكرم لهم أن يتعلم العامة كيف يفهمون الخاصة من أن يحرم على الخاصة أن يكتبوا شيئاً يعلو على مدارك العامة. إذ الواقع أننا لو استطعنا أن نكتب العلم والفلسفة بلغة السوق والبيت لم ترفع الصعوبة التي تحول بين الجهلاء وبين فهم تلك الموضوعات كائناً ما كان أسلوب الكتابة فيها
وأعجب العجب أن يقال أن الإنسان يتعلم ليحسن الطبخ واللبس والركوب ، ولا يتعلم ليحسن فهم جلائل الأفكار ومحاسن القراح وروائع الفنون ، بل يخلق مستعداً لفهمها بما تلقاه لهجات البيوت والأسواق

