بين القصة والشعر
قرأت كتاب (في ينتى) للمكاتب الكبير الأستاذ والعقاد : ولعله من أعمق ماكتب ، غير أنه لفت نظرى فيه الموازنة بين القصة والشعر . فالقصة عنده دون الشعر في المرتبة ، وهى أهون عليه من أن يضيع فيها وقتاً يمكن أن يقرأ فيه ديواناً من الشعر ، وله في هذه المفاضلة مقياسان يحدثنا عنهما في كتابه فيقول : غير أنى أعتمد في ترتيب الآداب على مقياسين يغنياني عن مقاييس أخرى ، وهما الأداة بالقياس إلى المحصول ، ثم الطبقة التي يشيع بينها كل فن من الفنون .
فكلما قلت الأداة وزاد المحصول ارتفعت طبقة الفن والأدب وكلما زادت الأداة وقل المحصول مال إلى النزول والأسفاف . وما أكثر الأداة وأقل المحصول فى القصص والروايات ؟ إن خمسين صفحة من القصة لا تعطيك المحصول الذي يعطيكه بيت كهذا البيت :
وتلفتت عينى فمذ خفيت عنى الطاول تلفت القلب
أو هذا البيت :
كأن فؤادى فى مخالب طائر إذا ذكرت ليلى يشد به قبصا
أو هذا البيت :
ليس يدرى أصنع إنى لجن اسكنوه أم صنع جن لإنس
أو هذا البيت :
أعيا الهوى كل ذي عقل فلست ترى
الا صحيحا له حالات مجنون
أو هذا البيت :
وقد تعوضت عن كل مشبهه فما وجدت لأيام الصبا عوضا
لأن الأداة هنه موجزة سريعة والمحصول متهب ياق ، ولكنك لا تصل في القصة إلى مثل هذا المحصول إلا بعد مرحلة طويلة في التمهيد والتشعيب ، وكأنها الخرنوب الذي قال عنه التركي - فيما زعم الرواة - إنه قنطار خشب ودرهم حلاوة !
أما مقياس الطبقة التي يشيع بينها الفن فهو أقرب من هذا – المقياس إلى أحكام الترتيب والتمييز . ولا خلاف في منزلة الطبقة التي تروج بينها القصة دون غيرها من فنون الأدب ، سواء نظرنا إلى منزلة الفكر أو منزلة الذوق أو منزلة السن أو منزلة الأخلاق . فليس أشيع من ذوق القصة ولا أندر من ذوق الشعر والطرائف البليغة ، وليس أسهل من تحصيل ذوق القصة الشعري الرفيع حتى بين النخبة المثقفين » وهذان المقياسان - كما ليسا بالحكم الفصل فى موضوع خطير كهذا.
فالمقياس الأول تحدث عنه علماء البلاغة والنقد ، فكانوا برون أن خير الكلام وأبلغه ، ما جمع المعنى الكثير في اللفظ القليل : وهذا المقياس ، وإن صلح للمفاضلة بين عبارة وعبارة أو بين بيتين من الشعر ، أو قطعتين من النثر ، في موضوع واحد ، فإنه لا يصلح للمفاضلة بين القصة والشعر ، وذلك أن فائدة القصة ليست مقصورة على الغرض الأساسي الذي وضعت من أجله ، ولم تكن خمسون صفحة في قصة ما ولو بلغت الطبقة الدنيا في القصص تمهيداً لفائدة تقال في سطر أو سطر ، ولكن هناك التصوير الرائع والوصف الدقيق ، لحركات الأحياء ، ونوازع النفوس وهناك النقد اللاذع لأوضاع المجتمع ، وهناك الحديث اللذه الرفيع عن المشاكل السياسية والاجتماعية في أسلوب قوى أخاذ ، وحسبنا هو من كاتب عبقرى ، ففى كل سطر بل في كل عبارة لذة ومتعة ريما لا نجدهما في أبيات كثيرة من الشعر، وقيمة الأسلوب في الآثار الأدبية ليست بالقيمة الهيئة التي لا يحسب لها حساب ، وقد تكون متعة القارىء بالأسلوب وفائدته منه ، ومن هذه الأشارات العارضة في ثنايا القصة أجل وأرفع من الفائدة الأساسية التي تهدف القصة للوصول إليها .
ولم أفهم قط المفاضلة بين بيت من الشعر وبين خمسين صفحة من قصة ، فإنه إذا كان الأثران صادرين عن نابغتين ، فلا شك
أن خمسين صفحة من قصة تعطينا من الفوائد أبلغ وأكثر مما يعطينا بيت أو أبيات كثيرة ، وإن كانت القصة ضعيفة ركيكة فلا يصح وزنها ببيت عبقرى ، ولا وجه للمفاضلة حينئذ ، على أنه إذا كان المرجع إلى الفوائد ممدودة محسوبة ، فإن الخمسين الصفحة قد تعطينا أكثر من البيت الواحد مهما بلغت من الضعف
أما المقياس الثانى ، فأحسبه ليس كذلك فاصلا ، فالطبقات الدنيا في الثقافة أو في الأخلاق لا تروج عندها إلا أنواع خاصة من القصص ليست هى التى يفاضل بينها . الكاتب وبين الشعر ، وكما يروج عندهم نوع من القصص رخيص ، كذلك يروج عندهم أنواع من الشعر رخيصة ، على أننا نجد أن ميل العامة ليس دائماً إلى القصص ، فهناك من الأمم ما يميل عامتها وخاصتها إلى الشعر ويروج عندهم ، وهناك أسم يميل عامتها وخاصتها إلى القصص ؛ فميل الطبقات الدنيا ليس حكما في المفاضلة بين نوع من الآداب ونوع آخر ، وإنما الحكم الفصل في طبيعة الآداب أنفسها ، ولعلنا نظفر من الكاتب الكبير إلى بيان شاف في هذا الموضوع
الخطير

