وإبطاله، وإنما هو بضد ذلك يقر (كانت) على القول به، ويراه كما رآه سلفه العظيم المطلق الكامن وراء عالم الظواهر. وإنما الذي يأخذه عليه إنه جعل هذا المطلق (علة) و (موضوعاً) ، ووقع بذلك في الخلف والشناعة. إذ لا علة وراء إمكان التجربة، ولا موضوع بغير ذات. والقول بموضوع في نفسه، بموضوع لا تعرفه الذات، تناقض في الحدود. كل موضوع فهو بالضرورة موضوع بالنسبة إلى ذات، أو إدراك مدرك. ليس الشيء في ذاته بظاهرة أو فكرة، ولا هي بشيء (موجود) بالفعل، وإنما هو المطلق المستقر وراء الظواهر والموجودات الواقعية؛ هو ذاك الذي (يظهر)، ذاك الذي يرد أن يوجد، لأنه غير موجود. إنه الإرادة - إرادة الوجود. وقد قرر (كانت) إن الشيء في ذاته ممتنع على المعرفة، وشوبنهاور يسلم له هذا أيضاً، إن كان المقصود بالمعرفة المعرفة الخاضعة لمبدأ السبب الكافي؛ ولكن هناك ضرباً من المعرفة المباشرة، نستطيع أن نكتشف به المطلق، ونكتشف إنه إرادة سرمدية: نزوع مطلق إلى الوجود والحياة والتحقق الموضوعي.
وليس عالم الظواهر بمعلول للشيء في ذاته أو الإرادة، لأن العلية لا تصح إلا على الظواهر وحدهاً؛ وليس هناك، إن طلبنا الدقة في التعبير، عالمان مترابطان برابطة العلة والمعلول، وإنما هو عالم واحد ذو وجهين، وجه الفكرة أو التمثل(١)، ووجه الإرادة أو النزوع - والأول مرئي مشهود، والثاني مغيب غير منظور . إنه من جهةٍ فكرة كله، ومن جهةٍ إرادة كله؛ وبعبارةً أخرى، إذا نظرنا إلى العالم من الخارج فهو فكرة، وإذا نظرنا إليه من الداخل فهو إرادة. وبعبارة أصح، ليس عالم الظواهر إلا تجسم الإرادة، أو تحققها الموضوعي؛ إنه الإرادة كما نراها، كما تبدو لنا(٢).
وصور العالم المرئي هو الزمان والمكان والعلية، وهي كل ما استبقاه شوبنهاور من جهاز (كانت) القبلي؛ على إنه جعل ما أسماه بمبدأ السبب الكافي التعبير العام عن هذه الصور، كما إنه أدرج هذا المبدأ، في كل أشكاله، تحت صورة عليا، هي ازدواج الذات والموضوع، وسنأتي بعد على بيان هذا كله.
وبفضل المكان والزمان والعلية يتم لنا، ولسائر الحيوانات إدراك العالم الخارجي. والذي يقوم بهذا الإدراك أو العيان، ويربط المدركات الحسية برباط العلية، هو (الذهن) وحده، لا الحساسية ثم الذهن، كما ذهب إلى ذلك (كانت) ؛ ولا (العقل) . ولذا (فكل عيان ذهني) . وقد ميز شوبنهاور بين (الذهن) و (العقل) كما ميز (كانت) ، ولكن على حين أن الأخير جعل العقل (بمعناه الضيق) قوة الصور أو المثل الكلية المنظمة لأحكامنا، قصره الأول على قوة التصورات المجردة، التي يتميز بها الإنسان على العجماوات، وليس من شأن هذه الملكة أن تكتشف أو تبتكر شيئاً، فذلك من شأن الذهن وحده، وإنما شأنها تجريد المدركات، وتعميمها، وربط بعضها ببعض، وحفظها، وتيسير استعمالها في المقاصد العملية.
(يتبع)
